; هل هي حقًا... حركة لعدم الانحياز؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل هي حقًا... حركة لعدم الانحياز؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 18-أبريل-1982

مشاهدات 65

نشر في العدد 566

نشر في الصفحة 30

الأحد 18-أبريل-1982

صدر مساء الخميس 1982/4/8 البيان الختامي عن مكتب التنسيق لدول عدم الانحياز وقد جاء فيه دعوة للأمين العام للأمم المتحدة لإجراء اتصالات مع جميع أطراف النزاع في الشرق الأوسط للتوصل إلى تسوية شاملة في المنطقة!! وقد أدان سياسة إسرائيل العدوانية، وشجب مشروع حفر قناة بين المتوسط والبحر الميت وطالب بفرض عقوبات على إسرائيل، وعبر عن القلق البالغ من انتشار قوات أجنبية في أراضي دول أعضاء في الحركة في منطقة الشرق الأوسط أو قريبا منها «في إشارة إلى الروس في أراضي أفغانستان وكوبا في أفريقيا» كما عبر عن أسفه لعداء أمريكا حيال منظمة التحرير الفلسطينية ولوحظ على البيان أنه:

- لم يكرر الرفض السابق لدول عدم الانحياز لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. 

- ولم يجر التنديد بمحادثات الحكم الذاتي للفلسطينيين التي تجريها مصر وأمريكا وإسرائيل.

  • إن اللهجة التي صيغ بها البيان الختامي، ونوعية القرارات التي توصل إليها المؤتمر إضافة إلى اشتراك بعض الدول التي تتبع سياسة منحازة إلى الشرق أو الغرب كلها تلقي ظلالا من الشك على مدى جدية الأهداف والشعارات التي ترفعها حركة عدم الانحياز ولنعد إلى بدايات هذه الحركة.

البدايات:

  • الآن وبعد إحدى وعشرين سنة على انعقاد المؤتمر الأول لدول عدم الانحياز في بلغراد سبتمبر ١٩٦١م الذي حضره ممثلو أربع وعشرين دولة آسيوية وافريقية وأوربية وأمريكية لاتينية نقول الآن ماذا بقي من المبادئ الأساسية لحركة عدم الانحياز التي وضعها الآباء الروحيون للحركة آنذاك، الذين برز منهم نهرو وتيتو وعبد الناصر وسوكارنو!!؟

 ولنتعرف على هذه المبادئ أولا، لندرك مدى انفراج الزاوية إلى مدى قد يصل إلى ۱۸۰ درجة؟!

والمبادئ!!

  • أجمل المهتمون بسياسة عدم الانحياز مبادئ الحركة في ثماني نقاط هي كالتالي:

1- مبدأ السيادة والوحدة الإقليمية.

٢- مبدأ المساواة بين الدول.

3-مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

4- مبدأ حق تقرير المصير.

5-مبدأ عدم الاعتداء.

٦ - مبدأ فض المنازعات بالطرق السلمية.

7- مبدأ التعاون الدولي النشط.

8- مبدأ عدم الاشتراك في الأحلاف العسكرية التي يكون من أعضائها بعض الدول الكبرى.

والذي نلاحظه على هذه المبادئ، ورغم مرور أكثر من عشرين سنة على طرحها أنها ماتزال رغم كل الجهود نظرية غير قابلة للتطبيق إلا في أضيق الحدود، فالواقع المعاصر يفرض على هذه الدول في هذا العالم الذي يعج بالمنازعات والحروب والذي يتحكم فيه الجباران يفرض على هذه الدول أن تنحاز بشكل أو بآخر لهذا الجبار أو ذاك، ونضرب الأمثال على ما نقول:

  • الانحياز العملي:

فقد لاحظ بعض المراقبين أن عدد الدول غير المنحازة في ازدياد، ولكن الدول التي تأخذ بسياسة عدم الانحياز فعلا في تناقص، ويحدد من بين أكثر من مائة دولة مالا يقل عن عشرين دولة مؤيدة للغرب وتتلقى منه المساعدات الاقتصادية والعسكرية!! وبالمقابل هناك عدد مماثل يؤيد الاتحاد السوفياتي أو يرتبط معه بمعاهدات!! فكوبا مثلا مشتركة في هذه الحركة حتى أنها بنت قاعة للمؤتمرات في هافانا خصوصا من أجل المؤتمر السادس عام 1979 م لدول عدم الانحياز، ولكن الواقع العملي يثبت أنها منحازة إلى الاتحاد السوفياتي فهي قد تدخلت عسكريا في الخلافات الأفريقية فقد ساعدت أثيوبيا على ضم أوغادين من الصومال، وساعدت قوات البوليساريو، حتى إن تيتو نفسه في ذلك الوقت، قال: «إننا نشهد محاولات لإقامة أشكال جديدة للاستعمار والتبعية للتكتلات والنفوذ والسيطرة الأجنبية..».

وأفغانستان تشترك في مؤتمرات عدم الانحياز ولكنها مثال آخر صارخ للانحياز التام إلى جانب الشرق الشيوعي، ففي المؤتمر الماضي الذي عقد في الهند عام ۱۹۸۱ أصرت أفغانستان على أن يذكر اسمها كاملا «جمهورية أفغانستان الديمقراطية!!» في البيان الختامي واعترضت باكستان قائلة: أن ذلك يعني ضمنًا الاعتراف بحكومة بابراك كارميل!! التي سمحت لأكثر من ٨٥ ألف جندي روسي أن يحتلوا أراضيها إلى درجة قال فيها رئيس الوفد الإيراني:

«إننا لن نتباحث مع مهرجين يمثلون الاتحاد السوفياتي في أفغانستان!!». 

ومثال آخر:  

وبالمقابل هناك انحياز إلى الغرب - أمريكا خاصة - ونجده متمثلا في الانحياز الكامل من مصر للسياسة الأمريكية وخاصة فيما يتعلق بمشكلة الشرق الأوسط إلى درجة أنها وقعت صلحا منفردا مع إسرائيل التي ماتزال تحتل الأراضي العربية وتبيد الشعب الفلسطيني، الأمر الذي دعا إلى مقاطعة مصر من قبل الدول العربية التي دعت بدورها إلى إبعادها من الحركة بعدما فتحت أبوابها للنفوذ الأميركي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا!!

وبعد هذه الأمثلة نعود ونتساءل: هل إن عدم الانحياز نظرية غير قابلة للتطبيق في عصر جعل من الذين يمتلكون القوة النووية وحدهم أصحاب الحق في التحدث عن شؤون العالم وتقرير مصائره؟! وإنه صار حتما على كل دولة صغيرة أن تختار من تنحاز إليه!! 

يبدو أفق المستقبل ملبدًا بغيوم الشك في قدرة حركة عدم الانحياز على إنجاز عمل ذي قيمة في مجال المنازعات الدولية بين أفرادها.

  • العجز الواضح!!

فإلى الآن ومنذ أكثر من سنتين، لم تستطع المؤتمرات المنعقدة في هافانا ونيودلهي أن تصل إلى حلول مرضية في مشكلات أربع أساسية هي: الأزمة الأفغانية والنزاع العراقي - الإيراني، والمسألة الكمبودية وتوقيع مصر لاتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل والمطالبة بتعليق عضويتها في الحركة.

إن هذا العجز الفاضح يؤكد مقولة سياسية قديمة ترى أن كلا من العسكرين قد عارض فكرة عدم الانحياز منذ البداية، فقد وصفها الجانب الأمريكي بقوله: إنها سياسة قصيرة النظر وغير أخلاقية؛ لأنها حياد بين الخير والشر، بينما يرى الاتحاد السوفياتي أنها ليست إلا تبعية جديدة للاستعمار.

وماذا بعد؟!

  • نرى من خلال هذا التطواف السريع في تاريخ حركة عدم الانحياز أن المبادئ الثالثة التي قامت عليها الحركة في بدايتها قد انقلبت إلى نقيضها خاصة بعد الاتجاه إلى «الوفاق الدولي» بين الجبارين في فيينا عام ١٩٦١ م الذي عقده صفقته آنذاك كل من جون كيندي وخروشوف لإنهاء الحرب الباردة بينهما التي كانت سببا مباشرًا في أواسط الخمسينات لبداية حركة «الحياد الإيجابي» التي انقلبت إلى عدم الانحياز بعد ذلك.

هذه الصفقة التي انطوت على اتفاق ضمني على اقتسام العالم وتقسيمه إلى مناطق مع، ومناطق ضد ومناطق بين بين!!

وتأسيسا على هذا كله، نرى أن سياسة عدم الانحياز ماهي إلا محاولة يائسة لإثبات الذات والوجود تبذلها دول العالم الثالث في هذا العصر الذي تحكمه سياسة الوفاق بين الجبارين العملاقين.

عبد الله بوحميد

الرابط المختصر :