; أطفالنا في رمضان (٢) | مجلة المجتمع

العنوان أطفالنا في رمضان (٢)

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008

مشاهدات 68

نشر في العدد 1818

نشر في الصفحة 58

السبت 06-سبتمبر-2008

في المقال السابق، شرعت في الإجابة عن بعض الأسئلة والاستفسارات الواردة من الآباء والأمهات. وهي خاصة بتربية الأولاد وكيفية التعامل معهم في المواقف الرمضانية، وقد أجبت عن أربعة أسئلة سابقًا، وفي هذا المقال أستمر في الإجابة عن هذه الأسئلة.                                          

السؤال الخامس: اكتشفت أن طفلي البالغ يتسلل إلى المطبخ في نهار رمضان ويأكل ويشرب خفية، وقد كرر ذلك عدة مرات، كيف أتعامل مع هذه المشكلة؟ 

الجواب: يمكن تركيز الإجابة عن هذا السؤال في عدة نقاط، هي: 

أولًا: التركيز على إكساب الطفل قيمة المراقبة، ويمكن ذلك بوسائل متعددة، منها الحوار والاستشهاد بآيات القرآن الكريم: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الحديد: 4)، وكذلك الأحاديث الشريفة، وضرب أمثلة ونماذج من حياة المخلصين، كما يمكن تربية الطفل على المراقبة باستخدام أسلوب القصة، وهذا ما صنعه «الجنيد» مع تلاميذه، عندما أمرهم في نهاية درس العلم بأن يأتي كل منهم في المرة القادمة ومعه فرخ قد ذبحه في مكان لا يراه فيه أحد، فأتي جميع التلاميذ وقد فعلوا ما أمرهم به أستاذهم، إلا أحدهم لم يفعل.. فسأله «الجنيد» عن سبب عدم تنفيذه التوجيه، فأجاب: كنت كلما ذهبت إلى مكان وجدت فيه أحدًا، فلم أجد مكانًا أخلو فيه بنفسي؛ فقال: من كان معك؟ قال: كان الله معي في كل مكان ذهبت إليه؛ فكان هذا هو التلميذ الوحيد الذي نجح في اختبار المراقبة!

ومن القصص المؤثرة في الأطفال والتي تغرس فيهم المراقبة، قصة شيقة لرجل اسمه «نوح بن مريم» وكان ذا جاه ونعمة، وصاحب دين وخلق وكانت له ابنة على دين وخلق، وذات نسب وجمال، وكان لنوح هذا عبد يسمى «مبارك» لا يملك من الدنيا شيئًا، غير أنه ذو دين وخلق أرسله سيده ليحرس بساتينه، فبقي في حراستها شهرين إلى أن جاءه سيده ليستجم ويستريح في البساتين، فجلس تحت ظل شجرة، وطلب من خادمه قطف عنب، فجاءه بقطف حامض لم ينضج، فكرر الطلب، فجاءه مرة ثانية بقطف حامض، فطلب منه قطف عنب للمرة الثالثة، فجاءه بقطف حامض فكاد أن يسيطر عليه الغضب، وقال له: يا مبارك، أطلب منك قطف عنب قد نضج وتأتي بقطف لم ينضج؟! ألا تعرف حلوه من حامضه؟! قال مبارك والله يا سيدي، ما أرسلتني لآكله، وإنما أرسلتني لأحفظه، وأقوم على خدمته والله الذي لا إله غيره ما ذقت منه عنبة واحدة.

والله الذي لا إله إلا هو ما راقبتك، ولا راقبت أحدًا من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء! فأعجب نوح بن مريم بخادمه، وقال له : الآن أستشيرك والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششة والمستشار مؤتمن، وقد تقدم لابنتي فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوج هذه البنت؟ فقال مبارك: لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب، واليهود يزوجون للمال والنصارى للجمال، وعلى عهد رسول الله ﷺ يزوجون للدين والخلق، وعلى عهدنا هذا للمال والجاه والمرء مع من أحب، ومن تشبه بقوم فهو منهم.

نظر نوح بن مريم، وتدبر ما قاله مبارك فما وجد خيرًا منه، فأعتقه أولًا، فقال له: أنت حر لوجه الله ثم قال: لقد قلبت النظر، فرأيت أنك خير من يتزوج ابنتي، وسوف أعرض الأمر عليها، وذهب إلى ابنته وعرض الأمر عليها، قالت لأبيها: أترضاه لي؟ قال: نعم، قالت: فإني أرضاه مراقبة للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فكان الزواج المبارك من «مبارك»، فما ثمرة هذا الزواج؟ لقد حملت هذه المرأة من زوجها، وولدت طفلًا أسمياه عبدالله، وهو «عبدالله بن المبارك» المحدث الزاهد العابد، الذي يعرف الجميع سيرته الزكية الطاهرة وذكراه النقية، لقد أوردت هذه القصة هنا لما لها من تأثير قوي في نفوس الأطفال، كما أن هناك وسائل أخرى تجدي في علاج هذه المشكلة، ومن ذلك إبراز ثواب الصوم لأطفالنا، وأثره على صحة الطفل ورشاقته، وتجديد الحيوية والنشاط وخلايا الجسم، وطرد السموم، وأثره في علاج كثير من الأمراض والوقاية.. إلى غير ذلك مما يرغب أطفالنا في الصوم.

السؤال السادس: لي جارة تشفق على أطفالها: فلا يصومون برغم أنهم كبار، ماذا أقول لها؟

مثل هذه الأم تبصرها بأنها إذا كانت رحيمة بأولادها فيجب عليها أن تربيهم على طاعة الله، فإن طاعة الله عز وجل هي التي تنجيهم في الدنيا والآخرة، وقد أخبر رسولنا الرحيم أنه: «يؤتى بأنعم أهل الأرض، فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا، والله ما رأيت نعيماً قط، ويؤتى بأبأس أهل الأرض، فيغمس في الجنة غمسة واحدة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت بؤسًا قط» (رواه مسلم).

السؤال السابع: رمضان شهر القرآن، ولكن ابني متعسر في حفظ القرآن الكريم، ويعزف عنه، فهل من إرشادات تيسر له الحفظ؟

الجواب: هناك مجموعة من الأسس التربوية، إذا روعيت استطعنا أن نستثمر قدرات الطفل واستعداداته في حفظ القرآن الكريم، وبذلك نتغلب على معوقات الحفظ لديه، ونحبب إلى نفسه القرآن الكريم، وأهم هذه الأسس:

  1. مراعاة قدرات الطفل على الحفظ، فالأطفال بينهم فروق فردية، حتى الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، بعضهم تميز بقدرته على الحفظ كعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعبدالله بن عباس وغيرهم، وبعضهم كان متعثراً في الحفظ، كسيدنا خالد بن الوليد سيف الله المسلول، حتى شكا تعثره هذا إلى رسول الله ﷺ، لكنه تميز في قدراته القيادية والعسكرية، فكل ميسر لما خلق له.
  2. إحسان النية، والعزم القوي على حفظ القرآن الكريم، وطلب العون من الله تعالى بالدعاء المتواصل.
  3. بیان منزلة كتاب الله وقدسيته للطفل.
  4. إبراز فضل حفظة القرآن الكريم والعاملين به «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (رواه البخاري).
  5. فهم الطفل المعنى الإجمالي للآيات التي سيحفظها، فقد ثبت علمياً أن الطفل يحفظ ما يفهمه أسرع وأيسر مما لا يفهمه.
  6. تدريب الطفل على الحفظ، واستخدام طرق الحفظ التربوية، وتدريبه على إيجاد روابط معنوية ولفظية تذكره بالسورة التي يحفظها.
  7. إحسان اختيار الوقت المناسب للحفظ، وأفضل الأوقات بعد استيقاظه من النوم، حيث يكون التركيز قويًا، وخاصة عقب صلاة الفجر.
  8. دفع الأبناء للمشاركة في حلقات التحفيظ بالمساجد والمؤسسات الخيرية.
  9. رصد الجوائز والحوافز المادية والمعنوية لتشجيع الأطفال على حفظ القرآن الكريم.
  10. تشجيع التنافس الشريف بين الأطفال على مستوى الأسرة ورصد جوائز متدرجة للجميع كل حسب إنجازه في الحفظ، والتحذير من نسيان القرآن الكريم أو بعضه.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 123

78

الثلاثاء 24-أكتوبر-1972

أكثر من موضوع (123)

نشر في العدد 1137

78

الثلاثاء 07-فبراير-1995

الفقه والمجتمع- العدد 1137