العنوان تونس: "النهضة" تحتفل بالذكرى الـ34 لتأسيسها في منعرج سياسي حاسم
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015
مشاهدات 61
نشر في العدد 2085
نشر في الصفحة 44
الأربعاء 01-يوليو-2015
انتبهت حركة النهضة في وقت مبكر إلى طبيعة المرحلة التي تلت سقوط الدكتاتورية بناء على ديناميكيات الواقع الوطني وعلى مسارات ثورات "الربيع العربي" والتطورات الإقليمية والدولية
في السادس من يونيو 2015م، أكملت حركة النهضة الإسلامية في تونس أربعة وثلاثين عاماً على تأسيسها؛ أي منذ كانت تحمل اسم "حركة الاتجاه الإسلامي"، حيث كان يوم 6 يونيو 1981م يوماً فارقاً في تاريخ الحركة، كما كان يوماً فارقاً في تاريخ تونس المعاصر وتاريخ الإسلام المعاصر.
فقد أقدمت الحركة في ذلك التاريخ على الإعلان عن نفسها كياناً سياسياً وطنياً يعبر عن طموحات جزء من التونسيين، ويطالب بحقه في المشاركة في الحياة السياسية ضمن المؤسسات القائمة، وفي إطار ضوابط التنافس السياسي والاحتكام إلى الإرادة الشعبية وقوانين الديمقراطية التي لا تستثني أحداً.
كان إعلان التأسيس حدثاً فارقاً؛ حيث مثَّل محطة التحول الأولى في تاريخ الحركة، معبراً بشكل مبكر عن إرادة الخروج من ضيق النشاط السري إلى سعة النشاط القانوني والعلني.
وكان إعلان التأسيس حدثاً فارقاً في تاريخ تونس المعاصر؛ إذ تلته جولة جديدة وحاسمة في صراع قوى التحرر، والحركة الإسلامية إحداها، مع نظام استبدادي تعود على اضطهاد معارضيه السياسيين ومواجهتهم بالقمع والعنف.
ورغم سنوات الاضطهاد التي تلت إعلان التأسيس، من محاكمات ظالمة، واغتيالات، وتهجير، لم تزدد الحركة إلا إصراراً على مواصلة التحول والتطور فكراً ومنهجاً ومؤسسات، فكان تغيير الاسم ليصبح "حركة النهضة" بدل "حركة الاتجاه الإسلامي"، ولم يكن ذلك مجرد استجابة لشروط قانون الأحزاب، بل كان علامة تطور في المضامين بما يجعل الحركة الناشئة حديثاً امتداداً لتراث الإصلاحات التي شهدتها تونس منذ منتصف القرن التاسع عشر، وجمعت بين الإحياء الديني والإصلاح السياسي والاجتماعي، واستوعبت ما جاءت به الحداثة من تطورات تقنية وعلمية، بعيداً عن جعجعة ما يسمى بالنموذج المجتمعي، الذي ركز على الأيديولوجيا وأسقط التكنولوجيا من خطابه وممارساته.
من الاضطهاد إلى الانتصار
لم يزد تنامي مؤشرات التجديد في حركة النهضة ولا النتائج المتميزة لمشاركتها في انتخابات عام 1989م نظام المخلوع إلا تصميماً على مواجهتها، وجرها إلى الصدام؛ فأقدم على خطة تجفيف منابع التدين، وضيَّق على التونسيين والتونسيات وخنق حرياتهم، مستهدفاً مظاهر التدين في المؤسسات والشوارع؛ كالحرب على الحجاب، ومنع الإسلاميين من الوظيفة العمومية، وغير ذلك من الممارسات المنحطة التي تكشف عن مستوى هابط لا يمت للإنسانية بأي صلة.
وانتهت المواجهة إلى التنكيل بأبناء حركة النهضة وتغييبهم عشرين عاماً في السجون والمنافي، لكن الحركة لم تنجر إلى رد الفعل، وحافظت على فكرها وسطياً معتدلاً بعيداً عن الغلو والتطرف، وحافظت على منهجها منهجاً سلمياً بعيداً عن العنف والإكراه، وطورت علاقات التعاون مع سائر قوى المعارضة على أساس أرضية فكرية مشتركة، أسهمت في عزل السلطة وتعرية مشروعها الدكتاتوري والتمهيد للثورة ولحكم ائتلافي بين القوى المعتدلة؛ إسلامية وعلمانية، لا يزال على نحو أو آخر يحكم تونس.
من الثورة إلى الدولة
لم يكن الانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية سهلاً، ولم يكن تجاوز التركة التي خلفها نظام المخلوع وتحقيق طموحات شعبنا في التنمية والعدالة الاجتماعية ومحاربة البطالة والتهميش، لم يكن ذلك ممكناً، بينما اختار جزء مهم من القوى السياسية التموقع في المعارضة في مرحلة لا تحتمل الانقسام وتحتاج إلى التوافق.
لقد انتبهت حركة النهضة في وقت مبكر إلى طبيعة المرحلة التي تلت سقوط الدكتاتورية، بناء على ديناميكيات الواقع الوطني، وعلى مسارات ثورات "الربيع العربي" والتطورات الإقليمية والدولية.
إن الانتقال الديمقراطي يعني أننا لسنا بعد في الديمقراطية المكتملة، فبين لحظة سقوط الدكتاتورية وزمن اكتمال الديمقراطية مسار من الانتقال والتطور لا يحتمل المغالبة والانفراد، وإنما يحتاج إلى التوافق والتشاركية، وينبني أساساً على حفظ الحريات وتثبيتها.
وبمناسبة الذكرى الـ34 لتأسيس حركة النهضة، التقى الشيخ راشد الغنوشي يوم الأحد 7 يونيو 2015م مع أبناء ولاية سيدي بوزيد ومناضليها الذين فجروا الثورة بوفاة محمد البوعزيز، حيث ألقى كلمة حيّا فيها نضال هذه المنطقة ضد الاستعمار والاستبداد، وحثّ على التمسك بالوحدة الوطنية والتوافق والجدّ والاجتهاد؛ من أجل إحياء قيمة العمل في نفوس التونسيين، ومن أجل مواجهة الأخطار التي تهدد البلاد في هذه الفترة وعلى رأسها إفلاس الدولة بسبب كثرة الإضرابات والاعتصامات، والإرهاب الذي يتكئ على مفاهيم إسلامية خاطئة أدت إلى ترويع الآمنين واستباحة الحرمات وإضعاف الدولة.
كما أكد الشيخ راشد أن النهضة وضعت ضمن أولوياتها ملف التنمية بوصفه واحداً من أهم استحقاقات الثورة؛ إدراكاً منها للتأخر الحاصل في هذا المجال، وتجاوباً مع توق التونسيين إلى عدالة اجتماعية وتنموية وحسن توزيع الثروة بين مختلف مناطق البلاد ورفع مستوى التعليم.
وقد حثّ الشيخ الغنوشي الحكومة على الإنصات إلى الشعب في المناطق التي تشهد بعض الاحتقان، ودعاها إلى الاهتمام بمشاغله ومصارحته بحقائق الوضع في البلاد والأخطار التي تواجهها، مؤكداً في الآن نفسه رفض النهضة لدعوات الفتنة والفوضى والخروج عن القانون.
إن حركة النهضة وهي تحتفل بالذكرى الرابعة والثلاثين لتأسيسها، كما أشار البيان الذي أصدرته بهذه المناسبة، تؤكد أن التجربة التونسية حققت نجاحات تاريخية ليس أقلها أنها اليوم "التجربة الناجية" قياساً لما حصل من حولها في بلدان الثورات العربية، فضلاً عن الدستور التوافقي للجمهورية الجديدة، والانتخابات العامة النزيهة والمتكررة التي أسست التداول السلمي على السلطة لأول مرة في تونس.
والحركة تذكر بأن تجربتها مرت بأوقات صعبة من التجاذب السياسي كادت تعصف بكل المكاسب التي تحققت لأبناء تونس وبناتها، كما تذكر أن طريق التونسيين إلى الديمقراطية الراسخة والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية لا تزال مهددة إذا لم تحسن القوى السياسية والاجتماعية الموازنة بين تحصيل الحقوق والقيام بالواجبات في ظروف قلَّ فيها العمل وانهارت قيمته، وضعف فيها إنتاج الثروة وزادت المطالبة بتوزيعها، وتفاقم التطاول على القانون واستباحة الدولة بما يهدد بتفككها لا سيما والإرهاب يدق الأبواب بقوة.
من أجل إنجاح الانتقال الديمقراطي، هدفاً، ومن خلال التوافق، وسيلة، وفي اتجاه تحقيق طموحات شعب تونس في الكرامة والعدالة الاجتماعية، ومن أجل منع انتكاس التجربة التونسية الرائدة، وحتى يتمكن التونسيون من خلق الثروة ثم يتحروا العدل في توزيعها.. من أجل كل ذلك اتخذت حركة النهضة موقعها السياسي، وصاغت خطابها وعلاقاتها مع شركاء الوطن، وهي تتطلع إلى المساهمة بكامل المسؤولية في بناء وطن أوشك الاستبداد أن يقتل فيه الأمل وجاءت الثورة لتحيي فيه كل الأمل.