; قوى ظلامية تعتدي على جوسبان! | مجلة المجتمع

العنوان قوى ظلامية تعتدي على جوسبان!

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1391

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 07-مارس-2000

ما تعرض له رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان على أيدي طلبة جامعة بيرزيت يحمل دلالات معينة كان ينبغي على الجانب الفلسطيني توظيفها لمصلحته خصوصًا في ظل الفشل المستديم الذي تعيشه عملية التسوية.

ولعل أهم تلك الدلالات أن المجتمع الفلسطيني -الذي يمثل طلبة الجامعات نبضه الحي- ما زال يعتقد أن طريق المقاومة هو الحل، فلا عملية التسوية المتعثرة قادرة على رد الحقوق إلى أصحابها، ولا الموقف العربي يمكن الاعتماد عليه بعد أن البنت نظرية الدفاع العربي المشترك فشلًا ذريعًا، فلا يبقى إذن سوى الحل الطبيعي والعلاج المعروف لمرض الاحتلال، وهو المقاومة المسلحة وتتعاظم أهمية هذا الحل في الحالة الفلسطينية التي هي فريدة من نوعها في العالم وفي التاريخ. فنحن قبل كل شيء أمام عدو صهيوني الملم شتاته من كل أصقاع الدنيا واتخذ من الأرض الفلسطينية وطنًا له، فأصبح وجوده مقترنًا بغياب الآخر، أي الفلسطيني صاحب الأرض الحقيقي.

عندما كنت طالبًا في الجامعة خلال السبعينيات وفي ذروة نشاط المقاومة الفلسطينية المسلحة، كنت من الناشطين في مجال العمل الطلابي، وكانت فتح تهيمن على ساحة العمل النقابي، كما كانت تهيمن على ساحات العمل الأخرى الفلسطينية وكانت انتخابات الطلبة تحديدًا «ترموميتر» تقاس به شعبية هذا التنظيم أو ذاك فالطلاب -ما هي العادة- الشريحة الأنشط بين الناس، حيث لا مسؤوليات ولا هموم، إضافة إلى وعيهم وحماسهم وهم الذين كانوا -ومازالوا- يحركون المجتمع والعالم كلما أرادوا مثلما فعل طلبة بيرزيت مع جوسبان، ومثلما فعل الطلبة الفرنسيون عندما أسقطوا شارل ديجول أواخر الستينيات، ولذلك كانت فتح كبرى فصائل المقاومة الفلسطينية في ذلك الوقت تدعي أن هيمنتها على اتحاد الطلبة دليل على جماهيريتها وقوتها الشعبية.

هذه الحقيقة المتعلقة بالطلبة، ما الذي تغير فيها الآن؟ لا شيء بالتأكيد، فالطلبة الفلسطينيون هم الطبقة الواعية المتحمسة التي أشعلت انتفاضة شعبية دخلت القواميس السياسية واللغوية، حيث فرضت كلمة انتفاضة نفسها في قاموس أكسفورد وغيره وينبغي الإقرار بأنه لولا تلك الانتفاضة لما تحولت منظمة التحرير الفلسطينية إلى سلطة، ولما عاد مسؤول فلسطيني واحد إلى الأرض الفلسطينية المحتلة.

ما الذي تغير حتى ينعت رئيس السلطة الفلسطينية هؤلاء الطلبة بمصطلح «القوى الظلامية»؟ بالأمس كانوا مصدر قوة وافتخار لمنظمة التحرير، واليوم من وجهة نظر السلطة هم خفافيش رجعيون عملاء للأجانب الذي تغير هو شيء واحد: بالأمس كانوا يمثلون حركة فتح أما اليوم فهم حماس!

أنصار حماس اليوم هم الذين يهيمنون على مجالس طلبة الجامعات الفلسطينية في الأرض المحتلة، ولعل انتخابات جامعة الخليل في ٢٨ فبراير الماضي خير دليل على شعبية حماس حسب ترموميتر منظمة التحرير الفلسطينية! ولعل من المفارقات الغريبة، التي يحار المراقبون في تفسيرها، أن ينجح أنصار حماس وإخوانهم في الجهاد الإسلامي في الفوز بغالبية مقاعد مجلس طلبة جامعة بيرزيت (نحو ثلث طلبتها، وكذلك غالبية إدارتها من النصارى) وكانت هذه الجامعة حتى وقت قريب تعتبر قلعة لليسار الفلسطيني قبل أن يفتحها الإسلاميون ولا يفوتني هنا أن أذكر بأن عددًا كبيرًا من الطلبة النصارى في هذه الجامعة انتخبوا الإسلاميين قناعة منهم بأنهم وحدهم الذين يسيرون في الاتجاه الصحيح نحو تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والتحرير.

أسطوانة الطيب عبد الرحيم المعتادة مشروخة. بل هي «بايخة» ويبدو أن الوظيفة الوحيدة للطيب عبد الرحيم هي ترديد هذه الأسطوانة فكلما وقعت عملية عسكرية أو مظاهرة فلسطينية في الأرض المحتلة سارع هذا الرجل للزعم بأن الذين نفذوها أو أصدروا أوامر بتنفيذها هم من الخارج أو من إيران تحديدًا!

مسارعة السلطة إلى الاعتذار إلى جوسبان على مهاجمة طلبة بيرزيت له داخل حرم الجامعة كان تصرفًا تعوزه النباهة فتصريحاته التي نعت فيها رجال حزب الله بالإرهابيين لم تلق استحسانًا حتى من قبل الرئيس الفرنسي، ومن الصحف الفرنسية التي اعتبرته أضر بصورة فرنسا في الخارج، كما أن إطلاق وصف الإرهابيين على جماعة تقاتل جنودًا يحتلون أرضها، وفي وقت أحرقت فيه الطائرات الإسرائيلية أرض لبنان ودمرت محطات الكهرباء فيه وقتلت من قتلت من اللبنانيين، كل هذا لا يحتاج إلى منطق لإسكاته سوى الحجارة على رأس جوسبان، فلعلها تعيده إلى صوابه فكيف نتبرع نحن أصحاب الحق الضائع بتقديم اعتذار المسؤول أخطأ هو ابتداء؟!.

أجهزة أمن السلطة اعتقلت أكثر من خمسين طالبًا من جامعة بيرزيت على خلفية رجم جوسبان بالحجارة، كما ظهرت أصوات من داخل السلطة تطالب بفصل هؤلاء الطلبة فصلًا نهائيًا، فهل هذا من أجل عيون جوسبان أم هو تزلف للإرهابيين الحقيقيين في تل أبيب ومع ذلك فالإسرائيليون قرروا الهروب من جنوب لبنان، حتى لو لم يتم توقيع اتفاق مع الحكومة اللبنانية بهذا الشأن ولعل هذه الحالة هي النقطة الساطعة الوحيدة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني منذ حرب أكتوبر.

ويبدو أن السلطة الفلسطينية تريد من العرب الآخرين الاقتداء بنهجها الانبطاحي الذي لم يثبت نجاحًا حتى هذه الساعة فرد فعلها على ما حدث في جامعة بيرزيت مؤشر جديد على حالة الانهيار التي أصابت الموقف الفلسطيني السلطوي وهي لم تفهم أن الإشارة التي أراد جوسبان إرسالها من وراء تصريحه كانت لتعلق الإسرائيليين ومن ورائهم اللوبي اليهودي الفرنسي فجوسيان عيونه الآن على قصر الإليزيه بعد أن فاز حزبه الاشتراكي على الديجوليين في البرلمان.

 إحدى الدلالات الأخرى التي حملتها أزمة جوسبان تشير إلى استهتار الأحزاب الغربية عمومًا بقوة العرب والمسلمين في الغرب على الرغم من أنهم يتفوقون على اليهود الغربيين من حيث العدد لكنهم كما يبدو غثاء كغثاء السيل!

 قليل من الانسجام مع النفس ومع التاريخ ومع الشعب أيتها السلطة الفلسطينية، فلا مثل هذه الاعتذارات تعيد القدس وبقية الأراضي الفلسطينية، ولا هي تمنع الإسرائيليين من فرض حقائقهم علينا، لكن «القوى الظلامية» في الجامعات الفلسطينية هي التي ستنير الدرب الفلسطيني الذي هو اليوم وفي ظل السلطة الفلسطينية الأشد ظلمة منذ بداية الصراع وهذه القوى لها من التجارب السابقة ومن التاريخ ما لا يستطيع أي عاقل نفيه.

الرابط المختصر :