العنوان نحو خطاب إسلامي - سياسي
الكاتب عبدالرزاق خليفة الشايجي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1369
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 28-سبتمبر-1999
في خضم اكتساحاها المتوالية لمنافسيها في الانتخابات البرلمانية، وفي ظل انتشارها وتنامي تنظيماتها في كثير من البلدان العربية والإسلامية، فإن الحركات الإسلامية لاتزال تعيش حالة من الجدل المستمر الذي يدور بين أوساط الإسلاميين حول مدى جدوى دخولهم المعترك السياسي.
فبينما ترى القلة القليلة أنه يجب على الإسلاميين الابتعاد عن السياسة وعدم الولوج في هذا الباب والدخول في هذا المضمار، وأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال دخول الإسلاميين في اللعبة السياسية والخوض في الصراعات حول الحكم مع الأنظمة الحالية، وإضاعة الوقت في ذلك، وأنه يجب عليها التفرغ لتربية الأجيال وإعدادهم الإعداد الجيد عن طريق التصفية والتربية وليس غير ذلك -وكأن في تعليم السياسة صدود عن كل ذلك- وأن العالم الذي يوثق بعلمه، ويُؤخذ بقوله هو العالم الذي يجهل الأمور السياسية، العالم الذي يحرم فقه الواقع العالم الذي يحارب العمل الجماعي، العالم الذي... إلخ. وينسون أو يتناسون أن هذه الأجيال لابد أن يكون لها دور إيجابي تجاه أمتها من تصحيح للانحرافات وسد الثغرات.
وعلى النقيض من ذلك ترى الأكثرية أن السياسة من صميم الدين، وأنه من الأهمية بمكان ربط السياسة بمنهج وأصول السنة والجماعة، فالنبي ﷺ قد مارس العمل السياسي بصوره المختلفة، وأن الأمة ما وصلت إلى ما وصلت إليه إلا بسبب ابتعاد علماء الأمة عن تولي زمام الأمور وقيادة الشعوب.
إن على الدعاة إلى الله أن يتولوا قيادة الأمة، وأن يتصدوا للانحرافات التي عصفت بها ويقاوموا السوس الذي نخر في عظامها، ولن يتأتى ذلك إلا بالعمل السياسي والاعتقاد بأنه من صميم الدين، بل من أولى الأوليات التي يجب أن يوليها الدعاة إلى الله اهتمامهم في الوقت الراهن.
ولا شك أن هذه القلة القليلة التي تتبنى ذلك الرأي لن تستطيع بأي حال من الأحوال -بحول الله- أن توقف السيل المنهمر المتناهي، ولكن لا شك أن لها بعض التأثير في إعاقة المسيرة السياسية للحركات الإسلامية، ولعل في ذِكر بعض الآثار السلبية الناتجة عن الدعوة إلى هذا الرأي تنبيهًا لأصحابه بضرورة الرجوع عنه، والعودة إلى رشدهم، وهذه بعض تلك الآثار:
أولًا: إننا نعطي بعض الحكام الذين يحرمون قيام أحزاب سياسية على أسس دينية الصك الشرعي بصحة فتواهم، ونترك الساحة السياسية نهبًا لهؤلاء الحكام الذين
أتخذوا دين الله دولًا وعباد الله حولًا.
ثانيًا: إننا نؤكد الشبهات التي تُثار حول التيار الإسلامي بأن همه الأول وشغله الشاغل هو خنق الحريات ووأد الديمقراطيات وتحويل المواطنين إلى رعايا عن طريق تحويل صناديق الاقتراع إلى توابيت لدفن الديمقراطية، واستبدال نظام الحزب الواحد، بالنظم السائدة.
ثالثًا: إننا نساند ونؤيد -من حيث لا نشعر- نظرة العلمانيين الداعية إلى فصل السياسة عن الدين، وأن الدين ما جاء لتنظيم الحياة البشرية، وإقامة الدولة المدنية!
رابعًا: إننا نساهم في عملية تخلف الوعي السياسي لدي أبناء الأمة ونعيق التعامل مع قضايا العمل السياسي بدلًا من محاولة تنمية هذا الوعي عن طريق تأصيل بعض المفاهيم السياسية في ضوء الدراسات الشرعية المتثبتة.
خامسًا: إننا نمنح أهل الباطل فرصة ذهبية من خوض المعارك الفكرية والحركية مع التيار الإسلامي، بل ونفسح لهم المجال لصبغ الشعب بالصبغة التي يرونها وتوجيه المنهج الذي يريدون.
سادسًا: إننا نساهم بشكل مباشر بإبعاد الإسلام عن الاتصال بالناس ومعايشة مشكلاتهم الآنية والتأثير في سلوكهم الواقعي، وتنحيته جانبًا عن دفة قيادة المجتمع الإسلامي، والتأثير فيهم وتوجيه مسارهم.
سابعًا: إننا نضيّع الأرضية الجديدة التي تؤهلنا لنكون البديل الأقوى، إذ إنه كما قرر أحد الباحثين السياسيين أنه كلما أوسعت الحكومات من حيز الحريات العامة واتجهت نحو تطبيق مبادئ الحكم الديمقراطي، كان المستفيد الأول من ذلك الحركات والجماعات الإسلامية، وكلما ابتعدت عن الأخذ بالمبادئ الديمقراطية، كان المتضرر الأكبر التيار الإسلامي، فيتعرض شبابه إلى السجن والقمع والتنكيل، ومواقفه إلى التشويه الإعلامي، وممتلكاته إلى المصادرة، وحقه في عقد الاجتماعات والتنظيم والتعبير عن الرأي الآخر إلى المصادرة، فبابتعادنا -نحن الإسلاميين- عن العمل السياسي تبقي الأنظمة الحالية جاثمة على مقدرات الأمة لا نملك تجاهها إلا أن نحوقل ونسترجع.
هذه بعض الآثار السلبية المترتبة في ظني على الدعوة إلى هذا الفهم القاصر.
إن الأمة الإسلامية في حالة استعادة لهويتها الغائبة عن طريق إعادة صياغة خطابها وتأكيد انتماءها الديني والسياسي -بعودتها إلى الإسلام وتصويتها في أي انتخابات لصالح الحركات الإسلامية بعد أن انتزعته عنوة أيدي المستعمر الأوروبي أو أيدي «أدواته» التي تركها خلفه- تكون قد مهدت السبيل إلى إصلاح واقعنا المتهاوي.
لقد آن الأوان بهؤلاء القلة أن يعلموا بأن الشعوب الإسلامية قد اختارت هذا الطريق لتعيد عن طريقه صياغة خطابها الإسلامي - السياسي، ولتأخذ زمام المبادرة في قيادة الأمة ولتضع الأمة على الخط المستقيم، فهل يَعوُن هذه الحقيقة، ويلتحقون بركب القافلة، أم يبقون على ما هم عليه وليكن ما يكون؟
الرابط المختصر :