تذوقنا الفرح، وتذوقنا الحنان، وتذوقنا الحب والرعاية من والدين أحبّونا بصدق، كانا يخافان علينا إن مرضنا، ذلك الخوف الذي يكشف عن قمة حب وحنان دفينين دافئين يسكن إليهما فؤاد الأبناء، وتمتلئ جوارحهم به فخرًا ورضا وسعادة، حتى تجد الأبناء يصرخ كلٌّ منهما في وجه الآخر: إن والديّ يحبّانني أكثر منك، ويرفع الآخر صوته قائلًا: لا، بل أنا من يحبّانه أكثر منك، وهكذا يفتخر كلٌّ منهما بحب والديه له.
إخواني وأخواتي في الله، هناك كلمة أوجّهها إليكم، أو هي فكرة راودت فكري وخاطري، فإن أصبت فالحمد لله، هي من الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذه الفكرة تتعلق بهؤلاء الأيتام القاطنين في دور الرعاية الاجتماعية، فيض من مشاعر وإحساس، وآهات مجتمعة في عمق الصدور، وكلمات محتبسة في الأفواه تتمنى أن تنفجر يومًا بكلمة «أبي» أو «أمي»، وأعين تمتلئ بالدموع كلما رأت أبًا أو أمًا يحتضنان طفلهما ويسيران معًا، وقد أمسك كلٌّ منهما ابنه بيده، رعاية فائقة، وخوف كبير على الأبناء، ويتمنى اليتيم، ويتمنى، ويجلس وحيدًا في الدار يفكر ويفكر: لو كنت أنا هو، لو كان هو أبي، أو كانت هي أمي... صورة لا تنمحي، تسبب الأرق والحزن في نفس اليتيم، وتشعره بمرارة الحرمان، فيصرخ من داخله: «ما ذنبي؟!»، آهٍ لو كانت لي أم، أو كان لي أب، إني لست ضائع الدار، فإني أجد من يؤويني، وأجد من يطعمني، ولكني ضائع القلب، ضائع الفكر، مشتت الإحساس، مشتت الخاطر، لا أحد يجبر بخاطري إن شكوت، ولا من يمسح دمعي إن بكيت، ولا أحد يسألني ما أريد. أنا إنسان لي أمنيات، والمضحك المبكي أني أعلم أنها سراب، وأني لن أنال منها شيئًا، كالحلم، فمن أنا؟ ومن أكون كي أتمنى؟ الجميع ينظر إليّ بعين الرأفة، ربما أستحقها، ولكن أريد تلك الرأفة أن تُترجم إلى حقيقة، إلى تصرف، إلى من ينظر بأمري ويتخذ إجراءً لمصلحتي.
هكذا اليتيم، كلنا نيام وهو يقِظٌ منتبه، يكلم نفسه، هو يضحك من الخارج، يأكل ويلبس ويلعب، لكنه يتعذّب من الداخل ويبكي بصمت. إخواني في الله، لو حسبنا كم عائلة لدينا هنا في الكويت، وحسبنا كم يتيمًا يعيش داخل دور الرعاية، ثم لمسوا الفرق الهائل بين الأعداد، لوجدنا أنه لو اختارت كل عائلة واحدًا من الأيتام ورعته كواحد من أفراد الأسرة، لحظي كل يتيم بالرعاية.
أختي الحبيبة المؤمنة، تعيش هنا في مجتمعاتنا فئة من النساء ليست بالقليلة تشمل المطلقات والأرامل، ومن لم يسبق لهن الزواج، وبعضهن يعشن في حزن بسبب أنهن لا يعملن خارج المنزل، أو لم يُكملن دراستهن، فتجد الواحدة منهن يقتلها الملل والوحدة. فمن أجل إنهاء الوحدة والفراغ والملل هذا من جهة، ومن أجل الأجر والثواب والحصول على شهادة تؤهلك لدخول الجنة من جهة أخرى، أنصحكِ أختي المسلمة المؤمنة أن تحتضني يتيمًا أو يتيمة، أو حتى يتيمتين تبتغين وجه الله تعالى.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين»، وضم أصابعه (رواه مسلم).
صدقيني يا أختي الصغيرة، فأنتِ التي ستنشلينها من عالم الوحدة والحزن إلى عالم الحنان والرعاية والحب، وإن كانت هذه الأمومة غير حقيقية في البداية إلا أنها ستأخذ طابع الجدية في يوم ما، فتصبح العملية بينكما أخذًا وعطاءً، فأنتِ ستمنحينها الحب والرعاية والأمان، وستمنحك هي أيضًا الحب واللحظات الجميلة التي كدتِ تفقدينها إن كنتِ لم تجربي الأمومة، أو إن كنتِ قد جربتِها فستمنحك الإحساس برضا الله تعالى ومراقبته لكِ بهذا العمل الذي تقرّبتِ به إليه، وتمنحك السعادة في ابتسامة صادقة ملؤها الأمل، وتتخيلين الجنة في عينيها الصغيرتين. فأنتِ قد كفلتِ تلك اليتيمة من أجل أن ترضي الخالق، وتكوني مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجنة كما قال:
«أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما (رواه البخاري).
ما المانع إخواني وأخواتي جميعًا؟ ما المانع حقًا في احتضان يتيم؟ قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: 148).
أخي في الله، لو كتب الله لك الشهادة في معركة فقتلت، أو -لا قدر الله- سُجنت في سبيل الدعوة إلى الله سنين طوالًا، ولم يكن لك أخت أو أم أو أخ يحتضن أطفالك الصغار، هل تتمنى أن يكونوا في دار لرعاية الأيتام واللقطاء؟ أم أن يكونوا في أسرة صالحة تنشئهم على تعاليم الإسلام، ويشبّوا دعاة صالحين؟
أمامك الطريق قريب منك، فاسلكه كي تحتضن يتيمًا حُرم من قول: «أبي، أريد هذا»، أو تحقق له أمنية لا يستطيع هو تحقيقها.
أمنيات صغيرة، صغيرة، ولكنها في نظرهم لن تتحقق، وهيهات ما دام الكل ينام في سبات عميق وبعيدًا عن هؤلاء، أو يغضّ الطرف عنهم، وهم إخواننا في الإسلام والدين، الذين نشعر حقًا بأننا مسؤولون عنهم.
فاعلم، أخي المسلم، أنك برعايتك طفلًا يتيمًا تكون قد كسبت:
1- الأجر والثواب من الله تعالى، حيث إنك ابتغيت بهذا وجه الله تعالى، والقائم بأمور اليتيم كمن يجاهد في سبيل الله تعالى، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الساعي على الأرملة واليتيم كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر» (متفق عليه).
2- ستقوم أنت على تنشئة هذا اليتيم تنشئة صالحة، وتربية على المفاهيم الإسلامية وعلى أخلاق القرآن وآداب السنة المطهّرة. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "والله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (متفق عليه).
فما أدراك أن يشبّ هذا اليتيم فيصبح داعية يومًا ما، يرى المسلمون خيرًا كثيرًا على يده والإصلاح في المجتمع.
فلماذا يا إخواني في الله ويا أخواتي المؤمنات الحبيبات نترك هذه الفئة من الأيتام؟ تلك الأرواح البريئة صريعة الحزن والوحدة، ونأخذ بأنفسنا بعيدًا عنهم، وهم منا يربطنا معهم الإسلام والأخوة في الله.
إنهم بحاجة إلى أحضان، أحضان دافئة تضمهم وتحنو عليهم، وتمسح عنهم كل حزن، أحضان تخاف عليهم وتنظر إليهم لتعرف ما يريدون قبل أن يتفوهوا بما في نفوسهم، وأيادٍ حانية تمسح على رؤوسهم وتغطيهم ليلًا إن سقط الغطاء عن أجسادهم حتى يشعروا بالدفء الوفير والحنان الكبير.
لهم حق علينا، نعم هو كذلك. إننا بابتعادنا عنهم نسلّمهم للصراعات النفسية والانحرافات والعدوانية والشذوذ وقلة الإيمان في القلوب، على الرغم من أننا نستطيع محو ذلك بانتماء كل فرد منهم لأسرة منا.
ما المانع؟!
ها نحن نأتي بالكثير من الجنسيات المختلفة والأديان، وندخلهم بيننا للعمل في منازلنا، ولا نأخذ من ورائهم إلا مساعدتهم لنا في الأعمال المنزلية، فلم لا ندخل -إذن- بيننا يتيمًا مسلمًا، ونأخذ من ورائه الجنة إن شاء الله؟
أخي المسلم، أختي المسلمة، إن وجدتم صدى لكلامي هذا في نفوسكم، فلا تترددوا، فإذا عزمتم فتوكلوا على الله باحتضان يتيم، ولكن مع مراعاة الضوابط الشرعية التي لا تخفى عليكم، من عدم إلحاقه باسم الزوج أو اختلاطه بالنساء إن كان شابًا، والرضاعة منذ الطفولة تكفل له إخوة تمنع الكثير من الحرج مستقبلًا.
بارك الله فيكم، وأعانكم على فعل الخيرات، وأسأل الله أن ينفعكم بما قرأتم.