العنوان صورة الإسلام في الخطاب الغربي (3)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2005
مشاهدات 60
نشر في العدد 1657
نشر في الصفحة 66
السبت 25-يونيو-2005
في الحديث عن صورة الإسلام في الخطاب الغربي.. أشرنا إلى المقدمة الأولى التي تؤكد أن الغرب ليس واحدًا... وأن خطابه - من ثم - ليس واحدًا.
أما المقدمة الثانية: فهي أن الخطاب الغربي عن الإسلام وأمته وحضارته، ليس مجرد «مقولات نظرية» أو تعبيرات عن صور ذهنية مجردة، وإنما هو بناء فكري مركب، نما عبر تاريخ الاحتكاك العنيف بين الغرب والشرق، لا ليقف عند أفكار المفكرين وكتابات الكاتبين ونظريات المنظرين، وإنما ليكون التبرير المسوغ الهيمنة الغرب على الشرق، واحتلال أرضه، ونهب ما فيها من ثروات.. فهو خطاب تبريري لتسويغ ممارسات لا أخلاقية، تجسدها الإمبريالية والاستعمار في أرض الواقع.. وهذا الخطاب الغربي عن الإسلام وأمته وحضارته، تتوجه به الدوائر الاستعمارية الغربية إلى العقل الشرقي، لتغريب عقول شريحة من نخب مفكرينا ومثقفينا، الذين يتبنون هذه الصورة الغريبة عن الإسلام وحضارته، فيصبحون - بيننا - عملاء حضاريين للغرب، يبشرون بالتبعية للمركز الغربي.. على النحو الذي تحدث عنه جمال الدين الأفغاني عندما قال:
«إن المقلدين لتمدن الأمم الأخرى ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها... ولقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها، وطلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهدون لهم السبيل، ويفتحون لهم الأبواب، ثم يثبتون أقدامهم».[1]
كما يتوجه الغرب الاستعماري بهذه الصورة التي صنعها ويصنعها للإسلام وحضارته إلى شعوبه هو، كي يبرر أمامها سلوكه العدواني الاستعماري ضد الشعوب التي يستعمرها، وكي يخيف شعوبه من الإسلام، فيجرها إلى التضحية في معاركه - الفكرية.. والقتالية - ضد الإسلام وعالمه.
والآن.. وبعد نمو الوجود الإسلامي في المجتمعات الغربية - بأوروبا.. وأمريكا.. وأستراليا - غدا المسلمون في تلك البلاد يعانون معاناة مضاعفة من آثار ذلك الخطاب، حتى لقد أصبحوا محرومين من مميزات الليبرالية الغربية، وامتيازات الحريات والحقوق المدنية، وغدوا متهمين لمجرد أنهم مسلمون، ومحرومين من أبسط ثوابت وضوابط وشروط العدالة في المحاكمات أمام القضاء، إذ يحاكمون ويدانون «بأدلة سرية» لا يعلمون عنها شيئًا!!. بل وغدوا ضحايا اعتداءات وإيذاءات مادية ومعنوية، زادت في أمريكا بعد قارعة 11 سبتمبر سنة 2001 م، أكثر من 1700 ٪ عما كانت عليه قبل هذه القارعة، كما رصدت ذلك منظمات أمريكية لحقوق الإنسان..[2]حتى يوشك الخطاب الغربي، والممارسات الغربية أن تدخل المسلمين - لمجرد أنهم مسلمون - في دورة جديدة من دورات «محاكم التفتيش» التي نصبها الغرب للإسلام والمسلمين عقب سقوط «غرناطة» واقتلاع الإسلام من الأندلس «897 هــ - 1492 م»!.
فنحن - إذن - بإزاء خطاب غربي عن الإسلام، له آثار كارثية في أرض الواقع.. ولسنا بإزاء مجرد أفكار نظرية وصور ذهنية سلبية عن الإسلام.
***
والمقدمة الثالثة: هي أن نزعة «المركزية الغربية»، التي لا تعترف بالآخر غير الغربي - الديني منه والثقافي والحضاري - بل ولا تعترف بالغربي الأبيض إذا كان مسلمًا، كما هو حالها إزاء الأوروبيين المسلمين - في ألبانيا - والبوسنة - والسنجق.. وكوسوفا.. ومقدونيا.. وتركيا ... إن هذه النزعة المركزية الغربية، تلعب دورًا محوريًا وكبيرًا في تراكم ثقافة هذا الخطاب الغربي عن الآخر الإسلامي، فعدم الاعتراف بالآخر فيه التبرير لإلغاء هذا الأخر! وحتى إذا كان هناك اعتراف بالآخر، «كأمر واقع»، فإن عدم الاعتراف بشرعيته ومشروعيته وحقه في الوجود المتميز والمستقل، يذكي دائمًا وأبدًا السعي إلى إلغائه وطي صفحته من الوجود... فالغرب الليبرالي الرأسمالي ظل لأكثر من سبعين عامًا يعترف بالشمولية الشيوعية «كأمر واقع»، ولكنه لم يعترف أبدًا بشرعيتها ومشروعيتها وحقها في الوجود المستقل والمتميز.. ولذلك، ظل موقفه الدائم منها موقف الساعي إلى إسقاطها وطي صفحتها من الوجود، وعندما تحقق له ذلك اعتبر هذا الانتصار «نهاية التاريخ»!
ولقد لعبت هذه النزعة المركزية - نزعة عدم الاعتراف بشرعية ومشروعية الوجود الحر والمستقل والمتميز للآخر - لعبت الدور المحوري في التعبئة الفكرية والمادية لإلغاء وجود هذا الآخر، ولتبرير وراثة ما في حوزته من أوطان وثروات!
بل لقد استعان الغرب - في سبيل تأكيد «نزعته المركزية» هذه - بالنظريات العلمية الزائفة مثل «الداروينية»، التي زعمت أن الصراع هو قانون العلاقة بين الأحياء، وأن البقاء للأقوى، لأن الأقوى هو الأصلح... فانطلق الغرب الاستعماري من هذا الزيف لتبرير إلغائه لثقافات وحضارات الأمم والشعوب التي ابتليت باستعماره لبلادها، بحجة أنها الضعيفة، وأنه الأقوى... فلها الفناء، وله وحده ولحضارته البقاء!
وفي سبيل تكريس هذا الزيف الغربي، بلور الغرب علمًا سماه «علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية» الخاص بدراسات «المجتمعات البدائية» التي هي - في عرف الغرب - المجتمعات غير الغربية.. فهي بدائية.. وهو المتقدم.. وهي الضعيفة.. وهو الأقوى.. فلها الإبادة، وله البقاء بحكم هذا الزيف الذي جعله الغرب «علمًا»!!...
والذي توجه «بخطابه» إلى شعوبه.. وإلى شعوبنا أيضًا!.
***
[1] «الأعمال الكاملة» ص 195 - 197، دراسة وتحقيق: د محمد عمارة، طبعة القاهرة سنة 1998 م.
[2] في التقرير السنوي لمكتب التحقيقات الفيدرالية - بالولايات المتحدة الأمريكية - أن الإعتداءات على المسلمين في أمريكا كانت سنة 2000 م 28 حالة، وارتفعت سنة 2001 م إلى 2000 م جريمة، أي بنسبة 1600 % صحيفة «الأهرام» القاهرة: في 27\11\2003 م... وفي تقرير المنظمة الأمريكية لحقوق الإنسان.