العنوان هل تربة الإسلام عربية؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009
مشاهدات 51
نشر في العدد 1859
نشر في الصفحة 35
السبت 04-يوليو-2009
نعم جاءت رسالات ونبوات إلى الدنيا وكل له وجه وله دعوة، وصدق الله: (وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ) (البقرة: 148).
وجاءت رسالة الإسلام واختيرت لها الأمة العربية، وكان ذلك لأسباب كثيرة منها: أنها أمة العقل والاستيعاب وصاحبة الصفات العليا السامية، فكانت بحق التربة الخصبة لرسالة الإسلام الخالدة، التي شرّف الله سبحانه وتعالى الأمة بها؛ لأن العرب كانت عندهم المقومات التي تؤهلهم للقيام بهذه الرسالة العظيمة لهداية البشرية.
فيجب أن ندرك أن حياة العرب تعني عز الإسلام، ومحاولة إقصاء العرب وإبعادهم هي خطوات لإبعاد الإسلام عن المسرح الإنساني والعالمي، حتى يمرح الدجل السياسي والاستعباد الفكري، والوهم الاجتماعي، الذي أخذ من أعمار الأمم الكثير في القديم والحديث على السواء؛ ففي القديم كانت الكهانة التي محت العقول وسلبت البحث والتقدم للوصول إلى ما بثه الله في الكون من دلائل للوصول إلى بديع حكمته وحكمه، فجاء الإسلام ليبعد الدجل ويبرز الحقائق.
فقال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد»، ثم فتح الباب للتأمل والوصول إلى الحقائق عن طريق الملاحظة والعقل، ففتح العقول مثلا على علم قيافة النسب ينظر في شبه الإنسان فيعرفه ويعرف أنه من القبيلة الفلانية، أو أن هذا هو ابن هذا الرجل أو هذا أب لهذا، أو هذا أخ لهذا أو هذا من قبيلة كذا، وهذا شيء لا بأس به، هذا يسمى القيافة قيافة النسب ومعرفة الشبه، ومنه قيافة «مجزز المدلجي» العربي حين نظر إلى أقدام أسامة بن زيد وزيد بن حارثة - رضي الله عنهما - وقد التحفا قطيفة وغطيا رأسيهما وجسميهما وعريت الأرجل الأربعة، فلما مر وراء هذه الأرجل كانت رجل «زيد» بيضاء ورجل «أسامة» سوداء فرجلان سوداوان ورجلان بيضاوان، وقد التحفا بقطيفة ولم تبد إلا الأرجل ولا يدري، فلما مر قال: إن هذه الأرجل بعضها من بعض، فسر النبي ودخل على عائشة وتبرق أسارير وجهه وقال: «ألم تسمعي لمجزز المدلجي، جاء آنفا وقال: إن هذه الأرجل بعضها من بعض».
وكان بعض الناس يطعنون في نسب أسامة، فلما جاء «مجزز المدلجي» وكان مشهورًا بالقيافة وقال: إن هذه الأرجل بعضها من بعض سر النبي ﷺ فاعتمد الرسول ﷺ قيافة النسب، وأزال الشكوك عند بعض المشككين في نسب أسامة من أبيه زيد؛ لأن هذا من أهل القيافة، وأثبت نسبه منه، وأن هذه الأرجل بعضها من بعض.
ومما جاء في قوة ملاحظات العرب وعظيم فهمهم ما يروى أن نزار بن معد - أحد أجداد رسول الله ﷺ - لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وهم مضر، وربيعة، وإياد، وأنمار، فقال لهم: إذا أشكل عليكم أمر الإرث واختلفتم في القسمة فعليكم «بالأفعى الجرهمي»، وكان رجلا صاحب فراسة بنجران.
فلما مات «نزار» اختلفوا وأشكل عليهم أمر القسمة فتوجهوا إلى «الأفعى»، فبينما هم في مسيرهم إليه إذ رأى مضر كلأ قد رُعي. فقال: إن البعير الذي رعى هذا أعور.
فقال ربيعة وهو أزور.
وقال إياد : وهو أبتر.
وقال أنمار وهو شرود.
فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل فسألهم عن البعير فقال مضر: أهو أعور؟ قال: نعم. قال ربيعة: أهو أزور؟ قال: نعم. قال إياد: أهو أبتر؟ قال نعم. قال أنمار: أهو شرود؟ قال نعم، هذه والله صفة بعيري دلوني عليه. فحلفوا له أنهم ما رأوه فلزمهم وقال: كيف أفارقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته؟ فساروا وسار معهم حتى قدموا نجران فنزلوا عند «الأفعى الجرهمي»، فحاكمهم صاحب الجمل إلى «الأفعى» وقال: وصفوا لي بعيري صفته ثم قالوا: لم نره.
فقال لهم «الأفعى»: كيف وصفتموه ولم تروه؟
فقال له مضر: رأيته يرعى جانبا ويترك جانبا فعرفت أنه أعور.
وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة والأخرى فاسدة الأثر فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه وطلبه لازوراره.
وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره، ولو كان ذيالا المصع به.
وقال أنمار: عرفت أنه شرود بأنه كان يرعى في المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث.
وحلفوا أنهم ما رأوه، فقال «الأفعى»: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه.
ثم سألهم: من أنتم؟ فأخبروه، فرحب وقال: تحتاجون إليّ وأنتم في جزالتكم وصحة عقولكم وآرائكم على ما أرى؟ ثم خرج عنهم وأرسل إليهم بطعام فأكلوا وبشراب فشربوا.
فقال مضر: لم أر خمرًا أجود منها لولا أنها نبتت على قبر.
وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلب.
وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه ليس لأبيه الذي يدعى له.
وقال أنمار: لم أر كاليوم كلامًا أنفع في حاجتنا.
وسمع «الأفعى» كلامهم فقال: ما هؤلاء الشياطين.
ثم أتى أمه فسألها، فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا نزل بنا فجئت أنت منه.
وقال لـ القهرماني: الخمر الذي شربنا ما أمرها؟ قال: من حبلة غرستها على قبر أبيك.
وسأل الراعي عن اللحم فقال: شاة أرضعناها من لبن كلبة ولم يكن في الغنم غيرها.
فقيل لمضر من أين عرفت الخمر؟ فقال: لأني أصابني عطش شديد.
وقيل لربيعة: من أين علمت اللحم؟ قال: لأن لحم الكلب يعلو شحمه بخلاف لحم الشاة فإن شحمها يعلو لحمها.
وقيل لإياد: من أين علمت أن نسبي لغير أبي؟ قال: لأنه وضع الطعام ولم تجلس معنا فيكون أصلك دنيئا. ثم قصوا عليه قصتهم وما أوصى به أبوهم، وما كان من اختلافهم فقضى بينهم.
هذه هي العقول العربية المضرية التي تفقهت وحملت الرسالة، وأخرجت منها الأسرار والحكم المرادة التي سارت عليها البشرية، لتكون فعلا خير أمة أخرجت للناس، أما اليوم وقد ضاع منها عقلها وند منها فهمها للحياة، فقد ضاع منها كل شيء، نعم كل شيء ولا حول ولا قوة إلا بالله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل