العنوان المجتمع التربوي 1085
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1994
مشاهدات 94
نشر في العدد 1085
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 25-يناير-1994
وقفة تربوية: الدعوة والأهل
إن مما يقطع القلب أن نرى أبناء بعض كبار
الدعاة قد حادوا عن الجادة، ويزيد الألم عندما نرى أفواج الشباب يتحولون من حمأة
الجاهلية إلى نور الإسلام بسبب أولئك الدعاة في الوقت الذي نرى أبناءهم قد تنكبوا
الطريق.
إن هؤلاء الدعاة أحد اثنين:
الأول: أن يكون ممن بذل كل ما يستطيع من جهد
لإصلاح أبنائه، ولم يبخل بوقت من الأوقات في هدايتهم وتعليمهم، وغرس القيم
والمبادئ في نفوسهم.
والثاني: هو الذي انغمس في أمور الدعوة، ونسي
أبناءه، ولم يعط وقتًا لهم، وصرف معظم وقته في تربية الآخرين، بينما أهمل أبناءه،
وتركهم للمؤثرات الخارجية تعبث بهم في كل صوب وحدب.
فالأول: هو مثال بعض الأنبياء كنوح عليه
السلام، وهؤلاء لا ملامة عليهم، ولا مؤاخذة، وهم في مأمن من سؤال الله يوم القيامة
ما داموا قد أدوا ما عليهم.
والثاني: هو ممن لم يع أولويات الدعوة،
وقواعدها، وأصولها، والله تعالى يقول لنبيه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214). وقديمًا قال الدعاة: «من لم ينجح في بيته، لا
ينجح في خارجه» فهل نعي خطورة هذا الأمر؟!
أبو
بلال
نظراتي في القرآن الكريم: عبر
ودروس في قصص الأنبياء
بقلم: عاصم [علي] عبداللطيف
جدة- السعودية
في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام العبرة
الفاعلة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ..﴾ (يوسف:
111). فقصصهم تحمل من الدلالات والإضاءات الشيء الكثير.. والذي يصل إلى العقل
المتفتح دون مواربة، وتكون للعقل المتأمل معالم في الطريق.. فلن يتضعضع ولن تخور
قواه.. سيظل قويًّا مشرقًا بقوة التفاؤل والأمل والثقة في الله..
فما كان الأنبياء في مجمل قصصهم إلا [تجسيدًا]
للإيمان الفاعل.. الإيمان الذي لا يتزعزع.. والراسخ في النفس رسوخًا يقول بأن الله
معنا في كل خطوة نخطوها وكل لفتة عين وخفقة قلب.. وفي قصة كل نبي معان تتسرب إلى
القلب الواعي مباشرة دون عناء.. بل في كل مقطع من تلك القصص معنى بل معان لا حصر
لها.. فقط تحتاج للمتأمل أن ينفذ إليها بتأمله وبصيرته.
وهنا عبر هذه الخاطرة، نحاول أن نتلمس ونستشف
بعضًا من معاني قصصهم- عليهم الصلاة والسلام.
ففي البدء كان خلق آدم عليه السلام، وكانت
عطاءات الله تترى نحوه ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31) ومن
ثم التكريم بسجود الملائكة له.. فتلك معان لا بد أن تترسخ في الذهن بأن ابن آدم له
من الله عطاء وحنان متواصل وتكريم وتفضيل.. وفي قصة آدم تعني وسوسة الشيطان أن
الإنسان محاصر، لكن العاقل من يلجأ للرب الخالق يطلبه التوبة إن أسقطته وسوسة
الشيطان في شر وخيم.. وما إن تسربت الوسوسة إلى نفسي آدم وزوجته ورأيا عوراتهما
حتى طفقا في السعي للستر.. فذلك معنى من معان التراجع وعدم الإصرار على مواصلة الخطأ..
أما ذلك الهبوط الذي تم للإنسان والشيطان،
وأنه سيكون بعضهم لبعض عدو، فله من المعاني أن الأرض لن تخلو- حتى يرثها الله- من
العداوات ورهق الشيطان للإنسان..
وقد تحقق قول الله عز وجل في ابني آدم فكان أن
قتل قابيل هابيل.. وكان في [سياق] الحدث والجرم الأول دلالات ما لها حصر.. من أن
العداوات تقوم في البيت الواحد وبين الإخوة وأن الشيطان ينزغ بين الإخوان ﴿مِنْ
بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي..﴾ (يوسف: 100).
الآية، كما جاء في قصة يوسف.
وفي قصة ابني آدم عليه السلام.. نستشف أن هناك
قلبًا مؤمنًا مخلصًا لله.. يتوجه بعمله خالصًا لوجه الله.. فيكون تقبل الله لهذا
العمل.. وأن المجرم القاتل [نفسيًّا] لن يرتاح.. وحتمًا سيداخله الذي يفري
[يافوخه]، ويعذبه عذابًا يقعده عاجزًا لا يستطيع أي فعل ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ
أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ..﴾ الآية. (المائدة: 31). وبذلك جاءت
النتائج الحتمية في قصة ابني آدم ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة: 31).
وإذا كانت جميع قصص الأنبياء عليهم السلام
تحمل في دلالتها معنى الصبر على الأذى ومعنى العزيمة التي لا تخور ولا تضعف فإننا
نجد في قصة كل نبي إضاءات تنير طريق الحياة للفرد المسلم.. بل نقول لأمة بكاملها.
فنوح عليه السلام يمد له في عمره ألف سنة إلا
خمسين عامًا، وكانت عمرًا طويلًا في غرس الخير.. ورحلة عمر من الصبر على الاستهزاء
والسفه، حتى أنجاه الله ومن معه وأغرق قومه.. حتى [إن] ابن نوح غرق ضمن من غرقوا..
وتلك دلالة الحق في دين الله.. فلا محسوبية تجعلك بمنجاة من عذاب الله ولو كنت ابن
نبي له عند الله المكانة.
والعبرة الفاعلة في قصة نوح عليه السلام هي
قدرة العمل والتصنيع ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا..﴾ (هود: 37)
الآية. ذلك أن القول لابد أن يقترن بالعمل، والدعوة بالحركة وقدرة التصنيع، أما
طول ذلك اللبث في الدعوة فإضاءته أن ينقضي العمر في الدعوة إلى الله بالصبر ودون
كلل أو انقطاع برغم ما نلاقي من الصعاب والجفوة.
أما في قصة إبراهيم عليه السلام فإن لتحطيمه
الأصنام دلالاته ومنها أن إزالة المنكر باليد شيء ثابت، وأن المعنى من التحطيم هو
أن نقوم به كلما نبتت من حولنا الأصنام التي يغرسها الشيطان بواسطة النفوس الخائرة..
ثم إن هناك دلالة مواجهة القوم وإن كانوا من أهلنا وعشيرتنا إن كانوا على باطل..
والتخلي عنهم ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ....﴾ (الممتحنة: 4)
الآية.
ثم إن إبراهيم عليه السلام يترك زوجه وولده في
أرض قفر لا ماء فيها ولا شجر.. يا سبحان الله! هل هناك أكبر دلالة وإضاءة من أن
الله هو الذي يتولى المؤمنين برحمته ولطفه.. فلم [يبق] إبراهيم عليه السلام حتى
يقول كيف أؤمن لهم مستقبلهم، بل مضى في حال سبيله وقلبه ممتلئ بالثقة في الله
والإيمان.. ومن ثم يتوجه لله بالدعاء ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ
ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا
لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ...﴾ (إبراهيم: 37) الآية. فقط ترتفع الأكف
بالدعاء وبعد ذلك يمضي في سبيل الله.. دلالات الدعاء للأسرة والذرية بمحبة الناس
والرزق الطيب.. فكم من إنسان مسلم يغفل عن الدعاء لذريته ولأهله.. ودلالات
الاهتمام بإقامة الصلاة.
ثم إن مراحل إيمانه عليه السلام من معانيها أن
الإنسان لابد أن يكون دائم التفكر والتأمل فيما حوله حتى يزداد قربًا من الله، وأن
يكون عقله متوثبًا يعرف كيف يقيس.. فلم يقف الحد بسيدنا إبراهيم عليه السلام عند
الشمس والقمر والكواكب ليلاً، بل كان العقل المتوثب المؤمن ليأخذ المزيد من
الإيمان والثبات عند حدود ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ (البقرة: 270) هل
لم يكن إبراهيم مؤمنًا- حاشا لله- بل كان يندفع إلى البحث عن الاطمئنان ﴿وَلَكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: 260). هنا إضاءات ومعاني اليقين تصل للقلب المؤمن
سهلة واضحة.. اليقين المتواصل في الله.
وأكبر الدلالات والإضاءات في قصة سيدنا موسى
في مواجهته الطاغوت دون كلل أو ملل.. ومصارعة الطغيان حتى ينزاح، وبالفعل انتصر
موسى بقدرة الله على فرعون الطاغية.. ولكن ابتلاءات الله ظلت متواصلة.. فكان قومه
أكثر إرهاقًا له في أسئلتهم وفي عنادهم، ولكن كانت الحكمة والصبر ومعالجة الأمر
بالحجة والدليل إضاءة تدل على حسن التصرف.
ثم إن القلب المؤمن لا ينقطع عن حب الاستزادة
من العلم ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا..﴾ (الكهف: 66) الآية.
ومن خلال البحث عن العلم تكون هناك روح الصبر السارية في نفس المؤمن ﴿سَتَجِدُنِي
إِنْ شاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا..﴾ (الكهف: 69) الآية.
ثم إن عدم العصيان لأمر المعلم أمر له دلالاته
بوجوب الطاعة وترك الأمر بيد المعلم.
أما خلاصة الصبر والأسوة والقدوة الفاعلة فهي
في حياة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..﴾ الآية. (الأحزاب: 21). فهو الذي أدى الأمانة
وجاهد في الله حق جهاده.. ففي طفولته دلالة.. وفي شبابه دلالات الصفاء والطهر..
وفي زواجه دلالات الأبوة والحنو وحياة البيت المثالية والمساعدة، وفي هجرته إضاءات
ما بعدها إضاءات ومعانٍ، وفي كل حديث قاله صلى الله عليه وسلم مئات المعاني التي
تدعونا للفعل والتطبيق وتنادينا ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. (الحشر:
2).
الرسالة الخامسة: القلوب المبصرة
تلك القلوب التي كشفت لها أستار الحقائق،
فأصبحت تبصر ما لا يبصره الناظرون، قلوب امتلأت بالحكمة والقرآن، والنور والإيمان،
كلما طرأ عليها الصدأ سارعت في محو آثاره، لا يلتبس الحق أمامها بالباطل ولا
الباطل هو لابس رداء الحق، كلما ازدادت بصيرة زاد الحق ضمورًا وإبهامًا، فتصبح
عندها رقابة الله كرقابة الخلق تضمر في حال وتتبدى في حال، كما يقول المصطفى صلى
الله عليه وسلم: «لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال
تهامة بيضاء فيجعلها الله [هباءً] منثورًا، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا جلهم
لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم من جلدتكم ويأخذون من الليل ما
تأخذون ولكنهم أقوام إذا ما خلوا بمحارم الله انتهكوها».
ولذا يقول الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل .. خلوت ولكن
قل علي رقيب
فلا تحسبن الله يغفل ساعة .. ولا أن ما يخفى
عليه يغيب
فيا أخي الحبيب.. استشعر رقابة الله تزدد
بصيرتك وتفك قيد نفسك من أسر هواك ويصفو لك ضميرك.
بدر
الفضالة - مشرف- الكويت
قطوف تربوية حول قصة الثلاثة
والصخرة (1- 6)
بقلم: د. حمدي شعيب - بريدة-
القصيم- السعودية
وهي القصة التي أوردها الإمام النووي- رحمه
الله- «باب الإخلاص والنية» عن الحديث المتفق عليه والذي يحكي عن ثلاثة كانوا في
سفر، حتى أواهم المبيت إلى غار، ثم انحدرت صخرة فسدت عليهم باب الغار ولم تنفرج
حتى دعا كل منهم بدعاء وهو يتوسل بعمل صالح خفي.
الدور المفتقد: ضرورة الإعلام
ووسائله
يعتبر «الإعلام ضرورة بشرية لا يستغنى عنها،
ذلك أن الإعلام هو حصيلة الحاجة الملحة الماسة إلى ممارسة عمليات الاتصال بين
الإنسان والجماعة. وإذا علمنا أن شروط العملية الإعلامية هي:
1- المصدر أو المرسل.
2- الرسالة.
3- المرسل إليه أو المستقبل.
4- الهدف من الرسالة.
فإننا يمكننا القول بأن الرسالات السماوية هي
ظاهرة إعلامية لتوفر الشروط فيها. وقد كان القرآن الكريم ولا يزال هو الرسالة
الإعلامية الوحيدة التي انعقدت بها ولا تزال الصلة بين الله وعباده»([1]).
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي
الجانب الإعلامي حقه في دعوته الخالدة حيث اجتمع حوله كوكبة من الصحابة الأجلاء
والشعراء المتخصصين مثل عبدالله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت (رضوان
الله عليهم)؛ مما يبين أهمية الإعلام بجوار العمل الجهادي العسكري.
«وما أحوج الحركة الإسلامية اليوم أن تعطي
الجانب الإعلامي حقه، وطبيعة الحرب اليوم حرب إعلامية، ووسائل الإعلام اليوم تسد
الأفق، فهناك الشعر والموعظة والخطبة والمقالة والأقصوصة والقصة والتعليق السياسي،
والتحليل الإخباري والمادة الإخبارية، والأناشيد الحماسية، بالإضافة إلى البث
الإعلامي، من إذاعة وتلفاز وجريدة، ومجلة وكتاب وتسجيل سمعي وبصري، كل هذه ذات أثر
خطير في الواقع الإعلامي.. والمعركة من الخطورة والدقة والأهمية ما يجعل الحكم على
نجاحها من خلال نجاح إعلامها والثقة به والتعامل معه»([2]).
آدابه
إن الإسلام رسالة ربانية الهدف، ربانية
الوسائل، ونحن «هدفنا طيب لا يحقق الوصول إليه إلا النبيل الطيب، ولا يحل في ديننا
أن نحقق غاية مهما كان عائدها جزيلاً، إلا بالوسيلة النظيفة السامية، ومما يعطي
الثقة في إعلامنا أن يكون ملتزمًا بدقة العبارة وحسن الصياغة وسلامة الأسلوب،
وترابط الرؤى، ونصاعة البيان، وبديع العرض، وإحكام الدليل وصدق الخبر، والمبادرة
في الإعلام بالخبر، والإنصاف في التقدير، والرفق في الدعوة ويسر التناول، وكلها
عوامل تؤدي ولا شك إلى النجاح المأمول ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34). وما أحوج الإعلام
الإسلامي وهو يدعو ويعلم ويصحح، أن تكون هذه هي وسيلته في الإعلام والتبليغ، بعد
أن تحالفت قوى الأرض كلها ضد الإسلام والمسلمين، لقد تملك الأقلام شطط جامح، فهي
لا تبالي كيف تكتب، مجاوزة في شططها كل قواعد اللياقة في كثير من الأحايين»([3]).
دور القصة التربوية
وإذا كانت القصة هي إحدى الوسائل الإعلامية
المميزة، فكذلك دورها التربوي الذي لا يقل عنه أهمية. فهي تعتبر أحد أسس المنهج
التربوي في القرآن، حيث وجد «أن الأسس التربوية التي يقوم عليها المنهج القرآني لا
تتجاوز الأسس الثلاثة التالية:
1- المحاكمة العقلية: التي تقوم على تعريف
الإنسان بذاته، واختيار الأسلوب الصالح لمدارك الناس، واعتماد المناقشة والحوار.
2- القصص والتاريخ: فالقرآن لا يسوق من القصة
إلا ما يتعلق بغرض معين، وفي ثناياها يقحم النصائح والعبر والعظات.
3- الإثارة الوجدانية: التي تعين على إخضاع
النفس لحكمة العقل، وتقوم على نسيج موازن من التصوير والتخييل»([4]).
والقصة تعتبر «وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة
إلى أغراضه الدينية، والقرآن كتاب دعوة دينية، والقصة إحدى وسائله لإبلاغ هذه
الدعوة وتثبيتها، والتعبير القرآني يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني، ويجعل
الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، وإدراك الجمال الفني دليل استعداد
لتلقي التأثير الديني، وللقصة في القرآن أغراض ومرام خلقية كثيرة، وأهمها: إثبات
الوحي والرسالة وأن الدين كله من عند الله من عهد نوح إلى عهد محمد، وأن المؤمنين
كلهم أمة واحدة، وأن الدين كله موحد الأساس، فضلًا على أنه كله من عند إله واحد،
وأن وسائل الأنبياء في الدعوة موحدة، وأن استقبال قومهم لهم متشابه، وأن الله ينصر
أنبياءه في النهاية ويهلك المكذبين، وللتبشير والتحذير، ولبيان نعمة الله على
أنبيائه وأصفيائه، ولإبراز عداوة الشيطان الخالدة لأبناء آدم»([5]).
وفي قصة «الثلاثة والصخرة»، كان من الملامح
التربوية لإيراده صلى الله عليه وسلم هذه القصة الطيبة المعبرة، ذات الدروس
التربوية الغزيرة، التركيز على أهمية تنوع وسائل التربية، وضرورة تنوع وسائل
الدعوة، حتى لا يمل المدعو وتتجدد فيه المعاني الإيمانية. وكذلك أهمية الإعلام
عمومًا- والذي من أساليبه القصة- على طريق الدعوة، وما هي إلا استجابة لتوجيهه
سبحانه: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 176).
سلعة تفتقد إعلاناً!
ولو فتحت ملفات أعداء الدعوة على مر التاريخ
لوجدتهم قد استخدموا الإعلام كأحد أخطر وسيلتين- بعد الاقتصاد- في ذلك الصراع
الخالد، والسيرة تنبئك عن حرب قريش للدعوة الأولى اقتصاديًّا عن طريق الحصار في
شعب أبي طالب، وإعلاميًّا على يد رائد الحرب الإعلامية ضد الدعوة وهو النضر بن
الحارث، واليوم نجد أن سبب تفوق يهود في السيطرة على العقل والفكر العالمي عامة
والغربي خاصة لا يتجاوز حسن استغلالهم لهذين السلاحين، ولم تزل الحرب اليوم تهدف
أولاً إلى تكميم صوت الدعوة الإعلامي.
ولكن الوسائل الإعلامية من الكثرة بحيث لا
يعدم الدعاة أيًّا منها لإنجاح مسيرتهم. ومن القصور في حمل الأمانة أن يظل الإعلام
الإسلامي عالة على نظيره الغربي الخبيث الأهداف والأساليب.
وفي مسيرة الدعوة الحديثة نرى الحضور البارز
للجانب الشعري حتى غدت فيه «نونية القرضاوي» نموذجًا رفيعًا في تصوير محنة الدعوات
في سجون الطغاة، ولم تزل أحرف د. عبدالرحمن العشماوي وغيره تسجل مآسي وجراحات
الأمة، وتحدوهم أسطر شهيد اليمن القاضي الشاعر محمد محمود الزبيري: «كنت أحس
إحساسًا أسطوريًّا بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوّض ألف عام من الفساد والظلم
والطغيان»([6]).
ولكن الجانب القصصي لم يزل قصوره ملموسًا، ولم
يزل دوره مفتقدًا. فإذا كان الإمام أحمد بن حنبل- رضي الله عنه- قد نبه: «ما أحوج
الناس إلى قاص صدوق»([7])، وإذا كان الأدب العالمي قد بلغ القمة في تصويره لجشع
يهود بقصة «تاجر البندقية» لشكسبير؛ فواقع أمتنا أولى بأنه ينبه: «ما أحوج الدعوة
إلى قاص خريت»([8])، يحسن مع إخوانه تقديم بضاعتهم الطيبة فينوعوا في أساليب
تقديمها، فالتنافس على الجمهور في سوق المبادئ والأفكار قد دخله أصحاب بضاعات
مزجاة ولكن حسن عرضها ذهب بألباب الناس!
مشكلات وحلول في حقل الدعوة
المشكلة: ضعف اتخاذ القرار
التعريف:
عدم القدرة على اتخاذ قرار في أي أو معظم أو بعض القضايا الدعوية، والتي يترتب على
عدم البت فيها توقف العمل الدعوي أو ضعفه أو بروز سلبيات تؤثر على سير العمل
الدعوي.
مظاهر المشكلة:
1- التردد باتخاذ القرار.
2- التأخر الكثير باتخاذ القرار.
3- الخوف من اتخاذ القرار.
4- المبالغة بوضع العوائق أمام كل قرار يراد
أن يتخذ.
5- غلبة النظرة التشاؤمية.
أسباب المشكلة:
1- الخوف من فشل القرار بترتب نتائج سلبية عند
اتخاذه.
2- المرور ببعض التجارب الفاشلة جعلته يخاف من
تكرارها.
3- التعامل مع جميع القضايا الدعوية من زاوية
واحدة.
4- التأثر مما يحدث في أماكن وبلدان أخرى دون
مراعاة اختلاف الزمان والمكان وطبيعة النظام.
5- ضعف الثقة بالله.
6- عدم دراسة جميع الآثار المترتبة على اتخاذ
القرار، والاكتفاء ببعض ما يمكن أن ينتج من نتائج سلبية.
7- عدم دراسة القرارات السابقة القريبة من هذا
القرار أو المشابهة له.
الحل:
1- دراسة جميع الجوانب الزمانية والمكانية
والمشاكل المشابهة، والقرارات السابقة لتكون جميعها عوامل في اتخاذ القرار الناجح.
2- تحكيم الجانب العقلي والعاطفي معًا دون
الاعتماد كليًّا على واحد منهما فقط.
3- الاستماع إلى أكبر عدد ممكن من العاملين في
حقل الدعوة للحصول على بدائل كثيرة يمكننا اختيار الأنسب من خلالها. كذلك فإن
تطابق الآراء عند عديد من أفراد المجموعة يعطي دافعًا قويًّا وقناعة أكبر لاتخاذ
القرار.
4- الابتعاد بقدر الإمكان عن التفكير الفردي
باتخاذ القرار، إلا في حالة الضرورة القصوى والتي يترتب على تأخير اتخاذ القرار
ضرر واضح.
5- الأخذ بنظرية «انعكاس التفكير» في صناعة
القرار لديويز والتي تعتمد على خمس خطوات:
أ- اعرف ثم حدد المشكلة.
ب- حلل المشكلة التي حدثت (السبب، الآثار
المترتبة، الحلول، الهدف).
جـ- اقترح بعض الحلول.
د- قيم ثم اختر أفضل الحلول.
هـ- الإنجاز والتقييم.
6- بذل جميع الأسباب الممكنة، ثم العزم الذي
يعقبه اتخاذ القرار من غير تردد، ثم الاعتماد الكامل على الله باتخاذ القرار،
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 159).
([1]) من قضايا الإعلام في القرآن: رمضان
لاوند 9، 15 بتصرف.
([2]) المنهج الحركي للسيرة النبوية: الغضبان
369.
([3]) من فقه الإعلام الإسلامي: عمر التلمساني
12- 21 بتصرف.
([4]) منهج تربوي فريد في القرآن: د. محمد
سعيد البوطي 17- 65 بتصرف.
([5]) التصوير الفني في القرآن: سيد قطب 143-
154 بتصرف.
([6]) ديوان ثورة الشعر: الزبيري 10 نقلاً عن
شعراء الدعوة الإسلامية: الجدع وجرار (1/ 22).
([7]) تلبيس إبليس 120.
([8]) قاص خريت: حاذق ماهر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل