; رؤية من واقع الصراع الدائر في سورية | مجلة المجتمع

العنوان رؤية من واقع الصراع الدائر في سورية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1980

مشاهدات 82

نشر في العدد 496

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 09-سبتمبر-1980

الأخبار تترى متزاحمة من دمشق عاصمة القطر السوري الشقيق. تلك التي باتت ثورة مشتعلة مع بقية محافظات القطر في انتفاضة شاملة جامحة للتخلص من النظام الحاكم، ويلاحظ المراقبون- على الرغم من تكتم النظام الشديد- أن المعارضة اتسعت بشكل شمل الأسواق والشوارع والأحياء السكنية في مختلف مدن القطر وقراها، ويجزم هؤلاء بأنه ما مر يوم طيلة الشهر الأخير إلا وزادت فيه حوادث الانتفاضة الشعبية السورية على عشر حوادث يومية في مدينة دمشق وحدها، وقد أفاد بعض الدبلوماسيين الغربيين الخارجين من سورية لتوهم لبعض صحف أوربا أن النظام في سورية يلفظ أنفاسه الأخيرة. أما صحيفة الميدل إيست البريطانية فقد قدرت المدة الباقية للسلطة الحالية في دمشق بشهر أو شهرين ضمن تحليل سياسي اعتمد على تقارير لها من داخل سورية.

أما المسافرون القادمون من العاصمة دمشق فقد أكدوا أيضا أن نظام الإرهاب هناك ما زال يمارس أعمالًا عشوائية تدل على تخبطه الأعمى في مواجهة الأحداث. ويضرب هؤلاء أمثلة كثيرة منها ما يعلنه راديو دمشق من أحداث تشير إلى ضبط عناصر الأمن لرجال الإخوان المسلمين المسلحين وقتلهم في أوكارهم، على حد تعبير الناطق الرسمي للنظام، بينما يؤكد المسافرون القادمون من دمشق أن هؤلاء الضحايا هم من أبناء الشعب، تداهمهم سلطات الأمن في كل مرة تفشل فيها بالبحث عن المجاهدين، وتقتل من تقتل دونما تعيين، لتعلن فيما بعد أنها قتلت مجموعة من الإخوان في أحد الأوكار.

وكثيرة هي الأخبار التي تناقلها شهود العيان من المدن والقرى السورية، وتشير كثرة الأخبار وتزاحمها على هذه الشاكلة إلى شيئين أساسيين:

الأول: تصاعد المعارضة وقدرتها المسلحة المتعاظمة في مواجهة نظام الحديد والنار.

الثاني: فشل السلطات في إطفاء جذوة المعارضة كما يعلن المسؤولون في المدن السورية.

وإزاء ما يحدث في سورية لوحظ أن النظام بدأ يضرب على وترين اثنين في محاولة يائسة للتماسك ولو بشكل ظاهري هما:

١- اللعب‏ بالورقة السوفيتية في مواجهة الأنظمة العربية المجاورة التي يئست منصداقة الروس الشيوعيين للأمة العربية. وذلك محاولة لاستعطاف هذه الأنظمة، ومد يد العون للنظام قبل أن يضطر نظام دمشق لإدخال الروس إلى سورية كما حدث في أفغانستان.

2- الظهور بالمظهر الوطني القومي... الذي تعرف عامة الجماهير زيفه من مثل التظاهر بالعمل لمصلحة لبنان وحمايته وحماية الفلسطينيين من طائرات العدو اليهودي وغاراته. وكان نظام دمشق نسي أن سراياه قتلت الآلاف العديدة من اللبنانيين والفلسطينيين المسلمين في لبنان. ومن الضرب على هذا الوتر ظهور نظام دمشق الداعي إلى الوحدة. الوحدة مع ليبيا مؤخرًا. ولا نريد التعليق على هذا الظهور لأن شعب سورية قال كلمته، بعد أن كشف لعبة النظام في محاولات الوحدة مع العراق ثم مع الأردن، فالشعب يعرف كل شيء‏، وقد انتهى ما شاع فيه من الضحك على العقول.

إننا نعيش في فتنة أوجدها الإخوان المسلمون.

وإن الشعب كله يقف معنا في مواجهة الإخوان المسلمين.

ويحاول النظام بحثًا ترويج هذه الدعوات خارج سورية، إلا أن الصحافة الدولية أجمعت على أن النظام هو الذي بدأ الفتنة بممارساته السياسية والعسكرية التي لا تحتملها الإنسانية.

والمراقبون الدوليون يؤكدون أيضا أن الشعب السوري جميعًا يقف اليوم مع الطلائع الإسلامية المجاهدة في مواجهة السلطة ومحاولة إسقاطها.

إذا... أين هي الفتنة التي يدعي نظام دمشق أن الإخوان قد أشعلوها؟

لقد رد مجاهدو سورية على هذه الدعوات التي حاول النظام هناك أن يروجها لدى البعيدين عن الداخل السوري‎.. ففي قسم المحليات من العدد الحادي والعشرين من نشرة النذير الصادرة من المجاهدين يقول الشعب السوري الثائر:

أولًا: ‏إن الفتنة الكبرى والمنكر الأكبر في تعريف الفكر الإسلامي هو أو هي عدم وجود الحكم الإسلامي الذي يحكم بالعدل والقسطاس المستقيم.

وأي فتنة أكبر وأشد من أن يحكم بالظلم، وهذا ما كان واقعًا.

‏ وأي فتنة أكبر وأشد من أن يظهر الفساد في البلد ويستشري، فتفسد الأخلاق وتنحل الروابط ويبعد المجتمع عن سلوك الفضيلة ويصبح الشباب- عتاد الوطن وذخيرته- وسيلة وسلعة رخيصة يستفيد من ورائها تجار الأقلام ووسائل الفساد، وهذا ما كان واقعًا.

وأي فتنة أشد وأكبر من أن يعيش الناس يقتسمون الذل والضيم (وللذل خاصية إفساد الضمائر وتعطيل الإحساس والشعور) فالعدو جاثم على أرضهم يحتل قسمًا كبيرًا من أغلى مقدساتهم. وزعيم الدولة مع هذا كله لا زال يستقبل الوفود التي تندد باحتلال الأراضي، وكأن رفع الضيم والذل يكون بالحملات الدبلوماسية أو بالمهاترات الإذاعية، وهذا واقع كله. وأي فتنة أشد وأكبر من أن يسوس الناس أشد الناس فسادًا والسبب هو القرابة المشبوهة أو الانتماء الحزبي أو المصالح الفردية. وهذا واقع كله.ثانيا: قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ﴾ (سورة البقرة :191) فالفتنة بعد هذا كله هي ما صنعته أيديهم وعلى مدار سنوات طوال. ولما كان الساكت عن الحق شيطان أخرس، كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام. كان من الضروري أن نرد الظلم. ولما كان «مالم يتم الواجب إلا به فهو واجب،» كما في القاعدة الأصولية. كان رد الظلم بالشكل الذي كان أمرًا واجبًا.ثالثا: إننا مع كرهنا الشديد للقتل ولسيل الدماء، نذكر العالم كله بأن النظام هو الذي بدأ بالقتل والتعسف، والكل يعلم من الذي قتل الشهيد مروان حديد، والكل يعلم من الذي قتل الشهيد حسني عصفور، ومن، ومن، ومن.

 ولما كان النص المقدس: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النحل :126) واضحًا في هذا المعني، كان ردنا على المستوى نفسه. والذي بدا يتحمل النتائج وهو الذي يبوء بالإثم..

رابعا: إن إقامة الحق وإزالة الباطل لم تكن - ولن تكون في أي يوم من الأيام - عملية انتقال سلمية، فالباطل المتشبث بالأرض لن يرضى ولن يقتنع أن تقتلع جذوره من الأرض دون أن يسعى إلى تصفية الحق ورجالاته، وهذا أمر طبيعي جدًّا، بل هو الأمر المنطقي، ولا نعتقد نحن أن غير هذا يمكن أن يحدث، فالنقلة البعيدة التي ينقلها الحق لا يمكن أن تمر دون مقاومة أو عدوان من قوى الباطل وأعوانه، لهذا يجوز لصاحب الحق أن يدافع عن نفسه، ولنا في رسول الله r أسوة حسنة في هذا، فلقد مر يومًا على قريش وهم جلوس حول الكعبة- بعد أن اشتد إيذاؤهم له ولأصحابه، فخاطبهم بلهجة واضحة صريحة قائلًا: «يا معشر قريش لقد جئتكم والله بالذبح» وهكذا يكون الدفاع عن الحق وعن جنده، والحياة كلها معركة بين الحق والباطل ولا للحق أن يظهر، ونحن هنا نذكر بالحديث الشريف الذي يختصر تلك المعاني كلها:

قال r: ‏ «إلا أن رحى الإسلام دثاره، فدوروا مع الكتاب حيث دار، إلا أن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب، إلا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعمتموهم أضلوكم. قالوا يا رسول الله: كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم عليه السلام، نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصيته».

خامسا: إن الدماء التي تجري في سورية اليوم هي إحدى ثلاث:

  • إما دماء شهداء ضمن المجاهدين، فهي الثمن لتلك النقلة.
  • وإما دماء شهداء من المواطنين الأبرياء، وهذه ستكون الحافز لكل مسلم ليأخذ بثأر إخوانه المظلومين، ولينهي حكم الطاغوت الجبان الذي لا يقوى إلا على عزل من السلاح، يصرعهم برشقات غادرة في وسط الشارع أو السوق.
  • وإما دماء الطاغوت وأعوانه، وهذه دماء تطهر الأرض منهم ليقوم بعدها حكم الله على أرض طاهرة نقية كما أرادها رب السماوات والأرضين.

وختامًا:

إن ما يجري في سورية اليوم هو أصدق تعبير عن ثورة. ثورة تقتلع جذور الباطل لتقيم الحكم الإسلامي المنشود، إن ما يجري في سورية اليوم ومن الطرف المقابل. هو إرهاب وإجرام من طاغوت يتهاوى وهي صحوة الروح قبل الموت٠‏

إن ما يجري في سورية اليوم. هو الفجر الأغر يسطع في الظلمات، لينير مسار المؤمنين الصادقين. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء:18)

الرابط المختصر :