العنوان المجتمع الأسري (العدد 1102)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1994
مشاهدات 105
نشر في العدد 1102
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 07-يونيو-1994
للداعيات فقط
الصبر .. الصبر
يقول الإمام أحمد: إن الصبر ذكر في القرآن في نحو تسعين موضعًا، وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان؛ فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر.
عبارة جميلة لو قسناها على واقعنا لوجدنا أن القليل يعمل بها، فصور الجزع باتت متعددة في مجتمعنا اليوم، منا من يجزع لأقل أمر يعترضه، ناسيًا في الوقت نفسه نعم الله العديدة عليه، فهذه تجزع حين يمرض طفلها، وتلك تشتكي لأن موردها المالي قليل، وثالثة تتأزم نفسيًا بسبب ما تلقاه من زوجها وأطفالها، فتغرق في كآبة شديدة.. وبعد؟؟ أين هو الصبر في حياتنا؟؟ ألسنا ندرك أن ابتلاءات الحياة كثيرة لا تنتهي؟؟
ألسنا نردد جميعًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد: 4)؟ ألسنا نعلم أن دوام الحال من المحال، وأن المرء قد يتقلب بين الفقر والغنى، والصحة والمرض، والسعادة والشقاء.. إلخ..
ثم ما لنا نرى الجانب السلبي من الحياة، ونغفل عن الجانب المشرق! إن نعم الله علينا لا تكاد تحصى، لكننا لا نكاد نلتفت لها بسبب هذا القنوط الشديد الذي يلفنا.. لو استعرضت الواحدة منا حياتها لوجدت أنها أفضل من غيرها بكثير، سواء من الناحية المادية أو الأسرية وغيرها.. لكنه حتمًا هذا الجزع الذي يغلب جانب الشكر، وبالتالي لا نصبر على ما قدره لنا الله تعالى.
تعالي إذًا نحاول من جديد، وننمي صفة الصبر بداخلنا، كي ننال نصف الايمان، ثم ننطلق بالشكر لننال الإيمان كاملًا.
سعاد الولايتي
إلى الأخت الداعية:
المرأة المسلمة مسؤولة عن صناعة مستقبل أمتها
بقلم: زينب الغزالي الجبيلي
الذين يقولون بأن المرأة هي نصف المجتمع، أعتقد أنهم لم يأتوا بجديد، ولم يضيفوا شيئًا، لأن المرأة هي بالفعل نصف المجتمع من حيث المسألة العددية، لكن الحقيقة التي أؤمن بها أن المرأة هي كل المجتمع؛ لأنها نصفه من الناحية العددية، ومسؤولة عن النصف الآخر من حيث التربية والتوجيه والبناء والرعاية والاهتمام.. إنها مسؤولة عن تربية الرجل ابنًا، ورعايته أخًا وزوجًا وأبًا.. والمرأة بهذا المفهوم الواسع هي صاحبة الدور الأساسي في بناء الأسرة الصغيرة، وهي لبنة المجتمع الأساسية، وهي كذلك صاحبة المسؤولية الكبرى عن إصلاح المجتمع الأكبر من خلال التربية الإيمانية والخلقية والسلوكية والعقائدية لأبنائها وبناتها، فالرجال العظام، والشباب الناهض، والسيدات الواعيات، والفتيات الناضجات هم نتاج الأم العظيمة، والسيدة الواعية، والمرأة المربية، التي ربت فأحسنت، وأدبت فأجادت، وزرعت فأثمر زرعها طيبًا، وتحملت حتى سعدت وأسعدت.
أما الشباب الضائع والرجال التافهون والفتيات التائهات فهم نتاج الأم الضائعة، التائهة في عوالم الانحلال والتفسخ والتمرد على الفطرة السليمة.. انشغلت بتوافه الأمور، ولم تدرِ لها غاية، ولم تحدد لنفسها هدفًا، فكان هذا هو نتاج غرسها، وحصاد زرعها، وبعض ثمار طريقها.
المرأة المسلمة إذن مسؤولة عن صناعة مستقبل أمتها، فهل وجدت من الأمة الرعاية الواجبة والعناية الحقيقية، والتأهيل الجيد، والاهتمام المناسب، الذي يساعدها على أداء دورها الخطير، ومسؤوليتها الجسيمة، وأمانتها الثقيلة؟ هل وجدت المرأة المسلمة من علماء الأمة ومفكريها توضيحًا لهذا الدور وتحديدًا لهذه المسؤولية، وتعظيمًا لهذه الأمانة؟.. هل وجدت المرأة المسلمة من الجهات المسؤولة الرعاية الواجبة؟.. لا أعتقد أن الإجابة على هذه التساؤلات في صالح الأمة جمعاء؛ لأن الواقع الذي نعيشه، والظروف التي نحياها، والحوادث التي تمر بنا، تؤكد بوضوح أن المرأة المسلمة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي لم تستوعب بعد رسالتها وأمانتها؛ لأنها في الأساس لم تفهمها الفهم الكافي، ولم تتدرب عليها التدريب الوافي، ولم ترتب حياتها وسلوكياتها وطموحاتها على هذا الأساس، ووفق هذا الهدف، ولم تنسج أثواب خيالها في ظلال هذه الغاية النبيلة.
علماء الأمة إذن عليهم الدور الأساسي في توضيح واجب المرأة المسلمة، وشرح مسؤوليتها الكبيرة، وتوفير فرص التربية الحقة والتوعية الصادقة، بعيدًا عن التفريط أو الإفراط، وبعيدًا عن الاهتمام بالضمائر على حساب الأصول والثوابت، وبعيدًا عن التعامل مع المرأة على أساس العادات والتقاليد البالية على حساب الشرع الحنيف والهدي النبوي الشريف.. علماء الأمة يجب أن يكشفوا عن دور المرأة في المجتمع الإسلامي الأول، الذي رباه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن هذا الدور يجب أن تستمد المرأة في عصرنا وضوح رسالتها وأصالة مسؤوليتها.. ولا زال الجهد المبذول في هذا الاتجاه قليلًا، وما زال الاجتهاد في هذا الميدان يحتاج الكثير والكثير.
إن المرأة المسلمة هي أساس بناء النهضة وأساس التقدم، وعليها أن تدرس تاريخها دراسة بحث واهتمام، وعليها أن تحدد هدفها في ضوء مسؤوليتها العظيمة، وأمانتها الثقيلة في تربية الأبناء وصناعة الرجال.. المرأة المسلمة التي تعرف ذلك، وتعرف أن أمتها في محنة، تحتاج إلى رجال عظام ونساء فاضلات، عليها أن تسارع إلى أداء دورها وتربية أبنائها على الجد والاجتهاد.. وعلى البذل والتضحية والعطاء.. المرأة المسلمة يجب أن تزرع في أبنائها حب المعالي، وقوة الإرادة، وصدق العزيمة، وسمو الغاية، ونبل الهدف.. عليها أن تزرع في أبنائها حب الطموح، وقوة الشخصية، وصفات المروءة والرجولة وأمانة المسؤولية.
والرجل المسلم هو العون الأساسي للمرأة على أداء رسالتها وفهم مسؤوليتها، وهو الذي يوفر لها الجو المناسب والظروف الملائمة لقيام المرأة المسلمة بمسؤوليتها عن صناعة مستقبل الأمة وأداء رسالتها النبيلة في إسعاد البشرية جمعاء.
المركز الإسلامي في روسيا يقيم:
ندوة المسلمات الأولى في حوض نهر الفولغا
موسكو: فرج اللداوي
بدعوة من المسجد والمركز الإسلامي في مدينة سراتف في روسيا أقيمت يوم 94/5/14 م «ندوة المسلمات الأولى في حوض نهر الفولغا»، وكانت تحت إشراف الشيخ مقدس بيبرسوف رئيس الإدارة الدينية لحوض نهر الفولغا، ومسؤول المركز الإسلامي هناك، وبإدارة السيدة خاطيرة وهي من المسلمات التتريات، وقد ألقيت في الندوة العديد من الكلمات، تناولت مكانة المرأة في الإسلام بالمقارنة مع وضعها في «الجاهلية»، وكذلك مقارنتها مع وضع المرأة في المجتمع الغربي، كما تناولت الندوة أهم المشاكل والصعوبات التي تعترض المرأة المسلمة في روسيا من النواحي العقائدية والثقافية والاجتماعية، وقد شارك في الندوة بعض الدعاة والداعيات العرب الذين طرحوا نقاطًا عملية لتوعية المرأة المسلمة هناك من خلال النشاطات والمعارض والمؤتمرات، ونشر الحجاب الإسلامي، وغيرها من النشاطات.
وقد اختتمت الندوة أعمالها بإصدار التوصيات التالية:
1- بناء شخصية المرأة الإسلامية في روسيا على أساس العقيدة الإسلامية والسنة النبوية الشريفة.
2- توعية المرأة ثقافيًا واجتماعيًا وتربويًا وسياسيًا ضمن مبادئ الإسلام.
3- الحض على أن تأخذ المرأة دورها في تربية الأجيال، والقيام بواجباتها تجاه البيت والزوج.
4- أن تأخذ المرأة حقها الكامل في التربية والتعليم.
5- أن تقوم المرأة بواجبها في الدعوة إلى الله، والعمل الإسلامي، والعمل على نشر الحجاب الإسلامي.
6- تبني قضايا المرأة المسلمة في العالم، ودعم قضاياها فيما تتعرض له من مآسي القتل والتشريد والاغتصاب في البوسنة والهرسك وفلسطين، وسائر أنحاء العالم.
آداب تعامل المرأة مع البائع:
1- يفضل أن تخرج المرأة إلى السوق برفقة محرم لها.
2- أن تتحدث المرأة مع البائع بإيجاز، وليكن صوتها أقرب إلى الجدية، وبعيدًا عن الترقيق والغنج، ولتتجنب كثرة النقاش عن أصل السلعة ومصدرها وربحها وخسارتها وغير ذلك.
3- أن تتجنب الإكثار من مفاصلة ومساومة البائع.
4- ألا تكثر من طلب إنزال البضائع وعرضها، وفي نيتها عدم الشراء، بل التسلي وإضاعة الوقت، فهذا يوغر صدر البائع وربما يؤذيها بكلامه.
5- أن تحرص عند مناولته النقود أو تناولها منه ألا يمس يدها، وأن تحذر من أن يقيس لها البائع أسورة أو خاتم.
6- أن تحرص المرأة على جعل مسافة مناسبة بينها وبين البائع، وأن لا تتيح له الاقتراب منها أكثر من اللازم.
7- أن لا تسمح للبائع بكثرة الحلف على بضاعته بهدف ترويجها؛ ولا ينبغي أن تكون سببًا لهذا الحلف.
8- ألا تدخل محلًا خاليًا من صاحبه، ويفضل أن لا تدخل محلًا هي الزبونة الوحيدة فيه، خاصة إذا كان المحل كبيرًا، وفيه عدد من العاملين.
9- أن تحذر من أن يمسها رجل إذا دخلت سوقًا أو محلًا مليئًا بالمشترين، وتحرص على عدم الوقوف في الطريق، والانحناء لتفقد سلعة ما فيصطدم بها المارة.
10- أن تتفق مع البائع على إرجاع البضاعة أو إبدالها إن كانت لا تصلح من حيث المقاس قبل أن تخرج من المحل، حتى لا تحرج فيما بعد.
11- إن رأت من البائع ليونة في كلامه، أو سوء أدب من حركاته، فلتتصرف بالشكل المناسب؛ بحيث لا تثير ضجة تلفت نظر الناس وانتباههم إليها، ثم تنسحب بهدوء ولا تشتري من ذلك البائع.
12- يجب أن لا تنسى المرأة الحفاظ على حجابها، ولا تتهاون بشأنه في زحمة الشراء.
13- أن تحذر من خلع ملابسها في محل الألبسة، أو عند الخياط بقصد التجربة أو القياس، فهذا غير جائز، ولتتفق مع البائع أو الخياط منذ البداية على أن تقيس الملابس في البيت، إن كانت هناك ضرورة لذلك.
أم صهيب جعابو
من تجارب أم- طفلي والصلاة
بقلم: حياة الجاسم
حين كانت ابنتي طفلة صغيرة لا تتجاوز الثلاثة أعوام، لم يكن يدور بخلدي أنني سأواجه بعض المتاعب معها بخصوص عبادة الصلاة، فقد تصورت أنها ستقبل على أدائها بحماس ونشاط، بحكم ما تراه من محافظة والديها عليها، مع تقدم ابنتي في العمر أسعدني منها ما كنت أراه من نباهة وفطنة، وتقبل شديد لتوجيهاتي التربوية، واقتناع شديد بها، فحين أحدثها عن حرمة أمر ما كانت تنفر منه بشدة وتسارع لتركه، وبالمقابل فقد كانت تقبل بحماس على الحلال الذي أبينه لها، وحين كنت أجلس معها في المساء أحكي لها الحكايات كانت تحدثني بحماس كيف أنها حين تكبر سترتدي الحجاب، وتحفظ القرآن، وكيف أنها لا تحب صاحبتها فلانة؛ لأنها تكذب، أو تلك الأخرى لأنها تتلفظ ببذيء الكلام، كنت أسمع كل ذلك منها، وأسعد، وأدعو لها بالرشاد والسداد.
قبل سن السابعة رحت أهيئها لعبادة الصلاة، وكيف أنها عند بلوغها السابعة عليها بالمحافظة عليها، وأداء الفروض الخمسة كاملة، ورحت أعلمها الوضوء وعدد ركعات كل صلاة، أعلنت لأفراد عائلتي أن ابنتي قد بلغت السابعة، وهي بالتالي ستبدأ في الصلاة، وقد حرصت على إعلان ذلك أمامها؛ حتى أشعرها بأهمية هذه المرحلة من حياتها، وقد كانت هي شديدة الغبطة بذلك، فقد كانت تسعد حين يعاملها الجميع كفتاة كبيرة، وهذا الأمر لا شك سيحقق لها ما تريد، أما أنا فقد كنت أعتقد أن الأمر سيسير بصورة طبيعية تمامًا، ولن أواجه مشاكل بخصوصه، إلا أنني فوجئت باليوم التالي حين استيقظت ابنتي من النوم، ولم تؤد الصلاة، فنبهتها لذلك فسارعت لأدائها، إلا أن هذا الأمر تكرر منها في باقي الفروض، فقلت لنفسي: إنها لا زالت حديثة عهد بهذا الأمر، وعليَّ بالصبر، لكن نسيان ابنتي تكرر في الأيام والأسابيع التالية، مما أثار ضيقي، وأصابني بخيبة أمل شديدة، حيث لم أتوقع منها ذلك، بجانب ما كنت أراه من جوانب مشرقة في شخصيتها.
عرضت مشكلتي على صديقة لي، فبينت لي أن الأمر يتطلب مني صبرًا واحتمالًا، وألا أكلف الصغيرة فوق طاقتها، وأنه من الأفضل كذلك أن أبدأ معها تدريجيًا؛ بحيث أعودها على صلاة الفجر في البداية ثم بعد عدة شهور صلاة الظهر، وهكذا حتى لا يتسرب الملل والضيق إلى نفسها، وقد نبهتني صاحبتي إلى نقطة مهمة، وهي أن الطفل بهذه السن لم يبلغ الحلم بعد، وهو بالتالي غير مكلف، وهذه الفترة هي بمثابة تمرين وتدريب له قبل البلوغ.
عملت بالنصيحة التي أشارت بها صاحبتي، ولمست تحسنًا نوعًا ما، حتى صارت ابنتي تصلي الصبح بعد استيقاظها بنوع من التلقائية، وبعد مرور عام كامل صارت تؤدي الصلوات جميعها، ولكن بتذكير مني ببعض الفروض في بعض الأحيان، فقد كان اللعب يلهيها بصورة كبيرة، مما يتطلب مني تذكيرها بذلك برفق بين حين وآخر.
في بعض الأحيان كنت أشعر بأن إجاباتها حول أداء الصلاة غير صادقة، خصوصًا حين كانت شقيقتها الصغرى تساهم في إثارة شكوكي بادعاء أن أختها كانت تلعب معها، ولم ترها وهي تصلي، وهذا تصرف طبيعي قد يحدث من بعض الأطفال أحيانًا، لذلك عمدت إلى حيلة طريفة لأشجعها على الصلاة والمحافظة عليها في الوقت نفسه دون تذكير مني، وذلك بأنني عمدت إلى قطعة من الحلوى أشبكها في سجادة صلاتها في كل مرة، وحين كنت أسالها: «هل أديت صلاة العصر؟ كانت تجيب على عجل: أجل.. أجل فأسألها: وما رأيك في الجائزة هل أعجبتك؟».
هذه الحيلة الطريفة شجعتها على أداء الصلاة، فقد صارت تتوقع مع كل فرض تؤديه قطعة من الحلوى في سجادتها، والحمد لله، فقد أثمرت تجاربي تلك مع طفلتي، ومع سن العاشرة صارت تحافظ على الصلاة دون الاعتماد على ذلك.
تجربتي هذه التي سطرتها، قد لا تصلح مع أي طفل، فلكل شخصيته المختلفة عن الآخر، لكنني أوصي كل أم بالتحلي بالصبر والحلم، وألا تتوقع نتائج جيدة في غضون فترة قصيرة، فبعض الأمهات ظلت تعاني من هذا الأمر إلى ما بعد البلوغ، والبعض الآخر لم تواجه معاناة على الإطلاق.
باختصار أكرر أن لكل طفل شخصيته الخاصة به، وبالتالي فإن على الأم أن تتخير الأسلوب المناسب، وعليها كذلك أن تستفيد من تجارب الأمهات الأخريات.
اعترافات زوج- زوجتي أنقذتني
كنت طبيبًا ناجحًا، يشهد لي الجميع بالتفاني في عملي وحسن الخلق، وكان من الطبيعي أن أحظى بتقدير مرضاي واحترامهم وثناءهم، وهذا أكسبني شهرة واسعة زادت من نجاحي في عملي، حتى أصبحت محط تقدير المسؤولين وإعجابهم.
إلى جانب تلك النعم فقد رزقني الله- تعالى- زوجة صالحة، تهتم بي وبأطفالها وبيتها، وبقدر ما كنت أتفانى في عملي، كانت هي تتفانى في رعاية أسرتها.
سارت حياتي هادئة لا ينغصها شيء، فقد كنت رجلًا منظمًا، أوزع وقتي بين المستشفى وأسرتي، وظلت حياتي على هذا المنوال لسنوات طوال، حتى كان يوم التقيت فيه بصديق قديم دعاني للعشاء في بيته، فلبيت الدعوة مسرورًا، كنت سعيدًا بلقياه، ورحنا نتذكر معًا أيام الصبا الجميلة بذكرياتها العزيزة، وبعد ذلك توالت لقاءاتي بذلك الصديق وغيره من الأصدقاء القدامى، والحق يقال أنني كنت سعيدًا بلقياهم، وبذلك التغيير الجديد في حياتي، وبعد أن كانت لقاءاتنا أسبوعية أصبحت يومية.
رغم استمتاعي بتلك السهرات إلا أنني كنت أحرص على ألا أتأخر كثيرًا في العودة مساء إلى بيتي كي أنهض في الصباح نشيطًا إلى عملي، فقد كنت أعشق مهنتي.. لاحظت بعد فترة صمت زوجتي ووجومها، فسألتها:
- ما بك؟
- لا شيء.
- ما لي أراك واجمة صامتة؟
- كأنك لا تدري!
- ماذا؟
رمتني بنظرة حزينة وقالت:
- هذه السهرات التي اعتدت عليها في الفترة الأخيرة.
- ما لها؟
- ما الجدوى منها؟
قلت بامتعاض:
- كأنك تنكرين عليَّ حقي في شيء من الترفيه البريء مع أصحابي.
- لست أنكر عليك ذلك، ولكن بحدود.
- لست أفهم قصدك!
- بعد أن كانت سهراتك أسبوعية صارت يومية.. إن لبدنك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا..
- لقد عشت سنوات من عمري لا أعرف سوى البيت والمستشفى.
قالت بهدوء:
وأنا لا أنكر عليك ذلك، لكن بالقدر المعقول.. أنا والأطفال ما عدنا نراك إلا لمامًا.
قلت ضاحكًا:
- هل أصبحت تغارين من صحبي، كنت أظنك زوجة عاقلة، وليس كبقية الزوجات.
- ليست غيرة بقدر ما هو خوف عليك، لقد صرت تعود إلى البيت في ساعة متأخرة جدًا.
- ألأنني صرت أعود في الواحدة مساء، غيري من الأزواج لا يعودون قبل الفجر!
- لو كان هذا السهر نافعًا ما اعترضت عليه، لكن أن يضيع الوقت في لعب الورق وما شابهه!! أنت أعقل من هذا يا عزيزي.
لم آبه باعتراض زوجتي، وظللت حريصًا على تلك السهرات مستمتعًا بها، بل الحق أنني ندمت على سنوات عمري التي قضيتها بين البيت والمستشفى، صرت مبهورًا بحياة الليل، وما تحمله من لهو ومرح، حتى كان يوم عدت فيه إلى البيت بعد سهرة حافلة، وقد بلغ مني الإرهاق كل مبلغ، وكان عليَّ أن أستيقظ في الصباح الباكر لإجراء عملية جراحية هامة لأحد المرضى.
استيقظت في الصباح متعبًا، لكنني تحاملت على نفسي، وذهبت إلى المستشفى، وآثار السهر والإرهاق بادية عليَّ، في غرفة العمليات أنهيت عملي بسرعة كي أعود إلى بيتي وأرتاح، لكن حدثت المأساة التي لم أتوقعها، فنتيجة إهمالي أصيب المريض بنزيف حاد فارق على أثره الحياة!!
كانت وفاة المريض هزة عنيفة لي، ولم يمر الحادث بسهولة.. عنفني مسؤول القسم قائلًا: أنت السبب في وفاته.
- الأعمار بيد الله.
- حقًا، لكننا مأمورون بالأخذ بالأسباب كذلك، إهمالك هو السبب، لقد صار الجميع يشهد لك بالإهمال في الفترة الأخيرة.
- لم أقصر في عملي من قبل، لكنني هذه المرة كنت متعبًا.
- لو أخبرتني بذلك لأعفيتك من إجراء الجراحة.
- ما حدث قد حدث..
لم يمر الحادث بسهولة، فقد رفع أهل الميت قضية ضدي، وكسبوا القضية، فكانت النتيجة أن فصلت من عملي، وجلست في بيتي حزينًا مكتئبًا.. كانت نظرات الناس تتهمني في كل مكان أذهب إليه.. عيونهم كانت تقول لي إنني قاتل.. قتلت نفسًا بريئة، عذبني الندم وأرقني.. ليتني ما سهرت تلك الليلة.. ليت وليت.. تهم عديدة وجهتها لنفسي، وأفقدتني الثقة بها، ومما زاد الطامة أن المستشفيات التي تقدمت للعمل بها بعد ذلك رفضتني، فقد انتشرت قضية ذلك المريض، وأصبحت على كل لسان، وصار كل مستشفى يخاف على سمعته!!
أغلقت عليَّ باب بيتي حزينًا مهمومًا، فالاتهامات تواجهني في كل مكان أذهب إليه.. وحدها زوجتي لم تشارك في عملية الاتهام التي كانت بمثابة قيد يخنقني.. زوجتي فقط وقفت إلى جانبي تشد من أزري، وتبث الثقة في نفسي.. لم تلمني على السهرات الفارغة التي ضيعت بها وقتي، لم تؤنبني على إهمالي أثناء عملي.. قالت لي بعزيمة وثقة:
- دعنا نبدأ من جديد، وننسى ما حدث.
- لا فائدة.. لقد انتهيت.. يخيل إلي أنني ما عدت أجرؤ على إجراء أية عملية جراحية.
- كل إنسان معرض للخطأ، ليس المهم أن يخطئ، بل المهم أن يستفيد من خطئه.. أنا متأكدة أنك ستتغلب على المحنة، وتعود أفضل مما كنت.
هكذا راحت زوجتي تشجعني، وتبث الثقة في نفسي، وقفت إلى جانبي في وقت تخلى فيه الجميع عنى حتى أصدقائي وأهلي.. بعد فترة انقطاع عن العمل دامت سنتين، وفقني الله- تعالى- وحصلت على وظيفة جديدة في إحدى المستشفيات، كنت مترددًا متهيبًا للأمر، لكن زوجتي أعطتني شحنة جديدة من الإيمان والأمل والشجاعة، كلما تخاذلت حمستني، وكلما ضعفت شدت من أزري، وكلما قنطت أدخلت السرور والبهجة إلى نفسي، حتى وقفت على قدمي من جديد، واستعدت ثقتي بنفسي.
لقد مر على ذلك الحادث سنوات وسنوات، لكنني لن أنسى فضل زوجتي عليَّ ما حييت، وحين أذكرها بذلك الفضل كانت تردد في تواضع أن ما قامت به هو من واجبها كزوجة، وحق من حقوقي عليها.
زوج وفي