; شهر النصر | مجلة المجتمع

العنوان شهر النصر

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006

مشاهدات 93

نشر في العدد 1721

نشر في الصفحة 56

السبت 30-سبتمبر-2006

"من صام إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"

تستقبل الأمة الإسلامية رمضان كل عام وهي مفعمة بالأمل، راجية من الله التوفيق والنصر. كيف لا، ورمضان قد امتاز عن شهور السنة جميعها بأنه شهر النصر والعزة، وأن الله تعالى كما اختاره لترتيل القرآن فيه فقد اختاره ليفرح عباده بنصره لهم ومعونته إياهم؟

لقد ظهر هذا في معارك كانت الأمة فيها في أمس الحاجة لانتصار يداوي ويخفف آلامهم، فهذه بدر، وقد كانت معركة عجيبة حقاً بين معسكر طاغ كافر كثير عدده، وكتيبة مؤمنة صالحة قليل عددها وعددها، وليس لها سلاح على التحقيق إلا الإيمان بالله تعالى. دخل الكافرون المعركة لا يشكون في النصر، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ودارت عليهم الدوائر وانتصر المسلمون انتصاراً مدهشاً، كان وسيظل مضرب الأمثال على أن العباد إذا فعلوا كل ما عليهم، وبذلوا وضحوا فإن الله تعالى يجبر كسرهم ويرتق فتقهم، ويأتيهم بالنصر من حيث لا يحتسبون.

فتح مكة

ونصر آخر كبير وقع في رمضان، وهو فتح مكة وانتقالها من دائرة الشرك لتكون قبلة للمسلمين ودارة الإسلام، ولينطلق على إثرها المسلمون فاتحين أكبر إمبراطوريتين في ذلك الزمن، مكة هي التي طردت المهاجرين، ففتحها كان نصراً عظيماً بكل الموازين ومواساة كريمة جليلة بجروح المهاجرين، وفتحاً مبيناً للمؤمنين.

عين جالوت

ثم دار الزمان دورته، ويجتاح المد التتري الغاشم الأمة الإسلامية ليحرق بغداد ويلتهم حلب ودمشق، وقد كان قبل ذلك اجتاح ممالك الإسلام فيما وراء النهر وقتل من الموحدين الملايين. وبعد أن فرغ من بلاد الشام توجه إلى مصر ليدمرها، فبرز له أسود ميامين من أبطال المماليك وغيرهم، والتقوا في رمضان في عين جالوت في فلسطين، وانتصر المسلمون انتصاراً كان الأول على التتار، وشردوهم وقلوا حدهم. لا ننسى أن شعار المعركة كان "وا إسلاماه" ونصر الله عبيده في وقت لم يكن يدور في خلد أحد أن ينتصر المسلمون على التتار أصحاب الانتصارات الكثيرة والسمعة الرهيبة، فجاء هذا النصر شافياً لجروح المسلمين، رافعاً معنوياتهم، وزادهم يقيناً بنصر الله تعالى وقت الشدائد: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ «النمل: 62».

العاشر من رمضان ۱۳۹۳هـ

ثم إن المسلمين ضعفوا وذلوا بعد عزة قعساء وسيادة طويلة، وذلك لأنهم وضعوا كتاب الله خلف ظهورهم ودبر آذانهم، ونسوا الله فنسيهم فجاس المستعمر في أرضهم، واستولى على عامتهم إلا قليلاً، وثبت أقدام المعتدين في فلسطين. فكانت لنا معارك هزمنا فيها؛ لأننا لم نكن مسلمين كما أراد الله لنا أن نكون، فلما شممنا رائحة الإسلام ودخلنا المعركة صائمين مهللين مكبرين في رمضان سنة ۱۳۹۳هـ فر اليهود من أمامنا كالفئران، ولم يصمدوا أمام صيحات التكبير وحققنا نصراً عزيزاً كنا ننتظره قروناً طويلة، قبل ست سنوات من هذه المعركة كنا نهرب من أمام اليهود وهزمنا شر هزيمة، وذلك لما كنا نعتز بالعروبة والناصرية القومية، لكن لما رجعنا إلى ديننا، وربينا الجنود على الإسلام أقال الله تعالى عثرتنا، ورفعنا من حفرة الذل، ونصرنا في وقت عجيب ووضع غريب، تعجب منه الناس جميعاً الأصدقاء قبل الأعداء، لكنها بركة التوكل على الله والإقبال عليه.

جروح نازفة

وهذا رمضان يأتي والأمة تشتعل في مواطن كثيرة، فهذا جرح الشيشان نازف، والمجاهدون يستأسدون لا تلين لهم قناة، وذاك جرح ثانٍ في كشمير وأسودها يجاهدون منذ سنوات طويلة، جرح ثالث في جنوب الفلبين، ورابع في بورما المنسية وأراكان المنكوبة، وخامس في العراق الصليب الحبيب. ولكن أعظم جروحنا على الإطلاق ما نكبت به فلسطين التي ما فتئ الصهاينة المعتدون يتآمرون عليها منذ أكثر من قرن حتى مكن لهم في البلاد.

بشائر النصر

والبشائر كثيرة باقتراب النصر في فلسطين خاصة إن شاء الله تعالى، وذلك لأنهم ذاقوا طعم الجهاد ونتائجه، وعرفوا ألا حل إلا الجهاد، وتبينوا طريقهم بعد ظلام طويل، اتصل جهاد القسام بالأمس بجهاد أبنائه اليوم فاستعصى أبطال فلسطين على التركيع، وصارت لهم الحكومة واليد الطولى في البلاد، بعد أن كانوا إلى عشرين سنة خلت من المنبوذين سياسياً، فأصبحوا وهم سادة البلاد، وقادة العباد، ولله الحمد والمنة. فويل ثم ويل لليهود وأذنابهم، ويوم يكتمل رجوعنا إلى الإسلام إن شاء الله تعالى فذلك يوم عرسنا ونصرنا: ﴿وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ . وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدهُۥ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ «الروم: 4-6».

الرابط المختصر :