العنوان أوبك: ماذا بعد النفط؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-1985
مشاهدات 72
نشر في العدد 698
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 01-يناير-1985
دراسات
- كيف استفادت أطراف التآمر الغربي على دول أوبك من الفورة النفطية؟
- الولايات المتحدة ترعى خطة تدمير أوبك منذ زمن:
تخطت أوبك عقبة أولى يوم الجمعة الماضي بموافقة مجلسها الوزاري بالإجماع على قرار بإنشاء مجلس وزاري أعلى لمراقبة الإنتاج والأسعار وتبقى العقبة الثانية أمام اجتماع جنيف الذي استؤنف بعد توقفه لمدة أسبوع، وهي الاتفاق على فروقات الأسعار.
مجلس رقابة أعلى:
ويتألف المجلس الوزاري المقر من ممثلي خمس دول اختيرت على أساس جغرافي برئاسة الشيخ أحمد زكي يماني تضم ممثلين عن دولة الإمارات العربية المتحدة وفنزويلا وإندونيسيا ونيجيريا. وسيتولى هذا المجلس وضع جميع التفاصيل المتعلقة بسلطاته وصيغة عمله؛ الأمر الذي يبقي الباب مفتوحًا لمزيد من الخلافات. خاصة وأن نيجيريا كانت ترفض إنشاء المجلس قبل بداية الاجتماع الأخير، فيما كانت تصر السعودية والكويت على ضرورة إنشائه.
وسيستعين المجلس كما قال وزير البترول الجزائري بلقاسم نبي بهيئة مستشارين تتكون من «70» عضوًا، لكن قراراته كما قال الشيخ أحمد زكي يماني لن تنطوي على جزاءات ضد الدول المخالفة لسياسة الإنتاج والتسعير!
فروقات الأسعار:
وأما بخصوص مشكلة فروقات الأسعار التي سيكون قد بحثها الاجتماع يوم السبت الماضي، فهي مشكلة قديمة ويمكن تلخيصها كما هي معروضة للنقاش على الوجه التالي:
ترى السعودية والكويت وبقية دول الخليج العربية أن تتم زيادة أسعار النفوط الثقيلة التي تنتجها بنسبة كبيرة بمقدار خمسين سنتًا للبرميل، وخفض أسعار النفوط الخفيفة كالتي تنتجها نيجيريا وشمال أفريقيا بمقدار «25» سنتًا للبرميل، فيما ترى نيجيريا وأكوادور بضرورة زيادة أسعار النفوط الثقيلة بما لا يقل عن دولار إلى دولار ونصف للبرميل مع الإبقاء على أسعار النفوط الخفيفة كما هي!
أما الجزائر فهي ترى أن رفع سعر النفط الخفيف يجب ألا يقل عن «٧٥» سنتًا للبرميل.
وتنبني حجة نيجيريا وأكوادور على أن فروق الأسعار في سوق النفط بين النفط الخفيف والثقيل يجب أن تكون بحدود الفروق بينهما في السوق الفورية. وهذا الرأي تعارضه الدول الخليجية؛ لأن الحفاظ على الفروقات الجارية وهي بين 2 إلى 3 دولارات ينشط مبيعاتها من النفط الثقيل الذي بدأ يواجه طلبًا عالميًّا متزايدًا بسب ما شهدته صناعة التكرير من تقدم وجودة إنتاج.
تنافس:
وهذا الخلاف يجسد الحقيقة التي بدأت أوبك تواجهها منذ مؤتمر لندن عام «1983» وهي أنها انتقلت من مرحلة التعاون إلى مرحلة التنافس! وهي مرحلة جد خطيرة في ظل أوضاع السوق النفطية التي شهدت في الآونة الأخيرة ظاهرتين مهمتين هما:
أولًا- زيادة معدلات إنتاج النفط في الدول غير الأعضاء في أوبك مع تناقص في معدل الاستهلاك النفطي في العالم الغربي الصناعي.
وثانيًا- تراجع أسعار النفط كنتيجة لذلك من جهة وبسبب إقدام بعض الدول الأخرى كبريطانيا والنرويج إلى خفض أسعار نفوطهما بشكل متعمد من جهة ثانية.
وستظل أوبك على هذه الحال حتى لو خرجت باتفاق حول فروقات الأسعار، وبغض النظر عن مبادرة ماليزيا وبروناي وهما غير عضوين في أوبيك على خفض إنتاجهما للعام القادم، وتعهد مصر والمكسيك بالحفاظ على معدلات الإنتاج فيهما وذلك للأسباب السالفة نفسها ولأسباب تعود لسياسات أوبيك نفسها تعتقد أنها هي العامل الأهم في تقرير المستقبل.
تخطيط الإنتاج:
فالمتأمل في أوضاع الدول الأعضاء في أوبك يجد أن عدم تخطيط الإنتاج النفطي فيها بحسب حاجة وقدرة الاقتصاد لكل قطر على استيعاب عوائد النفط قد أدى إلى وصول الأوبك إلى هذه المرحلة، أي مرحلة التنافس على من يبيع أكثر، خاصة بعد أن وقعت في مصيدة ما سمي بفورة النفط التي كان كيسنجر من أهم كبار المخططين لها. وتتخلص خطة تدمير أوبك التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أساسي ومنذ أوائل السبعينيات في أنها هيأت الظروف لارتفاعات متوالية في أسعار النفط خلال الفترة 1971- 1973، ومع أن ذلك كان في مصلحة دول الأوبك نظرًا لأن أسعار النفط الخام ظلت متدنية منذ اكتشافه، إلا أن تضاعف أسعار النفط أضعافًا كثيرة مرة واحدة مع زيادة معدلات الإنتاج أدى إلى مشكلات كثيرة.
مشكلات:
فقد تجمعت لدى دول الأوبك مبالغ ضخمة من عوائد النفط عرفت بفوائض النفط الأمر الذي أدى إلى:
أولًا- الاتجاه نحو شراء المعدات والمواد الاستهلاكية والخدمات؛ مما أدى إلى تكوين لمجتمعات استهلاكية تعتمد في التكنولوجيا والقوى البشرية والسلع على الخارج.
ثانيًا- ازدهار التجارة على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى كالصناعات الحرفية، وزيادة الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل.
ثالثًا- زيادة الانتاج بمعدلات مرتفعة جدًّا أدت في نهاية السبعينيات إلى تحول السوق لصالح المشترين؛ مما أدى إلى انخفاض أسعار النفط، وتحول أوبك من مركز المبادرة إلى مركز المدافع الضعيف.
أما من جهة أطراف التآمر الغربي فقد استفادت من فورة النفط على النحو التالي: أ- حث شركات النفط على تطوير مصادر طاقة بديلة للنفط.
ب- تنشيط حركة التجارة مع دول الأوبك.
ج- الاستفادة من دولارات فوائض النفط في توسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد الغربي، أو إجراء الدم في عروقه.
د- كما استفادت أمريكا كيسنجر من قرار حظر النفط العربي عام 73 بتوجيه ضربة سياسية لأوروبا التي كانت تحاول الانعتاق من الهيمنة الأميركية آنذاك.
وفي هذا السياق فإن المثل العربي الذي ضربه وزير النفط الكويتي الشيخ علي الخليفة الصباح حيث قال محذرًا بريطانيا والنرويج «على نفسها جنت براقش». فإنه ينطبق في الحقيقة على مجموعة دول الأوبك لأنها بعدم تخطيطها للإنتاج وتنويع مصادر الدخل والدخول في حلبة التنمية بمفهوم سطحي يقوم على شراء كل شيء دفعة واحدة، إنما كانت تجني على نفسها قبل كل شيء.
ما بعد النفط:
ونظرًا لتفاقم الأزمة منذ زمن بعيد، فإن نجاح مقررات مؤتمر جنيف ستظل رهنًا ليس بما ستفعله أوبك في الوقت الحاضر في ضوء هذه المقررات، بل بما ستتخذه من خطوات على المدى البعيد لعلاج أوضاع ما بعد عصر النفط.
ونحن نعلم أن التخطيط لما بعد النفط كان ينبغي أن يتم منذ بداية السبعينيات؛ حيث بدأ الغرب يفعل ذلك، إلا أن دول أوبيك لا تملك في الوقت الحاضر غير أن تبدأ هذه الخطوات مهما جاءت متأخرة ولكن مزيدًا من التضحية بالمصالح القطرية الآنية حفاظًا على تماسك الأوبيك، مع العناية القصوى المركزة للتخطيط للمستقبل يظل هو الخيار الوحيد أمام أقطار الأوبك لمواصلة الرفاه الذي جاء مع النفط، وبناء اقتصاد على أسس إنتاجية شاملة وحكيمة.
وثمة سبب مهم وأساسي في تفاقم أزمة النفط لم نشر إليه من قبل وهو اعتماد الدولار كأداة لتقييم مبيعات النفط الخام؛ الأمر الذي جعل اقتصاديات دول أوبك تابعة شاءت أم أبت للاقتصاد الأمريكي.
ومن هنا فإن إعادة النظر في الدولار كأساس للدفوعات النفطية من جهة، وفي استثمارات الدول النفطية في الخارج تشكل ألح قضية على طريق الانعتاق في العبودية للنفط كمصدر وحيد للدخل القومي.
أما على مستوى الإنفاق العام فينبغي أن تحدث ثورة كبيرة، لكن على أصول علمية مدروسة.
فهل يقوم وزراء نفط أوبيك بنقل القضية لحجمها الصحيح، فيبادرون أول ما يعودون لعواصمهم إلى العمل مع الجهات الأخرى المختصة على بناء اقتصاد بلادهم لما بعد عصر النفط؟ إننا لمنتظرون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل