; مصر قبل الانتخابات.. بين حريات واسعة وفوضى أمنية واهتزاز اقتصادي | مجلة المجتمع

العنوان مصر قبل الانتخابات.. بين حريات واسعة وفوضى أمنية واهتزاز اقتصادي

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1976

نشر في الصفحة 14

السبت 05-نوفمبر-2011

مصر

  • انحسر الاضطراب الأمني لكن مخاوف الناس لم تتبدَّد.. ففلول النظام البائد تستميت في عودة العجلة للوراء
  • دخول التيار السلفي حلبة السياسة تطورٌ إيجابيٌ لكنه مُطالَب بإبلاغ المجتمع بمصير فتاواه عن السياسة
  • الإخوان حريصون على التعاون مع جميع القوى وفي مقدمتهم الإسلاميون لإخراج تجربة انتخابية نموذجية
  • د. محمد البلتاجي: البرلمان القادم هو الأهم في تاريخ مصر.. وهناك قوى داخلية وخارجية حريصة على إفراز برلمان ضعيف وتعمل على إعادة إنتاج النظام السابق

مشاعر متباينة تنتابك منذ الوصول لمصر وحتى تغادرها.. فتسارع الأحداث وتضاربها في أحيان كثيرة تترك انطباعات متباينة بين تفاؤل وإحباط.. وبين شعور بالحرية الواسعة وشعور بالخوف وعدم الاطمئنان.. وآمال في إمكانية انفراج الأزمات الخانقة التي خلَّفها النظام السابق، وإحباط من إمكانية تصحيح شيء.. بل يصل الأمر أحياناً إلى شعور بأن ثورةً لم تقم، وأن إصلاحاً لن يتم!

قطاع كبير من الذين يتكسَّبون قوتهم بالعمل اليومي وضعتهم الحالة الأمنية المضطربة في مأزق معيشي صعب، زاد من تعقيده تلك المظاهرات الفئوية التي انتشرت في فترة ما بعد الثورة، فهؤلاء من سائقي التاكسي حوالي 60 ألف سيارة تاكسي في القاهرة وحدها، وأصحاب المحلات التجارية، وعمال اليومية، والعمال في المئات من المصانع الصغيرة، والباعة الجائلين، وغيرهم يتكسبون قوتهم من عملهم اليومي، وإن توقَّف العمل يوماً يبقوا معرضين لضائقة حياتية.. هم بلا شك يرحبون بالثورة ويؤيدونها لكنهم يتساءلون:

من أين «نأكل » في ظل استمرار المظاهرات?! أحدهم قال لي: أنت كموظف يمكن أن تجلس في «ميدان التحرير » أو تعتصم في أي مكان لمدة شهر وستحصل على راتبك في نهايته، أما أنا إن لم أعمل اليوم فلن أجد قوت أولادي، وستهتز قدرتي على سداد قسط السيارة.. لكن إجماعاً بين هؤلاء على أن الهدوء أصبح سائداً بعد شهور من العمل الجزئي، وأصبحت قوة عملهم بنسبة 60 % قبل الثورة.

في ريف مصر

في ريف مصر اهتمام كبير بالثورة وتأييد لها؛ لأنها خلَّصتهم من الذين سمَّموا البذور، وجلدوهم بأسعار المبيدات والتقاوي والأسمدة؛ بما جعل حصيلة المحصول تكاد تغطي تكلفة زراعته، لكن الغالبية العظمى منهم تدبِّر حالها، فاعتماد الفالح في قوته ومعيشته مازال على ما ينتجه من حقله، ثم إن معظم القرى المصرية لم تصبها حملات البلطجة والسرقات، اللهم من بعض العصابات التي اعتادت سرقة مواشيهم وأدواتهم الزراعية.

في الفترة الأخيرة، انحسر الاضطراب الأمني، لكن الخوف من الانفلات الأمني لم يتوقف، خاصة أن «فلول الحزب الوطني» من السياسيين الذين ضاع مستقبلهم السياسي، والاقتصاديين الذين ضاعت عليهم فرص نهب الملايين، وقادة أمنيين ضاعت سطوتهم؛ يحرصون على استمرار تلك الحالة البائسة عبر جيش كبير من البلطجية واللصوص، ويحرصون على تهييج المشكلات والأزمات؛ بدءاً من أنابيب البوتاجاز الغاز، حتى بعض الأدوية الحسَّاسة مثل أدوية السكر والقلب وغيرها..

لقد تحالفت تلك التنويعة من الفلول لإشاعة الرعب في المجتمع دون مغيث، حتى يترحم الناس على أيام «مبارك » لكن دون جدوى.

في تلك الأجواء تُجرى انتخابات نقابية وجامعية وعمالية في حرية تامة؛ فتفرز نتائج متباينة، حسب كل مجال وحسب تركيبته.. ففي الوقت الذي حصل فيه الإخوان على الأغلبية في انتخابات الأطباء والعلميين والمعلمين لم يحصدوا سوى مقعد واحد في نقابة الصحفيين إضافة للنقيب المحسوب عليهم في نقابة ظلت حكراً على الناصريين واليساريين وأتباع الحزب الوطني المنحل وغير المصنفين، لكنها ظلت ردحًا طويلاً من الزمن بعيدة عن الإسلاميين المغضوب عليهم والممنوعين زمناً طويلاً من ساحة الإعلام! الشيء نفسه في الجامعات المصرية التي ظلت طوال عهد «مبارك » - وقبله أيضاً - ممنوعة على الإسلاميين من العمل بها كأساتذة، وظل التعيين فيها عبر بوابة الأمن وحدها؛ وبالتالي يكون من الطبيعي عندما تُجرى انتخابات لاختيار عميد أو رئيس للجامعة أن تفرز رجال الحزب الوطني الذي بنى له قاعدة واسعة ضمن هيئات التدريس طوال ثلاثين عاماً.

لكن انتخابات النقابات والجامعات تظل لها ظروفها الخاصة وناخبها الخاص، وهي حالة لا تنسحب على الانتخابات البرلمانية، ولا يمكن أن تكون مقياساً دقيقاً لها. أكثر مَنْ يشعرون بأن ثورةً قامت ويتمتعون بها هي «الطبقة السياسية »، خاصة التي كانت تعاني التضييق والضيم والإقصاء، ونالها ما نالها عبر تاريخ الأنظمة القمعية، وفي القلب من هؤلاء «الإخوان المسلمون» وبقية الحركات الإسلامية.. وفي الوقت ذاته، فإن حركة القوى السياسية الحديثة والقديمة لم يطرأ عليها تغير ملحوظ عن عهد «مبارك»، فبعضها عانى من تضييق وصل إلى التجميد في عهد «مبارك » مثل حزب «الغد » و «العمل»، وبعضها الآخر كان أشبه بلجنة من لجان الحزب الوطني مثل حزب «التجمع اليساري » وفق وصف السيد البدري فرغلي أحد مؤسسي الحزب حينما غادر الحزب مستقيلاً، والبعض الآخر ظل سليماً معافىً، لكن الجميع لم يطرأ على حركته تغيير ملحوظ في الشارع يؤشر إلى أنه استفاد من أجواء الحرية؛ والسبب أن القدرة الفعلية على التحرك في الشارع لم تتوافر بعد، وثبت أن التعلل بدكتاتورية «مبارك » كانت شمَّاعة جيدة ليعلق عليها هؤلاء الفاشلون جماهيرياً عجزهم عن اجتذاب قواعد جماهيرية لصفوفهم.

التيار السلفي

«التيار السلفي » وافد جديد على الحياة السياسية في مصر بعد الثورة بممارساتها، فقد كان ميدان عملهم بين خطابة في المساجد، وبعض الأعمال الاجتماعية الخيرية، ولم ينسَ أحد فتاوى عدد كبير من دعاتهم التي تحرِّم المظاهرات والخروج على الحاكم، وفتنة الولوج في السياسة، وحظر المشاركة الانتخابية، وهي فتاوى سدَّت الباب طويلاً أمام قطاع كبير.. واليوم فوجئ الناس بهم في «ميدان التحرير ،» وفوجئوا بهم يؤسِّسون أحزاباً، ويعدون قوائم انتخابية للمشاركة في الانتخابات البرلمانية، وذلك تطور جيد - بلا شك - لكن كان من الأفضل قبل كل شيء إفادة الجماهير بما جرى لآرائهم من تغيُّرات، وعليهم اليوم أن يحلِّوا لأنفسهم معضلة المقعد النسائي في كل قائمة الذي يفرضه قانون الانتخابات، فلم نسمع رأياً حتى الآن من علمائهم بالموقف من المشاركة السياسية للمرأة، ومن هنا وقعوا في معادلة صعبة؛ وهي استكمال القوائم بنساء، لكنهن إذا نجحن لن يشاركن في البرلمان؛ أي سيحجزن المقعد وسيُترك فارغاً.. هذا ما يتردد في بعض الدوائر الانتخابية اليوم، ونتمنى أن يكون غير صحيح!

دخول «السلفيين » وغيرهم من الجماعات الإسلامية الأخرى حلبة السياسة تطورٌ إيجابيٌ لا شك، إنه يسهم في إثراء الحياة السياسية إذا أحسن التحرك في هذه الحلبة، والتعرف على أدواتها وتضاريسها جيداً.

ويبقى على الإسلاميين - بصفة عامة -مسؤولية كبرى؛ وهي تقديم صورة نموذجية لأداء السياسي من حيث المنافسة، وقبول الآخر، وإدارة الخلافات.. وقد أكد لي د. محمد البلتاجي، عضو المكتب التنفيذي لحزب «الحرية والعدالة » وأمينه بالقاهرة، أن ذلك ما يسعى إليه الإخوان مع جميع القوى السياسية، وخاصة الإسلامية المشارِكة في الانتخابات؛ لإخراج صورة جيدة للإسلاميين، تتناسب وحجم ثقة الشعب بهم؛ من حيث المنافسة، أو التنسيق، أو حتى الخلافات.

البرلمان القادم

عن شكل البرلمان القادم، يقول د. محمد البلتاجي: إن الإخوان حرصوا من البداية على أن تفرز الانتخابات مجلس شعب قوياً، تمثَّل فيه كل القوى، ولذلك سعوا للقائمة الموحدة، لكن النظام الانتخابي وطريقة تقسيم الدوائر حالت دون إتمام هذا التنسيق وتلك القائمة، إذ كيف يتمكن 44 حزباً أو أكثر أول أقل من صياغة قائمة مكونة من أربعة مقاعد مخصصة لدائرة مترامية الأطراف، حيث يسعى كل حزب إلى حصد أكبر عدد من المقاعد، ويرى أنه الأحق بالمواقع الأولى منها؟!

وهنا نشأت فكرة خروج عدد من الأحزاب من التحالف ليشكل قائمة مستقلة لمرشحيه، أو يتحالف مع آخرين أملاً في الفوز بأكبر قدر من المقاعد، وبالتالي لم يجد حزب «الحرية والعدالة » بداً من استكمال قوائم الترشيح من كوادره.. لكن الحزب سيظل حريصاً على أن تفرز الانتخابات القادمة مجلساً قوياً يضم كفاءات وخبرات من شتى القوى السياسية- يقول د. البلتاجي - وفي هذا الإطار فقد أخلى دوائر لبعض المرشحين المستقلين عندما علم بترشيحهم، مثل المستشار محمود الخضيري في الإسكندرية، ود. عمرو الشوبكي، الخبير في مركز الدراسات الإستراتيجية ب «الأهرام»، ود. عمرو حمزاوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.. وغيرهم.

ويؤكد د. البلتاجي أنه رغم حرص الإخوان على إفراز برلمان قوي، فإن هناك قوى داخلية وخارجية معروفة تسعى لإفراز برلمان ضعيف، إذ يرون في الثورة عملية إصلاح محدودة تحقِّق بعض المطالب السياسية في مجال الحريات، مع بقاء منظومة الفساد الاقتصادي، وإعادة إفراز الطبقة الفاسدة التي حكمت مصر، وذلك يستدعي انتباه الجميع وتكاتفهم لقطع الطريق على تلك المحاولات وتحمّل أعباء المرحلة القادمة، مؤكداً أن أي فصيل سياسي مهما كانت قوته لا يمكنه تحمُّل أعباء تلك المرحلة، فالبرلمان القادم يُعدُّ الأهم في تاريخ مصر؛ لأن لديه عدة مهام، في مقدمتها استلام السلطة التشريعية من المجلس العسكري.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية