; المجتمع الثقافي (1379) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1379)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

مشاهدات 65

نشر في العدد 1379

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

المثقف الإسلامي والقدوة الحسنة

يفترض بسعة الاطلاع ونهم المطالعة إلى حد الإشباع أن ينتجا وعيًا ونضجًا وسلوكًا متميزًا لدى المثقف الذي يطل على الأمة بجمال الأداء وقوة بيان تستحق الإصغاء، فينشدها لسانه ويستقطبها بنانه، وهي تنتظر منه الكثير من العطاء والأعمال المجسدة لمنظومة القيم والأخلاق والخصال الأصيلة والسلوك المتزن والمختزن لكل ثمار العطاء الثقافي والمعرفي، وإلا فمسئولية المثقف خطيرة حينما ينظر للآخرين وينسى نفسه ويدعو للخير ويجانبه، ذلك أن تأثير المثقف على مجتمعه كبير وخطير في السلب والإيجاب؛ لأن المثقفين يمثلون نبض الأمة ومحرك عملية وعيها وبوصلة رشدها وتقدمها. ومن هنا فحين تضطرب إيقاعات هذا النبض سوف تترك بصماتها على حركة الأمة وعلى مجمل أنشطتها بشكل ملحوظ.

صحيح أن الشهرة بعض إفرازات الثقافة، ولكن لهذه الشهرة التي ينالها المثقف ضرائب واستحقاقات فهي بقدر ما تعطي لصاحبها من الامتيازات تعرضه لسهام النقد ورماح المساءلة، وبالتالي فإن احترام ثقافة المثقفين هي بالضرورة احترام للمثقف نفسه، لكنها في الوقت ذاته تسلط عليه الأضواء الكاشفة وتكبر حجم أخطائه فتحاصره الرقابة المركزة وتطالبه بالأفضل والأكمل والأجمل من السلوك والممارسات.

ومن هنا، فالثقافة قيد على المثقف وعقال له من الوقوع في المزالق والأخطاء ومواطن الإغواء ذلك أن الجمهور حين يهب المثقف كل هذا الاحترام والاهتمام يطالبه أيضًا بتجسيد مخزونه المعرفي إلى ممارسات يومية، وإلا فليس هناك من ضمانات لديمومة التكريم واستمرارية التواصل الإيجابي مع مثقف لا يحترم ثقافته، ولا يصير منها فعلًا ملموسًا، بل هناك هواجس حقيقية من عدوى التأثر بالمثقف سيئ السلوك الذي قد يتحول إلى سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

ولنتأمل في هذا السياق مسؤولية المثقف الإسلامي نتيجة اتصافه بالثقافة أولًا والإسلامية ثانيًا.

وكما تتوقع الأمة من المثقف العطاء فهي تنظر للإسلامي نظرة تجلة واحتفاء باعتباره وريثًا للأنبياء، مجسدًا لتعاليمهم الخيرة وقيمهم الفضلى، ولذلك تنتظر منه الكثير الكثير.

وهي حينما تمنحه مثل هذه الثقة الكبرى، وتهبه المودة والحب والتقدير، تتوقع منه أن يهبها النصيحة والوعي والترشيد، ويمنحها الكلمة الطيبة والسلوك المثالي المتألق.

وعندها تتوثق عرى الارتباط بين الأمة والمثقفين الإسلاميين فتستمع إليهم بشوق وتصغي لهم باهتمام واحترام، وكلها أمل أن يلون الإسلاميون الحياة بلون القيم والأخلاق عبر أنماط سلوكية موحية تتراءى من خلالها شفافية الإسلام ورحمته ومنظومة قيمه وأخلاقه السامية بكل ما تضم من معاني الأريحية والإيثار والخير العميم.

هذا هو عين ما تتوقعه الأمة من المثقف الإسلامي بالذات، وعندها تتحقق عملية تغيير الاجتماعي باتجاه الإسلام من خلال وضوح المصداقية التي تترجمها النخبة الصالحة الواعية.

واضح أن تأثير المثقف الإسلامي على الأمة من خلال استقامة السلوك وحسن الخلق وطيبة المعاملة، أقوى من كل وسائل التبليغ والإعلام، وأن مجرد التفنن في الكتابة والبلاغة في الخطابة لا يعدو أن يكون عملية وصف لألفاظ ومصطلحات منتقاة قد تعجب القارئ والمستمع، ولكنها أعجز ما تكون عن اختراق الحجب وملامسة شغاف القلوب المتعطشة لا إلى معسول الكلام، وإنما هي تواقة لاستيعاب الكلمة الطيبة المنسجمة الإيقاع مع السلوك الرصين والفعل الوزين والممارسات المعبرة عن صدق التوجه وإخلاص النوايا التي سيظل تأثيرها على الآخرين فريدًا متميزًا وفعالًا.

د. خضير جعفر

 

اللغة.. وسيلة لتوسيع دائرة الدعوة في إفريقيا

إن طبيعة الدعوة الإسلامية في قارة إفريقيا تستحق الاهتمام من أجل توسيع دائرة الدعوة.

جهود مباركة، طالما بذلها علماء الدول الإسلامية والعربية وحكوماتها في سبيل نشر هذا الدين الحنيف، حيث فتحوا أبواب الالتحاق بالجامعات الإسلامية لأبناء القارة الإفريقية وسمحوا لهم بالدراسة في تخصصات مختلفة، وإن كان معظمها غير خارج عن قالب العلوم المتعلقة بالدين الإسلامي تعلقًا مباشرًا، وبعد مرور حقبة من الزمن، رأينا ثمارًا يانعة لهذه العلوم التي تلقاها أبناء هذه القارة.

ما زالت عجلة الدعوة تدفع إلى الأمام بأساليب مختلفة، والحمد لله. ولكن هناك أمر كلما أتذكره أتعب فكري وهو عدم محاولة توسيع دائرة هذه الدعوة النقية، حيث كانت هذه الدعوة وما تزال قاصرة على المجتمعات الإسلامية فقط.

نعم ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ (إبراهيم: ٤)، هذه الآية تفيد إمكان دعوة قوم ليس بينهم وبين الداعية لسان مشترك يمكن عن طريقه التفاهم، ولكن عندما نأتي إلى الحديث عن أمة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن الأمر ينحو منحى آخر، ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة، وعليه وصفت أمته بالخيرية في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (آل عمران: ۱۱۰) فيجب تقديرًا لمضمون هذه الآية أن يكون دعاة هذه الأمة عالميين، بمعنى ألا تكون دعوتهم مقصورة على قبيلة دون قبيلة، أو قوم دون قوم.

إن دور الدعوة في أوساط المجتمعات الإسلامية في القارة الإفريقية قد انتهى أو يكاد، بل إن الدعوة في أوساط المسلمين ينبغي ألا تسمى دعوة وإنما هي تعليم المسلمين وتثقيفهم؛ لأن الدعوة لها مرحلتان، وأولى هاتين المرحلتين هي تعريف الإسلام لإنسان غير مسلم.

المرحلة الثانية: هي عبارة عن التزكية والتعليم، وهذه المرحلة الثانية هي التي نص عليها القرآن، حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّينۦ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ (الجمعة: ٢)، فالتزكية والتعليم مرحلة ثانية للدعوة، وهي بالتالي أقل صعوبة من المرحلة الأولى؛ لأن المرحلة الأولى تتطلب مجهودًا كبيرًا وأسلوبًا متميزًا لإقناع هذا الإنسان الذي يسمع عن الإسلام لأول مرة.

إن دعاة هذه القارة قد قدموا الكثير من المرحلة الثانية وما زالوا يواصلون فيها، بينما يجب ألا نغفل أهمية المرحلة الأولى التي هي دعوة غير المسلمين، فهذه هي نقطة انطلاقنا في هذه المسألة، ولكي يقوم الداعية بعمله الدعوي على الوجه الأكمل ينبغي أن يوسع دائرة عمله الدعوي. وهذا بالطبع لا يأتي أبدًا ما لم يدرك الداعية متطلبات هذا التوسيع، والتي من أبرزها اللغة، أقول «اللغة» لأنها هي التي أقعدت كثيرًا من دعاة هذه الأمة؛ ذلك لأن القارة الإفريقية يقطن بها قبائل مختلفة، كل قبيلة لها لغتها الخاصة، فمن هنا يصعب على الداعية في كثير من هذه البلدان أن يوسع نطاق أعماله الدعوية، إلا أن هناك ما يمكن اتخاذه كوسيلة لتسهيل هذه الصعوبة، وخاصة بالنسبة للدول الإفريقية التي تعتمد في أغلب الأحيان اللغة الإنجليزية أو الفرنسية في عملية التفاهم بين المجتمعات المختلفة على أنهما لغتان رسميتان في هذه البلدان. وهما اللغتان اللتان انتشرت بهما الدعوة النصرانية وما صاحبها من الأفكار الغربية الهدامة بغرض محو الآثار والمعالم الإسلامية التي رسخت أقدامها أحقابًا في هذه القارة، لكن يمكن للداعية استعمال هاتين اللغتين لمكافحة تحديات الدعوة النصرانية، فالداعية الذي يستطيع أن يحمل رسالة هذا الدين إلى مستحقيها، هو ذلك الداعية ثنائي اللغة الذي يتقن اللغة العربية كأداة ووسيلة لفهم الكتاب والسنة، ثم يأتي دور اختيار لغة سائدة في هذه البيئة يقوم الداعية بدراستها وتعلمها وإتقانها.

وحتى عندما توجد لغة محلية مشتركة بين أبناء بلد واحد، فإنها لا تبلغ ولا تضاهي الدرجة التي بلغتها هاتان اللغتان، اللهم إلا الدول الإفريقية الناطقة بالعربية باعتبارها اللغة الرسمية، أمثال دول شمال إفريقيا، وبعضًا من الدول الإفريقية الشرقية التي تعتمد رسميًّا على اللغة السواحلية، أما إذا قصرنا حديثنا على الدول الإفريقية غير العربية أو المتحدثة بالسواحلية، فإن هاتين اللغتين تعتمدهما الحكومات في جميع إداراتها، وهما أداتا التعليم في كل مدارسها، وبمعرفتهما يمتاز المثقف عن غيره.

ولا يعني كل هذا، أن اللغات الإفريقية لا تكتب ولا تدرس، بل منها ما هي مكتوبة تدرس في المدارس بجانب اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، إلا أن اللغتين المفروضتين على هذه القارة هما السائدتان على بقية اللغات، وبهما استطاعت الدعوة النصرانية أن تغرس عقائدها المنحرفة في كل بلدان إفريقيا.

محمود يونس بنسي

 

تلا آية.. وانطلق

شعر: د. سعيد شوارب«*»

«*» أستاذ بكلية التربية الأساسية- جامعة الكويت.

سماء جروزني، غضب

وأيامها مثل قلبك.. موارة باللهب

ووحدك تثأر للكبرياء

بدنيا مشاعرها من خشب

سواء عليك انتصرت.. انكسرت

فقد أشرب الوحل كل الطغاة

وإن لفقوا كل يوم سبب

كأنك برق يشق الزمان

لنفهم كيف انقضاض الشهب

وأن السلام الهزيل المهان

سبيل الشعوب لذل الحقب

فتبت يدا كل قلب جبان

وتبت يدا كل باغ.. وتب

***

أناديك يا سيد الواعظين

أناديك

زم الشفاه الأبية

في صمتها ضجة من عتب

يحملق في اللامكان، كأن الزمان

انثقب

ومن كوة في جدار الزمان

رأى عالمًا يشرئب

على جبهة الدهر كانت خيول أمية

تصهل في كل واد!

أجل.. كان ما كان

كان «الحسين» وكان «زياد»

ولكن..

خيول «أمية» ترفع في كل أفق منارة

وتبني على كل أرض حضارة

وترتفع «الله أكبر» في كل ناد

وترتفع «الله أكبر» قبل الجياد

فهل كل ذلك أصبح أسطورة لا تعاد؟

كأن الزمان استحال

وأدمن ذل النهار.. وقهر الرجال

نراد على عرضنا دون إذن

وكل البطولات زيف

وكل القصائد تزني

نراد على «القدس» قهرًا

«سراييفو»، قهرًا

وقدمًا «بغرناط» قهرًا

وقهرًا «جروزني»

لتسرح فينا الدبب

تزند في مقلتيه الغضب

***

تفحصني برهة في أسايا

وأقسم: قد تستحيل الحياة شظايا..

ركامًا.. بقايا!

ولكن «شيشانيا» لن تبيد

ولو كنت وحدك ترفع «الله أكبر» فوق

الجباه، وفوق الحياة، فشيشانيا لن

تبيد

ولا أي «شيشانيًّا» قد تبيد

ولو أطفاوا كل عرس

ولو أحرقوا كل غرس

وجاءوا بنيران روم وفرس

وقام على كل حبة رمل شهيد

قضى الله أن يجعل الحق في الأرض معنى أبيد

تأمل.. فتحت الحطام مخاض جديد

ومن قال إن الولادة شأن يسير؟

ولكنها الألم العبقري يعانق أحلام

كون كبير

فلولا الولادة يستوطن الجدب قصر

الغني وكوخ الفقير

أجل.. لحظة الحب والموت مثل

الولادة، لا تستعاد!

وما الموت في الدين والأرض إلا الولادة

فقم يولد الآن تحت حطام المآذن فجر

مثير

وهز إليك بجذع الحقيقة، يلقف من الروع سحر مبين

ويقطع من الكفر حبل الوتين

﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

ومثل الفلق

تلا آية.. وانطلق..

 

يمثلون ۲% في العالم العربي.. وعددهم في مصر وحدها مليونان

أول ترجمة «إشارية» لمعاني القرآن الكريم للصم والبكم

• د. إسماعيل الدفتار: لا بد أن يكون المترجم إلى لغة الإشارة مسلمًا أمينًا خبيرًا بلغة القرآن وما يترجم من الإشارات

• د. عبد العظيم المطعني: علينا أن نجتهد في تقريب المعاني بلغة الإشارة بما يتلاءم مع المستوى التكليفي لهؤلاء

• د. محمد أبو ليلة: هذه الفئات الخاصة لم ينسها النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة.. والإشارة لغة عالمية معروفة

القاهرة: محمود خليل

عالم الصم والبكم، وذوي الحاجات الخاصة، عالم قائم بذاته، يحتاج في فهمه والتعامل معه إلى مهارات خاصة، واجتياز جدران الصمت والسكون المضروب حول هذه الفئات في عالم تخترق وسائل التعليم وأدوات المعرفة فيه كل شيء يجعلنا نضع اهتمامات هذه الفئات في موضعها الصحيح بما تمثله من حق لها على هذا المجتمع.. خاصة حق دعوتها إلى دين الله عز وجل، وتعريفها بكتابه جل وعلا.. القرآن الكريم.

ولعله من أهم وسائل تكيف هذه الفئات مع المجتمع، هو إدماجها في النسيج المجتمعي، بفك إشكال التفاهم والتجاوب بينهما، والعمل الجاد على تكوين لغة مشتركة بما تحمله من رموز وإشارات «وشفرات» تساعد على تغيير نظرة هذه الفئات إلى أنفسها، ونظرة المجتمع وفهمه لها؛ ذلك لأن لغة التفاهم هي أهم عوائق الصم والبكم.. إضافة إلى أن هذه الفئة تمتاز بالصلابة والانقباض وعدم النضج المجتمعي.

وإذا كنا نهتم بتأهيل «العجزة» اهتمامًا كبيرًا، فليس أقل من أن نقوم بواجبنا حيال هذه الفئات التي تقول الإحصاءات: إنها قد بلغت مليونين على مستوى مصر فقط، لا يسمعون ولا يتكلمون.. إضافة إلى أن عدد الصم والبكم في العالم العربي قد وصل إلى ٢% من نسبة المجتمع.

لذا، فإن الاهتمام بهذه الفئات قد أصبح مطلبًا اجتماعيًّا شديد الأهمية، خاصة في ظل وسائل الإعلام والتواصل الجماهيري الحديثة والمتطورة دائمًا.

وفي تجربة، هي الأولى من نوعها، بدأت القناة التعليمية المصرية - ضمن القنوات المتخصصة- تجربة فريدة في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى إشارات ورموز، يتسنى معها للصم والبكم فهم هذه المعاني، ومن ثم فهم أمور دينهم، ومقتضيات إسلامهم.

شروط الترجمة إلى لغة الإشارة

ولأن هذه التجربة جديدة ومثيرة، كان لا بد من تأصيلها شرعًا.. حيث يقول الدكتور إسماعيل الدفتار الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: هذه التجربة مفيدة ومهمة وتمثل خطوة متطورة على طريق الدعوة، شريطة أن يكون هذا المترجم إلى لغة الإشارة مسلمًا أمينًا خبيرًا بلغة القرآن الكريم وما يترجم من الإشارات، ومن المتداول عند العلماء أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لكن هناك بعض الكلمات والعبارات التي يصعب جدًّا ترجمتها إلى لغة الإشارة، وهنا نكتفي بالمعنى الذي يصور المضمون الإجمالي.. وليت هذا الأسلوب -الترجمة الإشارية- يتبع فيما يخص بقية علوم الإسلام من فقه وحديث ونحوه.

كذلك يرى د. عبد العظيم المطعني -الأستاذ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر والداعية المعروف- أن الكلمات ما هي إلا رموز للأشياء والأمور التي حولنا، وأن كل مخلوق في الكون له لغته التي يفهمها ويتفاهم بها، وهذا موجود، حتى في غير الكائن البشري.. لكن علينا أن ندرك أن عنصر «التكليف» عند الصم والبكم.. وذوي الحاجات الخاصة، فيه نقص بالنسبة لغيرهم من المكلفين، ومن ثم في موجب إصدار الحكم عليهم... ﴿وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ (النور: ٦١)، لكن إذا استطعنا أن نتوسع في المسألة، بحيث نستطيع أن نكون لهم بيئة من الرموز والإشارات والإيماءات -ولهذا أهله من المختصين في التربية الفكرية- بحيث تكون في متناول العين أو الحس، بما يمكن من تجسيد وتقريب المعاني والمفاهيم، والوصول بها من الحسي إلى المعنوي.. فإننا هنا يمكننا أن نقرب لهم المعاني الكلية والمفاهيم المبسطة لكتاب الله عز وجل.. وغيره من علوم الإسلام، ولكن هناك مفاهيم يصعب جدًّا، إن لم يكن مستحيلًا أن نترجمها، مثل «الحق» «الهداية» «الصراط» «القدوس» وغيرها لما يرتبط بها من معان دلالية واسعة.. هنا كما قلت، نحتال لتقريب المعنى بما يتلاءم مع المستوى التكليفي لهؤلاء، وفي ذلك ثراء لعطاء القرآن، وتواصل للمعرفة، وأداء لواجب الدعوة.

وكل لبيب بالإشارة يفهم

أما الدكتور محمد أبو ليلة الأستاذ بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، فيرى أن هذا العمل «مبرور» لأنه يقوم بتفقد فئة منسية في الدعوة.. لم ينسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكننا هنا أن نستأنس بحديث إيمان الجارية الخرساء التي قبل النبي منها «إشارتها» إلى السماء، دلالة على إيمانها، وقال: «آمنت ورب محمد». ومن المستقر عند الفقهاء أن إشارة الأخرس تغني عن العبادة.. والذي لا يقل أهمية عن ذلك أن هذه الفئات من ذوي الحاجات الخاصة بحاجة إلى كسر جدار الكراهية وعدم التقبل بينها وبين المجتمع.. ومثل هذا العمل سيساعد الأفراد العاديين على تفهم لغة هذه الفئات ومن ثم نشأة «لغة مشتركة» تمثل مجالًا اجتماعيًّا ودعويًّا للخبرة المشتركة بيننا وبين هذه الفئات التي تحتاج منا كل العون والتقبل والمساعدة.. وقديمًا قالوا: «وكل لبيب بالإشارة يفهم». واليوم نقول: إن الإشارة لغة عالمية.

وفي مقابلة مع السيدة تهاني حلاوة المذيعة ورئيسة القناة التعليمية المتخصصة قالت: إن التعليم ليس مهمة الطبقة الخالية من العيوب، بل هو مهمة كل الطبقات لكل الطبقات.. لا سيما الطبقات التي لا يمكن الوصول إليها بالطرق التعليمية العادية، ومن هنا، فإن «التلفاز المصري» قد بدأ يلتفت بشكل واضح لهذه الفئات الخاصة، بتخصيص «برنامج إشاري» لهم، ومحاولة ترجمة معظم ما نقدمه «إشاريًّا» من خلال حركات «الإشارات» و«الشفاه» بواسطة خبراء في الترجمة للصم والبكم.. وقد لاقت هذه الجهود نجاحًا كبيرًا ورضًا جماهيريًّا واسعًا؛ لأنها تفك «العقدة» بين هؤلاء وبين مجتمعهم.. ويأتي على رأس ما تقدمه هذا العمل الجليل «الترجمة الإشارية لمعاني القرآن الكريم» الذي أقره مؤخرًا شيخ الأزهر.. وأبدى موافقته وتشجيعه لنا عليه.. ونسأل الله العون والقبول.

 

قادم من أحشاء الألم

كنت أجلس إلى مكتبي مساء بعد يوم صيفي قائظ أرتب ما تناثر من أوراق العمل، وغير بعيد مني جلس مصطفى «ب» وهو يقلب أعداد جريدة الحياة ويتصفح عناوين صفحة الرأي والأفكار في هذه الأعداد، وكنت أسارقه النظر بين الفينة والأخرى حتى وجدته أخيرًا يمعن النظر ولمدة طويلة نسبيًّا في إحدى الصفحات، ثم فجأة توجه نحوي وبيده عدد الجريدة وأشار إلى مقالة فيها وهو يقول: ما معنى هذه الجمل في هذه المقالة؟ أمعنت النظر فإذا هي مقال للدكتور هيثم مناع الناطق باسم «اللجنة العربية لحقوق الإنسان» المنشور في الحياة تحت عنوان «ما هو أقوى منا جميعًا.. إحساس بالظلم تنوء به أحشاء الألم السياسي الممنوع والخطاب السياسي الغائب والأيديولوجيا الكلية الحضور وعملية القولبة البشرية التي استهدفت مجتمعات بأكملها».

نظرت إليه مبتسمًا لأني أعرف أنه يدرك معنى هذه الكلمات، فهو أحد الذين شملهم إعصار المكابدة والتشريد، وكنت فيما سبق أنتظر الفرصة الملائمة حتى استوضح منه عن قصة اغترابه وتشريده، ولكن ظروف عمله وعملي كانت تؤجل ذلك، وها هي الفرصة لاحت لي فينبغي ألا أدعها تفلت من يدي.

رتبت الأوراق التي بين يدي وتوجهت إلى مصطفى وقلت: هات ما عندك. حدق بي وهو ساكت وكأنه لا يريد أن يقول شيئًا، ثم تنهد بعمق وقال: لا أدري من أين أبدأ حديثي، فحياتي كلها أشواك، فأنا من أسرة مستورة، ثالث أولاد أبي وأمي، وأبي يعمل في الزراعة في حقول لنا غلتها من الفستق الحلبي، بالكاد تفي بحاجاتنا الأساسية، ولا تزيد، وأخي عبد الغني كان يدرس في السنة الأخيرة من كلية الهندسة الميكانيكية، وهو محط آمال والدي ووالدتي ولا سيما وهو دائمًا الأول على أقرانه، وحياته اليومية موزعة بين كليته ودراسته، لا يدع كتبه إلا عند الصلوات المكتوبة أو الطعام أو النوم، وأختي هناء تزوجها قريب لنا يعمل مدرسًا في إحدى الثانويات القريبة من حينا.

أما أنا، فقد كنت أحضر للشهادة الثانوية القسم الأدبي، وكل همي أن أتابع دراسة الأدب العربي وأن أتخصص في مادة النحو، ثم حدث الزلزال الذي عصف باسرتنا، وكان ذلك ذات يوم عندما لم يعد أخي عبد الغني من كليته في وقته المعهود للانصراف من الدوام المسائي، حيث كان منهمكًا في مشروع التخرج فلا يعود من الكلية إلا في منتصف الليل، فبدأ القلق يساور والدتي، وأبي يهدئ من روعها وإن كانت علامات الهم والقلق بدأت ترتسم على وجهه، ولم تغمض لواحد منا عين. وقبيل صلاة الفجر قطع سكون الليل قرع عنيف على باب الدار، فخرج أبي ليفتح الباب، وتبعته والدتي، وما كاد يفتح الباب حتى امتلأ البيت بعناصر الأمن المدججين بالسلاح وهم يسألون عن عبد الغني! وبعد بحث وتفتيش أشاعوا الرعب فينا تركوا دارنا بعد أن اقتادوا والدي معهم وهم يقولون له على مسمع منا: ستبقى عندنا حتى تسلم لنا ابنك «المجرم». وبالكاد سمحوا له بارتداء ثيابه، فهمس في أذن أمي: إياك أن تتركي عبد الغني يسلم نفسه ولو مزقوا لحمي. وبعد شهر من هذا اليوم، أطلق سراح والدي بعد أن اعتقلوا أخي عبد الغني من بيت أختي الذي لم يلبث أن توفي تحت التعذيب حيث تعرض لعملية نفخ الهواء في أمعائه الغليظة في أثناء «التحقيق» معه من قبل بعض أجهزة الأمن. وهكذا انقلب بيتنا الآمن الهادئ إلى بيت حزين قلق ولا سيما أن أجهزة الأمن أدمنوا المجيء إلى بيتنا لاستجوابي مرة بعد أخرى مما اضطرني إلى ترك البلد والهجرة إلى بلد عربي، حيث صرفت النظر عن متابعة الدراسة وعملت في ورشة بناء كمساعد نجار، حيث احترفت هذه المهنة كما تعلم، وظننت أن مشكلاتي انتهت، ولكن ذلك كان إلى حين. ثم لم يلبث والدي يسيرًا أن توفي بعد أن استحكم به المرض العضال بعد أن فقد ولده البكر وهاجر ولده الثاني، ومنع من مغادرة البلد لزيارتي. قمت بعدها باستقدام والدتي للعيش معي بعد أن تزوجت ونعمت بعدها بشيء من استقرار الحياة وهدوء البال، ولكن إلى حين. ففي كل مرة يولد لنا ولد كنا نذوق الأمرين عند تسجيله في قنصلية بلدنا، وبدلًا من أن تكون القنصلية مكانًا لتسهيل أمور مواطنيها أصبحت مكانًا لإذلالهم وإضافة العقد النفسية فوق هموم الاغتراب، ما اضطرني للذهاب إلى كندا والحصول على الجنسية، ثم عادت والدتي إلى بلدها.

وبعد وصولها بأيام استدعيت إلى أحد أجهزة الأمن الذين سألوها عني، فأخبرتهم بواقع الحال دون زيادة أو نقصان، وكان مما قاله أحدهم لها: لماذا لا تقنعين ابنك مصطفى بالعودة؟ ألا تحبين أن يعود إلى بلده؟ فأجابت ببراءة وصدق: لا، لا أريده أن يعود لأنكم ستحبسونه إن عاد. وقبل أن تنصرف عائدة إلى بيت أختي قالوا لها: قولي لمصطفى: ألا يظن أن مشكلاته قد انتهت بحصوله على الجنسية الكندية. ومنذ أشهر ذهب زوج أختي إلى دائرة الهجرة في بلدنا ليستخرج تأشيرة خروج لوالدتي فأخبروه بأنها ممنوعة من المغادرة، ولم يترك وسيلة إلا اتبعها -دون جدوى- لشطب «منع المغادرة» عن اسم والدتي التي تعاني من ازدیاد نسبة السكر بسبب بعدها عن أولاد ابنها.

هذا موجز لمعاناتي، ألست أنا أحق من الدكتور هيثم مناع بأن أقول: «إني جئت من أحشاء الألم السياسي الممنوع».

طاهر الحمدو- مكة المكرمة

الرابط المختصر :