العنوان لماذا لا تعيد الدول الأفريقية علاقتها بإسرائيل؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1983
مشاهدات 63
نشر في العدد 638
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 27-سبتمبر-1983
الشاذلي القليبي: الدور العربي الضئيل
بعداء النظر من الأفارقة يخشون من مسابقة بعض الدول العربية لهم في التودد لإسرائيل!
هل أبقت مصر حجة تقنع الدول الأفريقية بالثبات على سياسة المقاطعة لإسرائيل؟
لا ندري لم الدهشة التي سادت الأوساط العربية ولا سبب لموجات الاستنكار التي تدفقت عبر وسائلها الإعلامية احتجاجًا على إعادة ليبيريا «ومن قبلها زائير» لعلاقاتهما الدبلوماسية بإسرائيل؟!
واستغربنا كثيرًا للصيغة المعكوسة التي تساءل بها المسؤولون وهم يقولون لماذا تعيد الدول الأفريقية علاقاتها بإسرائيل؟ ذلك أن الصيغة الصحيحة للسؤال والمنطقية والمعقولة في أن معًا هي: لماذا لا تعيد الدول الأفريقية علاقاتها بإسرائيل؟! ولكن يبدو أن التصورات المقلوبة السائدة في أوساطنا أبت ألا أن تفيض بروحها على السؤال فأتى مقلوبًا أيضًا!
بين طبيعة عقليتين:
وهما العقلية العربية والعقلية الإسرائيلية وأنه لتسوءنا المقارنة والمقابلة بينهما وتقرير النتائج الواضحة التي يصل إليها المرء من جراء ذلك. فبينما تطبع الفعالية العقلية الإسرائيلية نجد العقلية العربية وقد حال غياب شعورها برسالتها ودورها في الوجود وما ترتب عليه من غياب الرؤية الصحيحة للهدف والمصير نجد ذلك وقد طيعهما باللاعملية واللافعالية فاكتفت بالجعجعة اللفظية وإطلاق الشعارات غير المؤسسة في كثير من الأحيان. والأدهى من ذلك أنها ظنت أن هذا النهج والسلوك مؤدي بها إلى غرضها وهدفها - إن كانت هذه معلومة وواضحة أو متفقًا عليها بحد أدنى في أوساطها وليتها تقف عند حدود ذلك فقط إذ أنها تود التزام الآخرين أيضًا بهذا المسلك والمنهج ولا ترضى بخروجهم عنه قيد أنملة. ولقد تجلى ذلك أكثر ما تجلى في ردود الفعل حول إعادة بعض الدول الأفريقية لعلاقاتها مع إسرائيل.
فقد بدا لنا من خلال ذلك أن الشخصية العربية المعاصرة تريد من الآخرين قبولها والتسليم بها بلا استفسار ولا سؤال وإلا فما هو الجهد العملي والرصيد الواقعي الذي يقنع الدول الأفريقية بعدم إعادة علاقتها مع إسرائيل؟ وهل نظن أن سياسة الأمر الواقع التي ألزمت بها شعوب المنطقة قسرًا أو اختيارًا يمكن أيضًا تجويزها على الآخرين خارج دائرة التحكم العربي، أم هل تريد العقلية العربية أن يكون ولاء الآخرين لقضاياها وحماسهم لها أكثر من رصيدها هي تجاه هذه القضايا.
كيف جازى الإعلام العربي عيدي أمين على ولائه للعرب؟ وهل جعله الأفارقة درسًا يعتبرون به في علاقتهم مع العرب؟!
الحجة التي لا ترد:
إن الثغرة الأولى التي تسللت منها إسرائيل إلى أفريقيا من جديد أو تعللت بها الدول التي بدأت إعادة علاقتها هي كامب ديفيد وما ترتب عليه من معاهدة سلام والتزام بالتطبيع الكامل والشامل بين مصر وإسرائيل. فإن الحجة التي تحتج بها إسرائيل وهذه الدول حجة لا ترد ولا تقاوم. فالدبلوماسية الإسرائيلية توعز للدول الأفريقية وبمختلف الوسائل أن إعادة مصر لعلاقاتها معها وهي قلب العروبة يعني أنها بريئة مما ترميه به المجموعة العربية من جرائم وتهم. وأنه ليس في إمكان الأفارقة أن يكونوا أكثر تحزبًا «للقضية العربية» من مصر مثلًا، ثم إن الخطوات التي أعقبت ذلك من مبادرة فاس وما تلاها من توقيع لبنان لمعاهدة أخرى مع إسرائيل كل ذلك ينبئ بأن العرب في طريقهم إلى اللحاق بمصر وركبها.
والأفارقة الذين يسمعون هذه الدعاية التي لا تبتعد عن الحقيقة كثيرًا يضيفون إلى ذلك أن التزامهم بمقاطعة إسرائيل كان قائمًا في أغلبه على اقتطاع جزء من أرض أفريقية هي «سيناء» وقد عادت هذه الأرض «الأفريقية» أما بقية الأرض العربية فسيكون عليها اتفاق تسوية ما وفقًا لمجريات الأمور. وقد لا يخفون ملاحظتهم من تزايد نغمة «الحل السلمي» للقضية العربية والذي لم يستجب من رفع شعاره حتى منظمة التحرير الفلسطينية في درجات وقد لا ينسون أن يعقبوا أخيرًا على ذلك بقولهم إذا كانت خطوات أهل الحق والدار تسير نحو المسالمة والمصالحة مع إسرائيل فمالنا نحن والعداء معهما؟ بل إن «بعداء النظر» منهم يخشون من مسابقة بعض الدول العربية لهم في التودد لإسرائيل. فيخافون على أنفسهم أن يكونوا في ذيل القافلة ويحرمون أنفسهم من هذا الكنز الثين!
الحجة المقابلة:
وترد الدوائر العربية على تلك الحجج بأنه مازال هناك الجزء الأكبر من الأراضي العربية التي لم تسترد. ثم إن الشعب الفلسطيني مازال رازحًا تحت أثقال الاستعمار الإسرائيلي الاستئصالي النهج. ويذكرون بمعاناة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وعملية التهويد الجارية على قدم وساق.
كما ولا ينسون التذكير بغزو إسرائيل للبنان وإشرافها على مذابح صبرا وشاتيلا وتشريدهم للفلسطينيين هناك. ويردفون ذلك بالتعاون الوثيق بين إسرائيل والنظام العنصري في جنوب أفريقيا ودعمه بالتوسط في صفقات الأسلحة من أمريكا وغيرها أو تصدير السلاح الإسرائيلي مباشرة إليه، وإن تلك السياسة الإسرائيلية خطر على الكيان الأفريقي.
ولا شك أن هذا منطق لا ترفضه العقلية الأفريقية في مستوى من المستويات ولكنها سرعان ما تستدرك على ذلك بأن هذا الخطر صار مؤقتًا إلى حد كبير فالنظام العنصري في جنوب أفريقيا لن يستثنى من سنة التاريخ التي استأصلت شبيهه في زمبابوي -ردوديسيا سابقًا- ثم إن حركة المقاومة هناك صارت مستوية العود مع العقبات الكثيرة التي تعطلها. ويعقبون على ذلك بسؤال ختامي: وإذا كانت إسرائيل بتلك البشاعة واللؤم فكيف نفسر خطواتهم السائرة نحو التصالح التدريجي معها؟ ثم إننا نراكم تتحدثون عن إعادة العلاقات مع مصر وهي التي خرقت إجماعكم ومضت إلى حد إقامة المشاريع المشتركة بينها وبين إسرائيل فكيف نستوعب هذا ونفهمه؟!
دراسات سياسية
ثم:
وهذا مربط الفرس، لم يجن الأفارقة من مساندتهم للموقف العربي شيئًا بل إن بعضهم ناله الضرر المحض دون أن يجد نصيرًا عربيًا ويكفي في ذلك ذكر يوغندة وما جرى لرئيسها السابق عيدي أمين فليس هناك نظام أفريقي أظهر جدية في العداء لإسرائيل مثلما فعل عيدي أمين وقد لا يعجز «العاجزون» عن التذكير بالإفك الإعلامي الغربي المنسوج حوله والذي وإن صح فإنه لا يساوي أمرًا غريبًا أو مستنكرًا -من الناحية العملية- سواء بالنسبة للعالم العربي أو الأفريقي! ومع ذلك شنت عليه أجهزة الإعلام العربي المختلفة حملات شعواء وتحمست في العداء له بما فاق الإعلام الغربي الصليبي نفسه وأظهرت الشماتة في حقه ووصل البعض في قبحه حدًا زعم فيه أنه لا يشرفهم تأييد عيدي أمين للقضية العربية لا لشيء إلا أن «السادة الغربيين» أفتوا بأنه كيت وكيت.
ولا نظن أن الأعين الأفريقية كانت مقفلة عن رؤية تلك الحملات الاستبشاعية التي نالت عيدي أمين من المجموعة التي يناصرها ويتفوق دائمًا في الحماس لقضاياها وكيف قوبل موقفه بتلك الشماتات المبالغ فيها حتى ليحسب بعضهم أن ذلك جزاء وفاقًا! ولعل الأفارقة اعتبروا بذلك -والعاقل من اتعظ بغيره- فقر في أعماقهم التحفظ في الحماس للقضايا العربية تحسبًا من أن يصيبهم ما أصاب أمين!
والمساعدات العربية:
هذا وإن حال الدول الأفريقية في غالبها الأعم مما لا يخفي سوءه على أحد وقد كان مأمولًا أن يتصدى الجهد العربي لمعالجة شيء من المعاناة الاقتصادية الأفريقية - ناهيك عن بقية المجالات.
ولكن الجهد المبذول في هذا السبيل كان أقل من المأمول بكثير بل إننا إذا صدقنا في وصفه لا تهمناه بالهزال بالنسبة لقدرة المجموعة البترولية في الدول العربية وضآلة الاستثمار العربي في أفريقيا مقارنة بالحماس غير المحدود للاستثمار العربي في البلاد الغربية مع المخاطر الكثيرة التي تحف بالمال العربي هناك.
وإذا أتينا بالأمثلة العملية فنجد أن المصرف العربي للتنمية في أفريقيا لم يقدم حتى الآن أكثر «740» مليون دولار ل«37» بلدًا أفريقيًا أي أن متوسط نصيب كل بلد من هذه البلدان هو 20 مليون دولار فقط!!وأما الاستثمارات المباشرة فلم يكن نصيب أفريقيا أكثر من 7% من مجموع الاستثمار العربي. مما يعني أحجامًا لا تكفي المقولات المسموعة لتبريره أو تفسيره.
وإذ يسمع الأفارقة عن المصير والمستقبل المشترك الذي يحاضرهم فيه أخوتهم العرب بمناسبة، ويرون الترجمة العملية لذلك حتى في الأمور التي قد يكون عائدها المادي على العرب المستثمرين أكثر من نصيب الأفارقة فضلًا عن الشروط السمحة والاستثناءات الكثيرة التي تمنح لهم. إذ يضعون كل ذلك في حيز واحد ويفكرون فيه يرون أن الاعتماد على الظهير العربي خسارة مضمونة وفي جميع المجالات.
المقابل الإسرائيلي:
قد يكون مجموع المساعدات المادية المقدمة من إسرائيل للدول الأفريقية أقل من المساعدات العربية، ولكن هذه المقابلة مضللة في النتائج التي تخلص إليها. فإسرائيل لا تربطها العلائق التي تربطنا بالأفارقة. فنحن بنو دين واحد يجمعنا بمجموعات سكانية كثيرة منهم. ثم هناك الجوار والقرب الجغرافي والبعد الاستراتيجي لأفريقيا بالنسبة إلينا. إلى غير ذلك من المعاناة والقضايا المشتركة والعلاقات التاريخية الممتدة والبعيدة. ومن هنا فإن حجم المساعدة العربية يجب أن يتناسب وهذه الحقائق. ولا وجه للمقارنة بين ما تقدمه إسرائيل وما يقدمه العرب لأفريقيا بالقليل الذي تقدمه “إسرائيل” إذا نسب للحقائق التي تربطها مع الدول الأفريقية وموقف «الأخوة» منها بالمقارنة مع مواقفهم مع الأباعد غير المحتاجين وتجلى ذلك في السخاء العربي مع الغرب وما يقابله من مواقف مع أفريقيا.
ثم إن إسرائيل فطنت إلى مواطن الوجع في الجسد الأفريقي ووضعت يدها عليه. فهي مثلًا كانت تقدم أكثر من ثمانية آلاف منحة دراسية للأفارقة وفي مختلف التخصصات! واحتكرت التدريب العسكري للدول الأفريقية أو كادت ولم تغفل عن اتجاه المد العسكري وسيادته في أفريقيا فكأنها كانت ترى مثلًا أن موبوتو الذي تدرب عندها حين كان رئيسًا لأركان الحرب في بلاده سيكون ذا شأن في يوم ما. ولا بد أنها استفادت من التجربة الغربية السابقة لها في هذا المجال «بريطانيا وأمريكا» وكيف ساد الضباط الذين تدربوا عندها وقفزوا على كراسي الحكم هنا أو هناك.
كما ولم تتردد إسرائيل في محاولة تصدير تجربتها في «الكيبوتز» كصورة من التنمية التي تساق لأفريقيا. ومع فشل الأنموذج الإسرائيلي أفريقيًا إلا أن العبرة بأن “إسرائيل” لم تتوان في تقديم كل ما لديها وتصديره لأفريقيا وقصدها ولا شك توسيط أنموذج محتذى وتجسيد صورة «الصديق» وإن كان مزيفًا إلا أن لديه ما يقدمه على أي حال.
وأخيرًا:
فإن الأفارقة حين يتأملون في كل هذا ويفاضلون فقد ترجح الكفة الإسرائيلية لديهم أو هذا ما بدأت تمارسه بعض الدول الأفريقية – زائير وليبيريا – وتدعو له.
ثم ولا ينبغي أن نغفل «التيار الأمريكي» الكاسح الذي يجمع بين كثير من الأنظمة الأفريقية والعربية ويسلكها في سلك المصالح والاستراتيجية الأمريكية في المنطقة عمومًا!!
فهل بعد كل هذا نجرؤ على السؤال عن سبب عودة “إسرائيل” لأفريقيا؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل