; أبعاد التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة | مجلة المجتمع

العنوان أبعاد التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة

الكاتب المحرر العسكري

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

مشاهدات 56

نشر في العدد 1165

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

  • خبير اقتصادي أردني: الأردن يتلقى سنويًا من العراق نفط قيمته (500 ميلون) دولار يحصل على بعضها مجانًا ويسدد الباقي كصادرات غذائية وأدوية.

تصاعدت حدة التوتر في المنطقة التي شهدت تطورات متسارعة في أعقاب فرار المسؤول العراقي حسين كامل إلى الأردن، وبعد أن كان اهتمام المراقبين مُنصبًا على تأثير هذه الخطوة على النظام العراقي واحتمالات سقوطه، ومستقبل حسين كامل، فإن المسألة التي باتت تتصدر اهتمامات الأوساط السياسية هي احتمالات حدوث مواجهة أمريكية-عراقية في المنطقة في ظل الحشود العسكرية الأمريكية والحديث عن حشود عراقية باتجاه الحدود الأردنية والكويتية.

الولايات المتحدة كثفت خلال الأيام الماضية من تواجد قواتها في المنطقة، وتحدثت عن نيتها بتعزيز وجودها العسكري تحسبًا لأي أخطار محتملة تهدد الأردن أو الكويت، وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها أمرت عددًا من السفن الحربية التي تحمل معدات عسكرية تكفي (٢٧ ألف) جندي منهم (١٧ ألفًا) من مُشاة البحرية الأمريكية «المارينز» بالتوجه إلى المنطقة، كما طلب قائد القيادة المركزية الأمريكية «قوات التدخل السريع سابقًا» من رئاسة هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية في الولايات المتحدة إرسال (٢٥٠٠) جندي فورًا إلى المنطقة، وأعلنت وزارة الدفاع أنها ستنشر نحو (١٤٠٠) جندي أمريكي في الكويت في إطار برنامج تدريبي رادع. 

وفي إطار الحشود الأمريكية في المنطقة وصلت حاملة الطائرات الأمريكية «روزفلت» إلى الشواطئ الإسرائيلية، وقال وزير الدفاع الأمريكي وليام بيري: «إن الحاملة باتت في نطاق تحليق طائراتها إلى الأردن»، وكان بيري قد هدد في مقابلة مع صحيفة «واشنطن تايمزه» الصادرة في 15/ 8 بأن الولايات المتحدة ستدافع عن الأردن، وستستخدم صواريخ «توما هوك» ضد العراق في حال قيامه بأي تحرك عسكري لتهديد الأردن، وأضاف بيري أن في حاملة الطائرات إبراهام لنكولن التي كان مخططًا استبدالها بحاملة أخرى ستبقى في المنطقة حتى يبقى الخليج مغطى مائة بالمائة في ظل الأزمة الحالية، كما أشار إلى وجود خطط لتحريك بعض الأسلحة الأمريكية المخزونة مسبقًا في منطقة الخليج من أجل استخدامها في مناورات عسكرية.

وإلى جانب التعزيزات الأمريكية الجديدة في المنطقة فإن الأسطول الأمريكي الخامس يملك (٢١) سفينة في الخليج العربي، تتألف من مجموعة قتالية مرافقة للحاملة لنكولن، ومجموعة برمائية عليها (۲۰۰۰) من مشاة البحرية الأمريكية «لمارينز»، وأشار قائد القيادة المركزية الأمريكية الذي زار الأردن والكويت مؤخرًا بعد فرار المسؤول العراقي إلى أن الطائرات الأمريكية المنتشرة في الكويت والسعودية، والتي تزيد عن (۲۰۰) طائرة تكفي لمساعدة الأردن في حال تعرضه لتهديد عسكري.

المناورات الأمريكية:

وإضافةً إلى الحشود العسكرية الأمريكية فقد شملت الاستعدادات الأمريكية إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع القوات العسكرية في الأردن والكويت كلًا على حدة، ومع أن هذه المناورات كانت تجري بشكل دوري في الأعوام في وقت لاحق من العام الحالي، قد تم تقديم موعدها كإجراء وقائي رادع لأي تهديد للكويت.

الموقف في الأردن:

وقد أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي ووزير الدفاع وليم بيري حول استعداد الولايات المتحدة لتقديم الدعم العسكري للأردن في حال تعرضه للتهديد من قبل العراق، حفيظة عدد من النواب والكتاب الصحفيين في الأردن، الكاتب الصحفي الأردني طارق مصاروة قال في صحيفة «الرأي» إن الرئيس الأمريكي حاول «أن ينفخ في الموضوع ويعلن نشره مظلته على الأردن». أما الكاتب الصحفي الأردني طاهر العدوان فقد وصف التهديدات الأمريكية، وإعلان الاستعداد لحماية الأردن بأنها «مهمة تحريك الشر» في المنطقة، وقال: «إن ذلك مثير للاستهجان».

المسؤولون الأردنيون من جانبهم، وفي محاولة للتخفيف من حدة ردود الفعل المستاءة من التصريحات الأمريكية، أكدوا أنهم ليسوا مسؤولين عن أية تصريحات تصدر عن مسؤولين غير أردنيين، وأوضحوا أن المناورات العسكرية المشتركة مع القوات الأمريكية تأتي في إطار برنامج التعاون العسكري الموقع بين البلدين منذ عام ١٩٧٦م، وأكد رئيس الوزراء الأردني للنواب الأردنيين أن هذه المناورات مقرة منذ عدة سنوات ولا علاقة لها بالتطورات الأخيرة.

وأشارت وكالة الأنباء الأردنية «بترا» في تقرير لها عن المناورات إلى أن القوات المسلحة الأردنية حرصت منذ تأسيسها على رفع كفاءتها التدريبية وجاهزيتها القتالية من خلال ترسيخ استراتيجية التدريب المشترك مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة بقصد تبادل الخبرات والمهارات العسكرية، وأضافت أنه في هذا الإطار وضمن خطة التدريبات السنوية المشتركة تأتي المناورات الأردنية-الأمريكية الأخيرة والتي تجري بشكل سنوي.

وقد شملت المناورات الأردنية-الأمريكية التي بدأت في ١٨ أغسطس (آب) الماضي، وتستمر حتى نهاية الأسبوع الأول من شهر سبتمبر الجاري، مختلف أسلحة الإسناد، والخدمات، وسلاح الجو، والمدرعات، والمظليين، وسلاح البحرية، والطائرات الحربية، ولم تصدر حتى الآن أية معلومات عن عدد الجنود الأمريكيين الذين يشاركون في المناورات العسكرية في الأردن، وإن كانت بعض المصادر قدرت عددهم بنحو (٤٠٠٠) جندي من قوات المارينز.

حقيقة الحشود العراقية:

تضاربت الأنباء حول حقيقة وجود حشود عسكرية عراقية على الحدود الأردنية والكويتية، وحتى المسؤولين الأمريكيين أنفسهم لم تكن تصريحاتهم واضحة وحازمة حول هذه المسألة، فعلى الرغم من صدور تأكيدات من مصادر أمريكية بوجود تحرك مشبوه القطاعات عسكرية عراقية، فإن مسؤولين أمريكيين صرحوا بأنه لم يمكن رصد تحركات عراقية كبيرة في اتجاه الكويت أو الأردن، وأعلن مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية في 17/ 8 أن الولايات المتحدة اتخذت سلسلة تدابير عسكرية استعدادًا لعمل عسكري محتمل من قبل العراق، ولكنه أوضح قائلًا: «ليس لدينا معلومات عن نشاطات تهدد الأردن بالخطر» كما صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية كينيث براون أن الجيش العراقي لم يقدم على أية خطوات تهديدية، ولكنه يجري تدريبات عسكرية قد تُقَلِّص من فترة تحذير الأردن في حال إذا قررت بغداد مهاجمته، وقد وصف مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة بأنها «احترازية» للرد بأسلوب سريع ومناسب على أي تحرك عسكري عراقي غير طبيعي.

وعلى الصعيد العراقي نفى العراق وجود أي حشود عسكرية له على حدود الأردن أو الكويت، وقال نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز «إن العراق ليس في نيته مهاجمة أحد، وأن بغداد اعترفت بسيادة الكويت، وتقيم علاقات طبيعية وطيبة مع الأردن» وأضاف: «تعتبر الأردن شقيقنا وجارنا، ولقد أقمنا دائمًا علاقات طيبة مع هذا البلد، ونود المحافظة على هذه العلاقات».

وفي الأردن نفى وزير الداخلية الأردني أن يكون الأردن قد لاحظ حشودًا عراقية، وأكد أن الأردن مستعد وجاهز لحفظ أمنه وحماية حدوده ضد أية محاولات من شأنها المَسّ بالأردن، كما صرَّح وزير الخارجية الأردني الذي رفض تأكيد وجود حشود عراقية ضد الأردن بأن الأردن كان دائمًا مستعد لكل الاحتمالات، وأن لديه كل الخيارات للرد على أي تهديد وأضاف: «لن ينال أحد من أمننا، ولدينا كل الإمكانات للدفاع عن وطننا، ولن يملي أحد إرادته على الأردن».

 وفي الكويت استبعد وزير الدفاع الكويتي الشيخ أحمد الصباح أن يكرر العراق ما فعله في أكتوبر «تشرين أول» الماضي حين حشد قواته قرب الحدود العراقية، كما أكَّد ضابط كبير في البعثة الأمم المتحدة المراقبة الحدود بين العراق إیران، أن البعثة لم تشاهد أية علاقة توحي بوجود تحركات غير عادية للقوات العراقية في الشمال وهي المنطقة التي قال مسؤولون أمريكيون أنهم رصدوا تحركات فيها.

ومما سبق يتضح أن الحديث عن احتمال قيام النظام العراقي بمغامرة عسكرية جديدة على غرار ما فعله عام ۱۹۹۰م و١٩٩٤م يبدو مستبعدًا، وترجح كافة التقديرات أن العراق لن يقدم على مثل هذه المغامرة التي وصفها المسؤول العراقي الفار حسين كامل به «الانتحار»، وهو ما يطرح تساؤلات هامة حول أهداف الحملة الأمريكية لحشد قوات جديدة في المنطقة.

هناك جملة من الدوافع التي قد يقف واحد منها أو أكثر وراء التصعيد الأمريكي والحشود الأمريكية في المنطقة وأهمها: 

  1. ردع النظام العراقي عن التفكير في القيام بأية مغامرة غير متوقعة للخروج من المأزق الجديد، الذي يعانيه جراء أزمته الجديدة المتمثلة في هروب عدد من قادته البارزين، وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي بأن مهمته في الوقت الراهن هي «جعل الحكومة العراقية تعرف أننا في وضع نستطيع فيه القيام بالرد»، وفي هذا السياق يمكن تفسير التحركات الأمريكية في المنطقة من حشود ومناورات مشتركة كإجراء احترازي، كما وصفه مسؤولون أمريكيون.

  2. استغلال التطورات الجديدة المتمثلة في هروب المسؤولين العراقيين والتغيير الملحوظ في الموقف الأردني تجاه العراق لممارسة ضغوط أكبر على النظام العراقي بهدف إضعافه أو إسقاطه إن أمكن، وقد وصف مسؤول أمريكي هروب حسين كامل بأنه فرصة نادرة لمحاولة عزل الحكم العراقي بصورة أكبر، ومما يعزز هذا الاحتمال زيارة وفد أمريكي كبير للأردن، وطلبهم من الأردن قطع معظم علاقاته الاقتصادية مع العراق على أن يتم تعويضه عن أية خسائر قد تلحق به بسبب ذلك، ويذكر أن خبيرًا اقتصاديًا أردنيًا قدر قيمة النفط الذي يتلقاه الأردن سنويًا من العراق بنحو (٥٠٠ مليون) دولار، يحصل على بعضها مجانًا، ويسدد قيمة الجزء الآخر بصادرات غذائية وأدوية، كما أن العراق مدين للأردن بحوالي (۱۱۰۰ مليون) دولار، ويصدر الأردن نحو ۲۰% من صادراته إلى العراق.

  3. تعزيز مواصلة فرض الحصار الاقتصادي على العراق، وقطع الطريق على أية فرص لتخفيف العقوبات المفروضة على النظام العراقي، وتعد التطورات الجديدة فرصة مناسبة ليس فقط لإبقاء الحصار، وإنما تشديده، وجاءت هذه الفرصة الجديدة في ظل شرخ في الموقف الدولي تجاه مواصلة فرض العقوبات على العراق.

  4. دعم موقف الرئيس الأمريكي في حملته الانتخابية التي باتت على الأبواب، واستغلال الحملة الأمريكية العسكرية في المنطقة كورقة انتخابية قد تساعد في تعزيز موقف الرئيس الأمريكي وفرصته في النجاح، والتي تبدو ضعيفة حتى الآن.

  5. مواصلة تعزيز الوجود والنفوذ الأمريكي في المنطقة، وهو هدف إستراتيجي مستمر لدى الإدارات الأمريكية المختلفة.

وقد تختلف التقديرات والتوقعات حول دوافع التصعيد الأمريكي في المنطقة، وحول مستقبل النظام العراقي، ولكن الشيء المؤكد أن تغييرات كبيرة تطرأ على طبيعة العلاقات بين دول المنطقة، تُنبئ باحتمال قيام تحالفات جديدة، ربما لم تكن متوقعة قبل أسابيع قليلة، ويحدونا الأمل أن يكون أي تغير في ملامح الصورة السياسية في المنطقة لصالح شعوبها وقضاياها، لا أن يتم تسخيرها لخدمة مصالح الآخرين ومخططاتهم التي يرسمونها للمنطقة، والتي قد ينظرون إلينا من خلالها كمجرد أدوات لتنفيذ مآربهم ومخططاتهم. 

الرابط المختصر :