العنوان صورة الإسلام في الخطاب الغربي (١١).. العدو «البديل»
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2005
مشاهدات 67
نشر في العدد 1665
نشر في الصفحة 66
السبت 20-أغسطس-2005
لما سقطت الشيوعية سنة ۱۹۹۱م، وأعلن الغرب أن الإسلام هو العدو الذي حل محل إمبراطوريتها الشريرة، عللت مجلة «شؤون دولية» الصادرة في «كمبردج» بإنجلترا -في يناير ۱۹۹۱م سبب سرعة هذا الإعلان الغربي أن الإسلام هو العدو- فقالت: لقد شعر الكثيرون -في الغرب- بالحاجة إلى اكتشاف تهديد يحل محل التهديد السوفييتي، وبالنسبة إلى هذا الغرض فإن الإسلام جاهز في المتناول، فالإسلام من بين الثقافات الموجودة في الجنوب هو الهدف المباشر للحملة الغربية الجديدة، ليس لسبب سوى أنه الثقافة الوحيدة القادرة على توجيه تحد فعلي وحقيقي للثقافة الغربية، ذلك أن النظرية التي يعتنقها علماء الاجتماع، والتي تقول: إن المجتمع الصناعي والعلم الحديث يقوض الإيمان الديني، مقولة العلمنة صالحة على العموم، فالتأثير السيكولوجي للدين قد تناقص عمليًا في كل المجتمعات، وبدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، لكن عالم الإسلام قد مثل استثناء مدهشًا وتامًا جدًا من هذا، فلم تتم أي علمنة في عالم الإسلام.
إن سيطرة الإسلام على المؤمنين به هي سيطرة قوية، وهي بطريقة ما أقوى الآن مما كانت منذ ١٠٠ سنة مضت، إن الإسلام مقاوم للعلمنة نوعًا ما، والأمر المدهش أن هذا يظل صحيحًا في ظل مختلف النظم السياسية، وإن وجود تقاليد محلية للإسلام قد مكن العالم الإسلامي من أن يفلت من معضلة تقليد العلمانية الغربية، وإن عملية الإصلاح الذاتي استجابة لدواعي الحداثة، يمكن أن تتم باسم الإيمان المحلي، وذلك هو التفسير الأساسي لمقاومة الإسلام المرموقة للعلمنة، وإن أوروبيين كثيرين يتساءلون عما إذا كان يمكن جعل الإسلام يقبل بقواعد المجتمع العلماني، مثلما فعلت المسيحية بعد صراعات كثيرة وطويلة ومؤلمة؟ أم أن رسوخ الإسلام في المجال السياسي والاجتماعي يجعله يرفض القبول بالمبدأ المسيحي الغربي الذي يميز بين ما لله وما لقيصر، وبما لا يسمح لمعتنقيه أن يصبحوا مواطنين خاضعين للقانون بصورة يعول عليها في ديمقراطية علمانية!؟
فتخيير الإسلام بين العلمنة، أي التحول إلى صورة شرقية للنصرانية الغربية، يقف عند الشعائر والعبادات فيتنازل -بذلك- عن خصوصياته ومميزاته، فاتحًا الطريق أمام تغريب العقل المسلم، وهيمنة العولمة الغربية على دنيا المسلمين، إن تخيير الإسلام والمسلمين بين هذه التبعية الفكرية وبين أن يكونوا العدو الذي توجه إليه آلة الحرب وحملات الإعلام التي كانت موجهة للشيوعية وأحزابها وحكوماتها، هو أمر سابق على قارعة سبتمبر ٢٠٠١م، وسابق على الانشقاق الذي حدث بين الجماعات الإسلامية الراديكالية، وأمريكا، فنحن بإزاء موقف قديم وثابت وأصيل في المواجهة بين الغرب والإسلام، وكما قال جلوب باشا، فإن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط أي مشكلة الغرب مع الشرق. إنما يعود إلى القرن السابع للميلاد، أي إلى ظهور الإسلام، وتحريره الشرق من هيمنة الغرب، وبقائه القوة الشرقية المجاهدة ضد محاولات اختطاف الغرب للشرق من جديد، وليست القضية، هي قضية «قارعة سبتمبر» في القرن الواحد والعشرين!
بعد قارعة سبتمبر ٢٠٠١م
في ضوء هذا الذي قدمناه عن تزييف المشروع الغربي السياسي، والكنسي، لصورة الإسلام، يتبين بدء هذا التزييف مع بدء ظهور الإسلام وتحريره للشرق من هيمنة الغرب الروماني البيزنطي، ومقاصد الغرب من وراء هذا التزييف:
أ- تغريب عقول مفكرينا ومثقفينا، ليتبنوا نموذجه الحضاري بدلًا من النموذج الإسلامي فتصبح المركزية الغربية هي قبلتنا، طواعية وتطوعًا!
ب- تضليل شعوبه الغربية، لتنخرط في المواجهة مع الإسلام، دعما لمشروع الهيمنة.
ج- إراحة ضميره، عندما يصدق الصورة التي زيفها للإسلام، باعتباره نمطًا من الفكر البدائي والمتخلف، تؤمن به شعوب بدائية ومتخلفة، يحول بينها وبين «التقدم» بمعناه الغربي- فيقتنع «الضمير» الغربي عندئذ -بمنطق الداروينية- أنه صاحب رسالة تنويرية وتقدمية وتحضيرية عندما يحارب خصوصياتنا الحضارية، ويعادي مميزاتنا القيمية، ويعمل على إبادة البنى الموروثة لثقافتنا الإسلامية، فهو الأقوى، وبمنطق الداروينية، فهو الأصلح للبقاء في هذا الصراع الحتمي.
وذلك وصولًا إلى تحقيق الهيمنة على عالم الإسلام، ونهب ثرواته، الذي هو المقصد الأعظم المشروع الهيمنة الغربي في ضوء هذا الذي قدمناه حول هذا الموضوع -الذي هو موضوع الساعة، كما هو موضوع التاريخ- نفهم كيف أن طوفان ثقافة الكراهية السوداء للإسلام وأمته وحضارته الذي تفجرت ينابيعه الأمريكية والغربية في وجوهنا، عقب قارعة سبتمبر عام ٢٠٠١م، لم يكن من إنشاء هذه القارعة، ولا كانت أسبابه جماعات العنف العشوائي، التي ترفع رايات الإسلام.
وإنما كان هذا الطوفان، تصعيدًا حادًا، الموقف تاريخي قديم، وكشفًا عن مخزون مكنون، وضع الغافلين منا واللاهين عن الحقائق في موقف الذين تحدث عنهم القرآن الكريم عندما قال:
﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق: 22).