العنوان الانتخابات والردة الصليبية في أمريكا
الكاتب د. عبد الله عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أكتوبر-1984
مشاهدات 74
نشر في العدد 687
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-أكتوبر-1984
ماذا يحصل عندما يعلن كهنة الكنيسة الأمريكية أن الله يتعامل مع الشعوب بالقدر الذي تتعامل فيه مع إسرائيل!؟
قد يلحظ المراقب للمد الإسلامي في الشرق أن هناك في المقابل بعثًا للروح الصليبية في الغرب بصفة عامة، وفي الولايات المتحدة كزعيمة للاتجاه الصليبي في العصر الحديث بصفة خاصة، وسواء أكانت هذه النزعة التي تحاول النهوض من تحت ركام العالم المادي ردة فعل طبيعية للصحوة الإسلامية في الشرق أَم استغلال «براغماتي» وسياسة جديدة لساسة البيت الأبيض فالنتيجة واحدة في كلا الحالين، وهي العودة إلى تكريس سياسة الغزو الصليبي القديم في منطقة الشرق الأوسط، وإحياء نبوءات الكتاب المقدس ليس في محاولات هداية خرافة بني إسرائيل الضالة، بل في استعادة مملكة داود كاملة غير منقوصة من النيل إلى الفرات!!! والجديد في الأمر أن هذه الدعاوى لا تُثار من قِبَل دعاة الصهيونية كما كانت في البداية، ولكن يحمل الآن راياتها كهنة أمريكيون من قلب العالم المسيحي.
الكنيسة الأمريكية وأرض إسرائيل
وقد خرجت الدعوات من داخل الكنائس الأمريكية إلى ساحات العمل السياسي وبرزت في أجهزة الإعلام الأمريكية علنًا تطالب باستكمال مملكة بني إسرائيل كما تحدث بها سفر التكوين. وأبرز الدعاة من الكهنة النصارى في هذا المجال هو الكاهن البروتستانتي «جيري فالويل» حيث يقول في كتاب صدر عنه تحت عنوان «جيري فالويل واليهود»، «إن إسرائيل تحتل الآن مكان الصدارة في نبوءات الكتاب المُقدس، وإني أؤمن أن عصر الوثنيين «ويقصد العرب» قد ولى بسيطرة اليهود على بيت المقدس في عام ١٩٦٧ أو أنه سينتهي في القريب العاجل، وإني على قناعة أن معجزة إنشاء دولة بني إسرائيل في عام ١٩٤٨ كان بفضل العناية الإلهية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن الإله وعد مرارًا في العهد القديم بأنه سيجمع الشعب اليهودي في الأرض التي وعدها «أبراهام» وأعني بها أرض إسرائيل الآن، ولقد أوفى الإله بوعده. إن إنشاء دولة إسرائيل دليل ثابت على أن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إله حي كريم وستبقى دولة إسرائيل محور التاريخ».
وتعني كلمة الأرض عند هذا الكاهن كما يشير مقال لصحيفة Middle East Times كتبه المحرر «آلان سي. براون فيلد» الأرض التي وعد بها إبراهيم في سفر التكوين، وكما كانت في عهد موسى فلسطين والضفة الغربية ومعظم أراضي الأردن.. ويقول هذا الكاهن المسيحي «وإن الأمل ليحدوني أن أرى إسرائيل وقد امتلكت كل الأراضي من الأردن وحتى البحر الأبيض المتوسط».
وأما دور الولايات المتحدة في النزاع حول ما يسمى بقضية الشرق الأوسط والمتستر برداء العلمانية والذي يفسره البعض بلعبة التوازن الدولي والمصالح الاستراتيجية ومحاربة الشيوعية وحماية مصادر الطاقة والمحافظة على الأنظمة التابعة لها في المنطقة.
كل هذه الأسباب وغيرها التي يحلو لبعض العملاء أن يترنموا بها في الدفاع عن معاهدات السلام وعقد الصداقات مع الولايات المتحدة لا تجد لها صدى أمام معتقدات دعاة الصليبية الجدد، حيث يجهرون بشيء آخر يعبر تعبيرًا واضحًا ويفسر معنى العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، طبقًا للروح الصليبية الجديدة السائدة، والتي تغازلها الأحزاب السياسية في الوقت الحالي، يقول أحد كهنتهم «إني شخصيًّا أعتقد بأن الإله يتعامل مع الشعوب بالقدر الذي تتعامل فيه هذه الشعوب مع إسرائيل، وأن التاريخ يدعم هذا وأستنتج هذا من قول «الرب» لإبراهام كما هو في العهد القديم: «سأبارك من يباركك وألعن من يلعنك» ولهذا فإن على الولايات المتحدة أن تدعم إسرائيل ماديًّا وعسكريًّا دون تردد.
أما الكاهن جيمي سواجرت فيعلنها صراحة بأن الرب يقول بأنني أبارك من يبارك إسرائيل وألعن من يلعنها وبفضل الرب ما زالت الولايات المتحدة متفوقة وأعتقد أن الولايات المتحدة لم تبلغ ما بلغت إلا بمساندتها لإسرائيل وأدعو الله أن يدوم دعمنا لإسرائيل».
نظرة الصليبية الجديدة لقضايا المسلمين في فلسطين
يقول الكاهن فالويل «إن آباءنا المؤسسين كانوا على صلة وثيقة بالتراث اليهودي في الوقت الذي يعد فيه العرب المسلمون غرباء عن هذه الصلة وعلى الولايات المتحدة أن تواجه حقيقة أن الدول الإسلامية مدفوعة بفلسفة متعالية ترغب في استعادة الأرض والتوسع، ويعلن أن يهودا والسامرة جزء من إسرائيل، ولم تقتصر دعوات الصليبية الجديدة على إقحام الكتاب المُقدس في المشاكل السياسية المعاصرة بل وجهوا انتقاداتهم إلى القرآن والسُنة، حيث يذكر الكاهن روبيرتسون «أن القرآن وتعاليمه لا يفيان بحاجات الإنسان وأن قوى الشر «ويقصد المسلمين» ستغزو إسرائيل مما يشعل الحرب الكونية النهائية، وتجسد هذه الحملات المسلم على أنه خائن متعصب وعاجز عن القيام بدور إيجابي في التاريخ، ومن ثم عليه أن يفسح المجال بالقوة إن لم يكن عن قناعة لمن تواترت النبوءات وتحققت المعجزات له وهو شعب إسرائيل الذي رعته العناية الإلهية وجمعته بعد شتات في أرض الميعاد، وعلى ساسة البيت الأبيض أن يتعاملوا مع قضية الشرق الأوسط من هذا المنطلق الديني البحت حسب معتقدهم.
الدين وحملة الرئاسة الأمريكية
في هذا الجو الصليبي المحموم أو ما يمكن أن نسميه بردة الصليبية الجديدة نرى الرئيس ريغان يقدم نفسه على أنه ليس أقل حماسًا لتعاليم الكتاب المُقدس من الكهنة دعاة الصليبية إذ اعتاد أن يستشهد في خطبه بعبارات من الإنجيل، ويطالب بإلحاح بإقامة الصلوات الكنسية في المدارس في الوقت الذي يطارد فيه بعض حكامنا العرب المصلين في المساجد ويعلن ريغان أيضًا تحريم الإجهاض والمضحك أنه يدافع عن المذابح في فلسطين ولبنان والسلفادور.. قسيس هناك وسفاح هنا.
ويطالب ريغان، بل ويدعم الحملات التبشيرية في شرقنا ماديًّا ومعنويًّا.. تلك الحملات التي هي عبارة عن أفراد من المخابرات الأمريكية المؤهلين تأهيلًا عاليًا في التجسس وجمع المعلومات ضد الشعوب المسالمة.
كان ريغان قد أطلق دعوته الأولى عندما صرح خلال مؤتمر الحزب الذي عقده في دالاس بأن الدين والسياسة أمران مرتبطان بالضرورة. هذا رأي ريغان، فما رأي بعض حكامنا العرب المسلمين الذين ما زالوا يشهرون سلاحهم في وجه من يحدث نفسه بهذا ويصرون على قطع عنق كل من يربط بين الدين والسياسة؟
إن الحملة الانتخابية في أمريكا الآن تنطلق وفي مقدمتها الدور البارز الذي يمكن أن تلعبه الكنائس حيث اتخذت المسائل الدينية هذا العام أهمية لم تعرفها منذ عام ١٩٦٠ والذي فاز فيه جون كيندي بالرئاسة الأمريكية وهو أول رئيس كاثوليكي في تاريخ أمريكا والآن يقدم ريغان نفسه للجماهير الأمريكية على أنه كاهن أمريكا المُخلص، بينما يتقدم جيسي جاكسون كقسيس حقيقي لضمان أصوات الكنائس الزنجية للحزب الديمقراطي ويترتب على كل ما تقدم أن الكنائس الأمريكية ستلعب دورًا هامًّا في رسم السياسة الأمريكية وتطويع أهدافها لخدمة العهد القديم وهو التوراة والعهد الجديد وهو الإنجيل.
إن استغلال الدين في الأمور السياسية أصبح هدفًا رائجًا بين الأحزاب الأمريكية حتى إن الحزب الذي ينتمي إليه وولتر مونديل أدرك أهمية المسألة وحساسيتها في الانتخابات فراح يزايد هو الآخر على لسان جيرالدين فيرارو التي اتهمت ريغان في إخلاصه للمسيحية وأنه لا يمكن أن يكون مسيحيًّا صالحًا بسبب سياسته الاجتماعية التي تفتقر إلى البر والتسامح والشاهد في هذا الموضوع يثير الغرابة والتعجب تجاه إصرار معظم الأنظمة العربية على استبعاد الدين من حياتنا حتى يخال المرء أن عداء بعض الساسة العرب للإسلام عداء شخصي مرتبط بمصالح آنية لا يمت إلى مصلحة الشعب بصِلة.