العنوان فتاوي المجتمع (العدد 1407)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-2000
مشاهدات 69
نشر في العدد 1407
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 04-يوليو-2000
▪ اجتهاد الطبيب بين الوفاة والعملية الجراحية
• ما حكم التوقيع على إجراء عملية جراحية برغم أن الطبيب المختص قال: إن نسبة النجاح ٢٠%، ولكنه إن لم تجر له العملية فربما مات أمام أعيننا.. وقدر الله أن توفي تحت العملية، فهل يلحقنا إثم أم أن علينا كفارة؟
• إذا تردد اجتهاد الطبيب- والأولى أكثر من طبيب- بين الوفاة أو إجراء عملية جراحية نسبة نجاحها ضئيلة، فتجرى العملية، فإن لم يكن هناك رجاء من نجاح العملية فلا يجوز إجراؤها لما فيها من تعذيب لا يرجى الشفاء معه.
وتقرير أن إجراء العملية ضروري أو أن عدم إجرائها يؤدي إلى الوفاة ينبغي أن يبنى على ادلة راجحة عند الأطباء، أو بحكم العادة والحالات الكثيرة المناظرة.
وإذا حدثت الوفاة، فلا إثم على الطبيب ولا على من أذن بإجراء العملية، ولا كفارة في ذلك لأنه ليس قتلًا خطأ، وإنما هو موت طبيعي، ولم يقصد من أذن بإجراء العملية، وكذلك الطبيب إلا رجاء الشفاء.
▪ ما يترتب على القتل الخطأ
رجل يقول: إنه قبل سن البلوغ دهس بالسيارة طفلًا عمره تسع سنوات فقيل له: إن عليك الآن صيام شهرين متتابعين، إلى جانب الدية التي دفعها في وقت الحادث، والسؤال: هل يجب عليه الصوم مع أنه كان صبيًا لحظة الحادث؟
هذا قتل خطأ ويترتب عليه الدية والحرمان من الإرث والكفارة، أما الدية فلقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ (النساء:۹۲)، وقوله تعالى: ﴿إِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ (النساء: ۹۲) والدية تجب على العاقلة عاقلة الجاني وهو واحد منهم عند أبي حنيفة، ولا
يلزمه شيء معهم عند مالك والشافعي وأحمد، وتكون مؤجلة ثلاث سنين لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها «البخاري ٥٢٥/٢ ومسلم ۱۳۱۰/۳»، وأما تأجيلها ثلاث سنين فتم بإجماع الصحابة على ذلك، وقد فعل ذلك عمر وعلي رضي الله عنهما، ولا يشترط الإسلام في وجوب الدية لا من جانب القاتل، ولا من جانب المقتول، وكذلك لا يشترط العقل والبلوغ فتجب الدية بقتل الصبي، والمجنون اتفاقًا، كما تجب في مال الصبي والمجنون، لأن الدية ضمان مالي فتجب في حقهما.
وأما الحرمان من الميراث، فإن القاتل يحرم من الميراث إن كان المقتول مورثه، وهذا عند الحنفية، والشافعية لقول النبي ﷺ: القاتل لا يرث أخرجه البيهقي «٢٢٠/٦»، من حديث أبي هريرة، وأعله بضعف أحد رواته، ثم قال: شواهده تقويه.
وذهب المالكية إلى أن القاتل يرث من المال. ولا يرث من الدية والحنابلة قالوا: إن القتل المضمون لا إرث فيه، وغير المضمون كمن قصد العلاج بسقي دواء أو ربط جرح ونحو ذلك فمات مورثه فإنه يرثه.
أما الكفارة فتجب في القتل الخطأ مع الدية تحرير رقبة، فإن لم يجد فصوم شهرين متتابعين لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:92).
وأما بالنسبة لكون القاتل حين القتل لم يكن بالغًا، فلعل الراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية والحنابلة من عدم اشتراط البلوغ والعقل في وجوب الكفارة فكما تجب عليهما الدية في مالهما، عليهما الصوم، فإن كان القاتل صبيًا مميزًا أجزاء الصوم، وقالوا أيضًا: إن الشارع لم يوجب كفارة الصوم، وعتق الرقبة على الفور فالصبي أهل للصوم باعتبار المستقبل.
وذهب الحنفية إلى عدم وجوب الكفارة لأن العقل والبلوغ شرطان عندهم في وجوب كفارة القتل، ولأنهما مرفوع عنهما القلم.
وعلى هذا، فعلى السائل ما دام لا يجد عتق رقبة، أن يصوم شهرين متتابعين.
▪ ضمان ما يفعله الحيوان
• رجل يملك مزرعة لتربية الأبقار وعنده ثيران، وحدث أن هاج ثور على راعيه، وبغفلة من المسؤول عن الأبقار والثيران ضربه الثور في ظهره، وأدى ذلك إلى وفاته. فهل على مالك المزرعة شيء؟ وماذا نفعل بالثور؟
o هناك فرق في تحمل وضمان ما يفعله الحيوان بين الحيوان الأليف وغير الأليف فجمهور الفقهاء يرون ضمان صاحب الحيوان الأليف إذا أتلف شيئًا في الليل، وإن أتلف شيئًا نهارًا فلا ضمان على صاحبه مستندين إلى حديث البراء بن عازب «أنه كانت له ناقة هاربة فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ لأن حفظ الحوائط- البساتين- بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن ما أصابت الماشية بالليل فهو على أهلها».
«أخرجه أحمد ٢٩٥١٤، والحاكم ٤٨١٢ وصححه» وذهب الحنفية إلى أنه لا ضمان على صاحبه سواء كان ليلًا أو نهارًا، والفقهاء تفصيل في هذا.
أما الحيوان إن كان غير اليف ويمثل له بالكبش النطوح، والثور، والجمل العضوض والكلب العقور والسباع كالأسد، والذئب، ونحو ذلك، فقد اختلف الفقهاء في إتلاف هذا الحيوان للمال أو النفس من حيث التفصيل، لكنهم متفقون على ضمان صاحب الحيوان إذا تسبب صاحبه بهذا الإتلاف للمال أو النفس، فإذا وجد من مالكه أشل، أو إغراء أو إرسال بأن تركه دون ربط فهذه الحيوانات واجب صاحبها أن يربطها، ويحتاط، فإذا فرط أو قصد الإضرار بالغير فإنه يضمن بلا خلاف، وأما إذا لم يكن من صاحبه شيء من ذلك، فلا ضمان.
▪ إنهم يمثلون بقتلانا في الحروب!
▪ الإجابة للشيخ يوسف القرضاوي
• ما هدي الإسلام في الحروب وهل يجوز التمثيل بقتلى الأعداء كما يمثلون بقتلى المسلمين؟
o الحرب ضرورة تفرضها طبيعة الاجتماع البشري، وطبيعة التدافع الواقع بين البشر الذي ذكره القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٤٠) ﴿لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:251).
لكن ضرورة الحرب لا تعني الخضوع الغرائز الغضب، والحمية الجاهلية، وإشباع نوازع الحقد والقسوة والأنانية.
وإذا كان لا بد من الحرب، فلتكن حريًا تضبطها الأخلاق، ولا تسيرها الشهوات لتكن ضد الطغاة والمعتدين لا ضد البراء والمسالمين قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة:190)، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:2).
فإذا كان لا بد من الحرب، فلتكن في سبيل الله، وهو السبيل الذي تعلو به كلمة الحق والخير- لا في سبيل الطاغوت- الذي تعلو به كلمة الشر، والباطل، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء:76).
لتكن الحرب من أجل استنقاذ المستضعفين لا من أجل حماية الأقوياء المتسلطين، يقول- عز من قائل: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء:75).
ولتقييد الحرب بأخلاق الرحمة والسماحة ولو كانت مع أشد الأعداء شنانًا للمسلمين وعتوا عليهم.
وإذا كان كثير من قادة الحروب وفلاسفة القوة، لا يبالون في أثناء الحرب بشيء إلا التنكيل بالعدو، وتدميره، وإن أصاب هذا التنكيل من لا ناقة له في الحرب، ولا جمل فإن الإسلام يوصي بألا يقتل إلا من يقاتل، ويحذر من الغدر والتمثيل بالجثث، وقطع الأشجار، وهدم المباني وقتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة، والمزارعين المنقطعين الحراثة الأرض.
وفي هذا جاءت آيات القرآن الكريم، ووصايا- الرسول الكريم، وخلفائه الراشدين، ففي القرآن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة:190).
وفي السنة كان النبي ﷺ يوصي أصحابه إذا توجهوا للقتال بقوله: «اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا ..... وليدًا».
وكذلك كان الخلفاء الراشدون المهديون من بعده يوصون قوادهم ألا يقتلوا شيخًا، ولا صبيًا، ولا امرأة، وألا يقطعوا شجرًا، ولا يهدموا بناء.
بل نهوهم عن أن يتعرضوا للرهبان في صوامعهم، وأمروهم بأن يدعوهم وما فرغوا أنفسهم له من العبادة.
يذكر المؤرخون أن الخليفة الأول أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- في المعارك الكبرى التي دارت بين المسلمين والإمبراطوريتين العتيدتين فارس والروم- أرسل إليه رأس أحد قادة الأعداء من قلب المعركة إلى المدينة عاصمة الدولة الإسلامية، وكان القائد يظن أنه يسر بذلك الخليفة، لكن الخليفة غضب لهذه الفعلة لما فيها من المثلة والمساس بكرامة الإنسان فقالوا له: إنهم يفعلون ذلك برجالنا فقال الخليفة في استنكار: استنان بفارس والروم لا يحمل إلى رأس بعد اليوم.
وبعد أن تضع الحرب أوزارها، يجب ألا ينسى كذلك الجانب الإنساني، والأخلاقي في معاملة الأسرى، وضحايا الحرب.
يقول الله تعالى في وصف الأبرار من عباده ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان:8-9).
▪ المؤمن لا يخلد في النار
▪ الإجابة للشيخ عطية صقر
• هل يدخل المؤمن الذي نطق بالشهادتين الجنة مهما كان سوء عمله؟
روى البخاري ومسلم عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فقال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت وإن زنى أو سرق قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر، فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر وفي رواية للبخاري أن الرسول ﷺ قال: أتاني جبريل فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق.
يؤخذ من هذا الحديث الصحيح أن الإنسان ما دام مؤمنًا ومات على إيمانه سيدخل الجنة فإن كانت عليه ذنوب، ومات ولم يثب منها فقد يغفر الله له إن شاء، وقد يغفر له بشفاعة، وقد يعذبه في النار بمقدار عصيانه، وفي النهاية يخرج منها ولا يخلد فيها، أي ينتهي مصيره إلى الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ﴾ (النساء: 116).
وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله أي حرم خلوده فيها.
أما الأحاديث التي تنفي الإيمان عن الزاني والسارق ومرتكبي المعاصي فيراد بها نفي الإيمان الكامل، وليس نفي الإيمان أصلًا، ومثل الحديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن فالمعصية لا تنفي الإيمان، ولا تخرج العاصي إلى الكفر كما يقول الخوارج، إلا إذا اعتقد أن المعصية حلال، أي ارتكب الزني مثلًا على أنه حلال غير حرام، فهنا يكون كافرًا، وينطبق عليه ظاهر الحديث وإطلاقه دون تقييد.