العنوان أبعاد اضطرابات عمال النفط
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1981
مشاهدات 64
نشر في العدد 538
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 11-أغسطس-1981
• جذور
المشكلة تتصل بتخطيط شركات النفط لإفساد الأوضاع الفنية في الحقول التنظيمية في
الإدارة.
• لماذا
توظيف المهندسين من غير العرب والمسلمين ومن غير ذوي الكفاءات المتطورة؟!
كان لحرب أكتوبر ۱۹۷۳ أثرٌ واضحٌ في
تغيير مجرى السياسة النفطية في أغلب الدول العربية المصدرة للبترول كنتيجة لردة
فعل الشعوب العربية تجاه التَّوَاطُؤُ الأمريكي السافر مع «إسرائيل».
ففي الكويت التي ظلت لفترة طويلة
قبل الحرب ترزح تحت سيطرة شركات النفط الأجنبية الابتزازية التي كانت تستنزف
الثروة النفطية آنذاك بشراهة، كانت الضغوط التي مارسها الشعب الكويتي على الحكومة
عن طريق مجلس الأمة في ذلك الوقت، قد آتت ثمارها بتأميم النفط سنة ١٩٧٥.
تركة ثقيلة
ومع دخول الكويت فترة ما بعد
التأميم، بدأت مشاكل القطاع النفطي تظهر على السطح على شكل إضرابات عمالية تشكو من
سوء الإدارة والتنظيم، ونرى حسب وجهة نظرنا أن هذه المشاكل تعود إلى أمرين:
أولًا: التركة الثقيلة التي خلفتها الشركات الأجنبية قبل إنهاء مدتها، والتي
كانت مرسومة وفق خطة تسعى إلى إفساد الأوضاع الفنية في الحقول من جانب والأوضاع
التنظيمية في الإدارة من جانب آخر، حيث إن هذه الشركات أقدمت على استنزاف النفط من
الحقول، وذلك بفتح الآبار دون أي اعتبار إلى الضوابط الفنية التي تحافظ على سلامة
الحقول، وهذا أدى بالتالي إلى مشاكل عديدة تواجهها الكويت في حقولها، ومنها على
سبيل المثال اختلاط الماء بالنفط في الطبقة السفلى من أحد الحقول الرئيسية،
وانخفاض الضغط في بعض الحقول الأخرى.
وأما على صعيد الإدارة والتنظيم
فقد سعت الشركات الأجنبية قبل رحيلها إلى تخفيض عدد العمال والفنيين في الحقول حتى
تقل مراقبتها وتكثر بالتالي مشاكلها، وبنظرة سريعة إلى مطالب العمال نجد أنها
تركزت على زيادة الأيدي العاملة لتخفيض واجبات العمال التي أرهقتهم واستنزفت
طاقاتهم، وهذه المطالب تعكس لنا ضعف التنظيم والإدارة في القطاع النفطي.
وخطة مفقودة
ثانيا: عدم وضع خطة حكومية تسعى إلى إيجاد كادر نقطي فني وإداري ذو
كفاءة علمية عالية، وخبرة واسعة لسد الفراغ الذي تحدثه الطاقات الأجنبية
بعد رحيلها من البلاد، فلم تعمل الحكومة على تشجيع الشباب الكويتي على
دراسة النفط بجوانبه الفنية والإدارية.
ومن المعروف أن هندسة النفط
هي أقل أنواع الهندسة إقبالا لدى الشباب الكويتي، فعدد مهندسي النفط من
الكويتيين أقل من أي عدد من المهندسين في أنواع الهندسة الرئيسية الأخرى.
كما لم تعمل الحكومة كذلك على وضع
الحوافز الأدبية والمغريات المادية لاستقطاب الشباب الكويتي ذوي الكفاءة العالية
الذين يعملون في القطاع الخاص للعمل في القطاع النفطي، وكان نتيجة ذلك حرمان
القطاع النقطي من هذه الطاقة القيادية والعلمية التي لو أفسح المجال لها لاستطاعت
الكويت التغلب على الكثير من المشاكل التي تواجهها اليوم في هذا القطاع.
وأما خريجو الثانوية الذين
تقاطروا على القطاع النفطي فلم تكن برامج التدريب التي خصصت لهم
متكاملة الجوانب، إذ ركزت هذه البرامج على الخبرة الفنية التقليدية وأهملت
الأسس العلمية والهندسية الخاصة بالصناعة النفطية، ولهذا فإن هذه الطبقة العاملة
لا تستطيع استيعاب النظريات التي تقوم عليها تشغيل الآلات والأجهزة، وبالتالي فهي
لا تستطيع الابتكار بل لا تستطيع الإتقان في العمل الذي يحفظ لهذه الآلات دقتها
وإنتاجيتها.
تدهور الكفاءة الفنية
هذان الأمران هما السببان الرئيسيان
وراء المشاكل العامة التي بدأت تظهر على سطح القطاع النفطي في هذه الأيام، أما
المشاكل الخاصة في العمل اليومي والتي كان لهذين السببين الدور الرئيسي في إبرازها
فكثيرة لا تحصى. ولعل أبرز هذه المشاكل هو تدهور الكفاءة العلمية في
هذا القطاع بشكل عام، حيث ساعدت سياسة تكويت المناصب كثيرًا في إبراز
هذه المشكلة، حيث لم تقم هذه السياسة على موازين الخبرة والكفاءة بل قامت على
الاعتبارات الاجتماعية المعروفة؛ فكان من نتيجة ذلك أن ظهرت طبقة مسؤولة لا تستطيع
فهم أصول الصناعة النفطية، كما لا تستطيع مواكبة التطورات العلمية المستمرة
والسريعة فيها، بل إن الأمر بلغ أعظم من هذا فإن بعض أفراد هذه الطبقة يجهلون
حتى المبادئ الحسابية البسيطة التي يتعلمها طالب المتوسطة ومثال على ذلك: مسؤول
أحد الحقول لا يعرف حساب مساحة الدائرة وعمليات الضرب والقسمة رغم أن عمله يتطلب
إجراء التجارب العلمية على الحقل والآبار والأجهزة وكتابة التقارير المفصلة
مرفقًا معها الإجراءات الحسابية التي اعتمدها في تجاربه، فلعدم كفاءته
العلمية اقتصر عمله على محاسبة العاملين وتتبع أخطائهم، بل إن بعض المسؤولين
يجهلون قواعد اللغة الإنجليزية والتي تعتبر لغة العمل في القطاع النفطي، فحدث من
وراء هذا الجهل كوارث وفضائح تم التستر عليها، ومثال على هذا: أحد المسؤولين
يوقع على عقد شراء محارق غاز لمراكز تجميع النفط، حيث كتب في العقد Flares Nonsmokless
(أي محارق بدون لا دخان أي بدخان) ولكنه أساء
فهم هذه القاعدة البسيطة، وظن أنها محارق بدون دخان، فإذا به يفاجأ بعد تركيبها
والدخان الأسود ينطلق منها مكونًا غيومًا سوداء في سماء البرقان.
البعض الآخر من هذه الطبقة يجهل
القواعد الهندسية التي تقوم عليها المكامن النفطية والغازية، فعندما طلبت الحكومة
في أحد الأيام رفع الإنتاج الى أعلى قدر ممكن للظروف السياسية التي تحيط بالمنطقة
آنذاك، طلب أحد المسؤولين فتح آبار طبقة وارة جميعها، ولكنه تراجع بعد ساعات من
قراره بعد نصيحة مسؤول مهندس، ولو فتحت آبار واره جميعها لتحطمت طبقة وارة في حقل
البرقان عن بكرة أبيها بعد فترة وجيزة من الإنتاج.
وكان من نتائج تدهور الكفاءة
العلمية أيضا ظهور سلبيات اتسم بها العمل اليومي كالإهمال وعدم الدقة، حتى أصبح من
المألوف أن ترى أجهزة معطلة، وأخرى مركونة في إحدى الزوايا وقد تراكمت عليها أطنان
الغبار، ولسنا نبالغ في هذا الوصف فمن يتجول في مراكز التجميع والورش والمصافي
وغيرها يرى العجب.
وعلى سبيل المثال لا
الحصر: عدادات حسابات الغاز المنتشرة في مراكز التجميع أغلبها معطلة إلا التي
يتم عن طريقها حساب الكميات الإجمالية لإنتاج الغاز الأسبوعي وحتى
هذه المجموعة من العدادات لم تسلم من الإهمال، إذ كثيرًا ما يستمر الحس في
هذه العدادات لأيام طويلة دون تصليح.
الكمبيوتر يخطئ!
أما
أجهزة الكمبيوتر المتطورة، والتي كلفت الدولة الكثير لمتابعة
إنتاجية الآبار والمشاكل المتعلقة بها حفاظًا على سلامة الحقول هذه الأجهزة
المتطورة المنتشرة في الحقول، أصبحت مصدر الأخطاء المتراكبة في حسابات النفط لا
لعدم صلاحيتها بل لعدم كفاءة من يقوم على الإشراف عليها؛ ولهذا فإن متابعة الآبار
اليوم أصبحت متعسرةً فكثيرًا ما يجد المسؤولون آبارًا مفتوحةً، وقد كتبت في
التقرير أنها مغلقة منذ شهور والعكس كذلك، وهذا الأمر غاية في الخطورة إذ أنه لو
استمر فتح بئر ينتج خليطَا من الماء والنفط لمدة طويلة فإن هذا الماء سوف يحدث صدأ
في الأنابيب والأجهزة التي يمر عليها، هذا وإن أكبر المشاكل التي تعانيها الصناعة
النفطية اليوم هو هذا الصدأ، بل إن الأمر أخطر من ذلك فإذا وصل هذا الماء إلى
أجهزة المصافي والتكرير فإنه سوف يحدث فيها أضرارًا بالغةً تكلف الدولة أموالا
طائلةً، فضلا عن أن هذه النوعية من النفط المخلوطة بالماء يقل الإقبال عليها في
السوق النفطية.
كما جرت العادة في شركات النفط
الصغيرة منها والكبيرة على القيام بدراسات تفصيلية تشمل كل بئر من آبار النفط على
حدة، بحيث تتضمن هذه الدراسة معلومات عن إنتاجية البئر، مستقبل الإنتاج منه،
المشاكل الحالية فيه وكيفية معالجتها، المشاكل المستقبلية المتوقعة، وبهذه
المعلومات تحدد كيفية الإنتاج من هذا البئر... ولسوء الحظ فان أمثال هذه
الدراسات غير متوافرة لآبار النفط في قطاعنا النفطي إلا من بعض
المعلومات الضرورية التي لا يمكن العمل دونها.
إدارة قاصرة
وإذا ما تركنا الأوضاع الفنية،
وانتقلنا إلى الأوضاع الإدارية فإن أول ما يلفت النظر بالمقارنة مع ما قبل
التأميم، أن نسبة العنصر النسائي في هذا القطاع قد تضاعفت أضعافًا كثيرةً، وأصبحت
معايير الجمال والأناقة هي موازيين التوظيف والتعيين، فليس غريبًا أن تسمع أنه قد
تم توظيف إحداهن رغم ضحالة خبرتها وتدني مستواها التعليمي، وليس بغريبٍ كذلك أن
تسمع أنه قد تم إقالة إحداهن رغم خبرتها الطويلة وكفاءتها.
أما سياسة توظيف المهندسين من غير
الكويتيين فلنا معها وقفة قصيرة، إذ حرص المسؤولون على توظيف مهندسين في سنوات ما
بعد التأميم من غير العرب وبالأخص من الهنود غير المسلمين؛ وذلك لقلة تكلفتهم وطول
خبرتهم.
وحسب وجهة نظرنا أن هذه السياسة
قد وقعت في مطبٍ كبيرٍ سوف يؤخر تقدم صناعتنا النفطية سنوات طويلة، فضلًا عن أنه
سوف يعمق المشاكل التي يعاني منها قطاعنا النفطي اليوم، وتلك للأسباب التالية:
أولا: إن هذه الفئة من
المهندسين قد تدربوا على أجهزة وأنظمة نفطية تعتبر بدائية إذا ما قيست بما تملكه
الكويت في هذه الصناعة؛ ولهذا فإننا نعتقد أن هذه الفئة سوف تستثمرنا دون أن
نستثمرها.
وثانيًا: إن هذه الفئة
من المهندسين تمثل خبرة نفطية واحدة وهي الخبرة الهندية، وكان الأولى أن
تسعى الكويت إلى تنويع خبراتها النفطية باستقطاب مهندسين من مختلف الدول
النفطية المتطورة حتى يمكن الاستفادة منهم.
حلول نطرحها
وأخيرًا نقول إن ما ذكرناه من
مشاكل داخل قطاعنا النقطي يجب أن يؤخذ مأخذ الجد والاهتمام حتى لا نجني بالدمار
على ثروتنا التي مّن الله بها علينا، ومن واقع الحرص على مصلحة بلدنا نتقدم بهذه
الحلول التي نراها طريقًا للحفاظ على مستقبل ثروتنا النفطية:
أولًا: وضع خطة متكاملة لإيجاد
كادر نفطي مؤهل؛ وذلك بتشجيع الشباب الكويتي على دراسة النفط بكافة جوانبه
الإدارية منها والفنية، وذلك بإيجاد الحوافز الأدبية والمغريات المادية لمن يعمل
في هذا القطاع.
ثانيا: العمل على تأسيس معهد
بترولي خليجي، ولمجلس التعاون الخليجي أن يتبنى هذه الفكرة، على أن يقوم هذا
المعهد بتدريب أبناء الخليج لتوفير الكفاءات الفنية العالية.
ثالثا: التعاون المحلي بين القطاع النفطي
والمؤسسات الأكاديمية لرفع الكفاءة العلمية وتوفير الدراسات الفنية اللازمة
لهذا القطاع الهام.
رابعا: الحرص على تنويع الخبرات
الأجنبية، وعدم حصرها في خبرة واحدة.
إن ما ذكرناه في هذا المقال يوضح
الحقائق الكامنة وراء إضرابات عمال النفط المتكررة في الآونة الأخيرة، وإن الوقوف
على علاج هذه المشاكل بات أمرًا ضروريًا لابد للمسؤولين في الحكومة من
النظر في جذور هذه المشكلة دون الاكتفاء بالحلول السطحية الوقتية من
وعود وعهود لا تغني ولا تسمن من جوع، وإننا أن نطرح هذا الموضوع الهام لنعلم علم
اليقين أن إضراب عمال النفط في هذا البلد يعتبر كحبل المشنقة لمن حكم عليه
بالإعدام سواء بسواء، وإن أسبوعًا واحدًا من إضراب عام لعمال النفط لكفيل بأن
يجعل الكويت قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، وحتى لا نعض على إصبع الندم عندئذ نطالب
المسؤولين اليوم بالنظر في هذه القضية بجدية وصراحة.