العنوان نجوم الدكتاتوريات الهاوية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011
مشاهدات 53
نشر في العدد 1978
نشر في الصفحة 41
السبت 26-نوفمبر-2011
الصراع بين الحق والباطل قديم ومديد وسنة كونية؛ ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ (الرعد: 17)، ولكل فريقه؛ وذلك ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتْبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنْ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقِّ مَن رَبِّهِمْ﴾ (محمد:۳ )، وفي هذا يقول الإمام محمد عبده: «إن المصارعة بين الحق والباطل سُنة من سنن الاجتماع البشري ...
ويقرر سيد قطب: «إن المعركة لا تفتر بين الحق والباطل، وبين الشريعة والطاغوت وبين الهدى والضلال».. ويقر ابن عاشور أن الصراع بين الحق والباطل شأن قديم، وهو من النواميس التي جبل عليها النظام البشري».
ومن طريف الحوار بين الحق والباطل قولهم: قال الباطل للحق: أنا أعلى منك رأسًا، فقال الحق: أنا أثبت منك قدمًا فقال الباطل: أنا أقوى منك، قال الحق: أنا أبقى منك، قال الباطل أنا معي الأقوياء والمترفون، قال الحق: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ (الأنعام:123)، قال الباطل: أستطيع أن أقتلك الآن، قال الحق ولكن أولادي سيقتلونك ولو بعد حين. نعم، فإن الرجال أصحاب الحق لا ينامون على ظلم ولا يفترون أو يهدؤون ولنسمع إلى وصية والد يلقن ولده ويرضعه النصيحة ويحذره من خداع الظالمين:
لا تصغ يا ولدي إلى ما لفقوه ورددوه
من أنهم قاموا إلى الوطن السليب فحرروه
لو كان حقًا ذاك ما جاروا عليه وكبلوه
ولما رموا بالحر في كهف العذاب ليقتلوه
ولما مشوا بالحق في وجه السلاح ليخرسوه
هذا الذي كتبوه مسموم المذاق
لم يبق مسموعًا سوى صوت النفاق
صوت الذين يقدسون الفرد من دون الإله
ويسبحون بحمده ويقدمون له الصلاة
إذًا، فالصراع بين الحق والباطل سُنة كونية، والمتتبع لآيات القرآن الكريم لا يعجزه أن يقف على حقيقة مفادها أن الصراع بين الحق والباطل هو سنة أقام الله عليها هذه الحياة، وأن الحياة لا يمكن أن يسودها الخير المطلق، بحيث تخلو من الشر، وبالمقابل لا يمكن أن تعاني من الشر المطلق بحيث لا يكون فيها قائم بالحق. والآيات التي تؤكد هذه الحقيقة كثيرة لا يسعف المقام بذكرها، لكن نذكر بعضاً منها لإثبات ما نسعى لإثباته، من تلك الآيات التي تقرر هذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿كذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقِّ وَالْبَاطِلَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِل ليدحضُوا به اْلحَقَ﴾ (الكهف: ٥٦)، وقوله عز وجل: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ .. فهذه الآيات - وغيرها ليس بالقليل - تبين حقيقة مسار التاريخ، وأنه صراع بين الحق والباطل، وتصارع بين الخير والشر، ولا تخفى في هذا المقام دلالة تسمية القرآن بـ«الفرقان»؛ لما فيه من فارق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ولما فيه من تفرقة بين نهج السماء ونهج الأرض، وبين تشريع البشر وتشريع رب البشر.
وهذه السنة التي أقام الله عليها الحياة، تندرج في المحصلة في سنة الابتلاء التي خلق الله العباد لأجلها، ﴿الذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عملا﴾ (الملك: ۲)، فمن وقف في جانب الحق مدافعًا عنه ومنافحًا، يكون قد عمل عملًا حسنًا، وهدي إلى سواء السبيل ومن وقف في جانب الباطل، ونافح عنه ودافع، يكون قد عمل عملًا سيئًا، وضل سواء السبيل.
ولكن الصراع بين الحق والباطل لا بد فيه أن يتسلح الحق بوسائل الردع قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قَوَّة وَمِن رَبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللَّهِ وَعَدُوكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠)، وصدق أبو القاسم الشابي:
إذا ما طمحت إلى غاية *** ركبت المنى ونسيت الحذر
ومن لم يتعود صعود الجبال *** يعش أمد الدهر بين الحفر
وقوة الحق وجنده هي التي يكون لها الكلمة مهما علا الباطل وتجبر، ﴿قُل جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِي الْبَاطِل وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ:49) ﴿بَلْ نَقْذَفَ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء:۱۸)، والباطل واهن مكروه ليس له سند لا في واقع الحياة، اللهم إلا من المنافقين وأصحاب الأطماع والشهوات ولا في الواقع الإيماني؛ ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ (الشورى: ٢٤)، والقرآن ينبهنا إلى حقيقتين لا بد أن نلتفت إليهما ؛ الأولى : سيكون هناك صراع حتمي بين الحق والباطل، وهذا شيء لا مفر منه، الثانية أن الباطل زائل لأنه لا نفع فيه ولا صلاح معه للناس، قال تعالى: ﴿كَذلك يَضْرِبُ اللهُ الْحَقِّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ (الرعد:17).
هذه الآية في جملتها تشير إلى ما ذكرناه كما تلمح أن الباطل قد يظهر ويعلو ويبدو أنه صاحب الجولة والكلمة، لكنه سرعان ما يذهب ويغيب، من غير أن يلتفت إليه أحد أو ينتفع به إنسان، وإن كثرت حوله شخوص النفاق وأهازيج المنتفعين.
هبني مدحتك بين الناس قاطبة *** حتى جعلتك بين الناس عملاقًا
هبني زعمتك قديسا تباركنا *** وقلت: إنك خير الناس أخلاقًا
من ذا يصدقني بين الألى عرفوا *** عنك الخداع وسفاحا وأفاقًا
في حين أن الحق وإن تعرض للمحن ومر بالشدائد، لكنه هو الذي سيبقى وينتصر وينتفع به الناس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل