العنوان معوق يقود كتائب الكفاح في الأمة!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1993
مشاهدات 76
نشر في العدد 1080
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 21-ديسمبر-1993
الشيخ أحمد ياسين رمز الكفاح الفلسطيني اليوم والذي أصبح أسطورة
وعلمًا فريدًا في زماننا الحاضر لمقاومته دولة من أقسى الدول، وجيشًا من أعتى
الجيوش في العالم رجل مشلول مقعد، يصفه الدكتور صالح عبد الجواد أستاذ العلوم
السياسية في جامعة بيرزيت ومدير مركز أبحاثها، بعد مقابلة له سمح بها الصهاينة في
سجون إسرائيل فيقول: «دخلت السجن لمقابلة الرجل، وصعدنا باتجاه الدور الثاني، وفي
نهاية الدرج كان هناك باب أخير قبل الباب الذي يؤدي إلى زنزانة الشيخ أحمد ياسين
الذي أراه شخصيًّا لأول مرة رأيته يجلس على كرسي متحرك وفي الانتظار عنده يقف رجال
الشرطة!!
تبادلنا مع الشيخ السلام، وكان يبدو للوهلة الأولى كحطام آدمي عاجز عن
تحريك أي جزء من جسمه النحيل سوى رأسه وعينيه التي كانت تشع حيوية، وسرعان ما
غمرتني عواطف الحب والإشفاق لهذا الرجل الذي يكابد مر السنين والسجن، وهو مشلول،
فما شعرت بنفسي إلا وأنا أعاود الوقوف وأنحني عليه رغبة في تقبيل يديه احترامًا.
ولكنه تراجع بنصفه الأعلى إلى الوراء وأومأ ألا أفعل وقال: أستغفر الله ولاحظت
حينها أنه عاجز تقريبًا عن الحركة، إذ كانت أصابعه ومرفقاه مصابين بتصلب شديد،
وجلست ومعي نائب مدير السجن وشرطي درزي تبين أنه سيدون المقابلة للسلطات
الإسرائيلية، وبدأت أتفحص الزنزانة التي لا تتجاوز مساحتها 2,5×2,5 متر وكان هناك
بعض الملابس والحاجات على رفوف أحد جدران الزنزانة، هذه هي كل دنيا الشيخ الشامخ
الذي ظللت أسأله في أدق المسائل السياسية والحركية والشرعية ويجيب عليها بصراحة
وحنكة وثبات واقتدار.
فقلت هذه هي عزائم الإيمان التي لا تعرف الضعف لأنها نعمة إلهية،
ونفحة ربانية وحقيقة إنسانية وهؤلاء هم أولو العزم ورجال الصدق، وحفظة المواثيق
والعهود، وجبال الصبر، وأنهار العطاء، ومزارع الرجال، وثمار الإيمان، هؤلاء
كالشموس تعطي ضوءها من عل، وكالأقمار تنير من شاهق، وكالهواء ينسم كل رئة، ويصح كل
صدر، فعزائم الإيمان حياة جديدة لا تعرف المستحيل، وأمواج عاتية لا تعرف الانكسار
وإشعاعات قوية لا تعوقها الحجب أو تواريها قتامة الأجساد، فكم من أجساد تعجبك وهي
خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم، وكم من جنرالات وقيادات وهالات على الساحة فإذا
جاء الخوف تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة
حداد أشحة على الخير.
إن مشلولي العقول ومشوهي العزائم وعجزة الهمم هم آفة الأمم الحقيقية
وداؤها العضال، وإلا فقل لي بربك ما الذي قطع سواعد الأمة وشل تفكيرها وأصابها
بالوهن رغم صحة الأجساد وسلامة البنية ووفرة الزاد والعتاد؟، حتى استطاعت حفنة
قليلة من المطرودين من ديار العالم أن تستنسر على المسلمين وتغتصب أرضهم وديارهم
وأموالهم وتبعثر شعبًا بأكمله في الفيافي والوديان، وما الذي يقعدها اليوم عن
الكفاح لاسترداد حقوقها، واستنهاض عزتها ولسان حالها يقول: ومالنا ألا نقاتل وقد
أخرجنا من ديارنا وأبنائنا وأموالنا ما هذا إلا لوهن في القلوب وخطأ في التوجه
وغبش في الرؤية وضلال في الطريق. إن أعداء الأمة كانوا أمكر من الثعالب وأفسد من
الشياطين، حيث فصلوا بين الجسد والروح الوثابة، وبين الإنسان والمنهج الفاعل،
والأمة وهويتها الدافقة وجذورها العميقة، فسهل عليهم لفت الجسد إلى الشهوات وشغل
الأرواح بالأهواء وإلهاء الإنسان بالمذاهب والأفكار الشاردة، وتهميش الأمة عن
نبعها الصافي الدافع الصامد الغازي، حتى أصبحت تتسول كل شيء، وتمتطي أي شيء وتراق
منها الدماء والأعراض، وجمدت الدموع في مآقي مخلصيها من هول المصاب ووقع النوازل،
ولكن إرادة الله أبت إلا أن تظهر بين الحين والحين من بين السحب الكثيفة والضباب
الغامر أشعة الرسالة في قلوب مؤمنة برزت إلى الوجود لتزرع الأمل وتبعث الرجاء وتعلن
الهوية وتحمل الراية وتنادي في التيه حتى يتجمع الشارد ويؤوب اللاهي.
وما كان الشيخ أحمد ياسين إلا وسيلة إيضاح لذلك البعث الحضاري الناقم
على الهمجية البغيضة والبربرية المتغطرسة وما كان صموده رغم عجزه الجسدي وسجنه
الهمجي إلا علم كفاح ينادي الأجساد المترهلة والعزائم الخوارة: ها أنا ذا أتقدم
الصفوف وأحمل الراية فلا نامت أعين الجبناء!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل