; المجتمع الثقافي (عدد 2053) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (عدد 2053)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2013

مشاهدات 82

نشر في العدد 2053

نشر في الصفحة 48

السبت 18-مايو-2013

لعل له عذرًا وأنت تلوم!

د. محمد حسان الطيان

من جميل الأخلاق التي خلقَّذنا بها الإسلام أن نلتمسَ لأخينا الأعذار فقد ورد في الأثر التمس لأخيك عُذرًا، وما هذا العنوانُ الذي اخترناه لهذه الكلمة إلا شطرٌ تناهَبَه الشعراء وضمَّنوه قصائدَهم.

ولعل أقدمهم صريع الغواني مسلم بن الوليد الأنصاري (ت ٢٠٨هـ) حيثُ يقول:

 لعلَّ له عُذرًا وأنتَ تلومُ

                       وكم لائـم قد لامَ وهـوَ مُلِيمُ 

وتبعه دعبل الخزاعي (ت ٢٤٦هـ) حيثُ يقول:

تأنَّ ولا تعجَل بلَومكَ صاحبًا

                       لعلَّ له عُذرًا وأنتَ تلومُ

ثم جاء أبو العلاء المعري (ت ٤٢٩هـ) فقال:

لكَ اللهُ لاتَذْعَر وَليًا بِغَضِبَةِ

                    لعلَّ له عُذرًا وأنتَ تلومُ 

والناظر في ك كتاب الله يقف على عشرات الآيات التي تدل على سماحة الإسلام وسَعَة صدره حتى مع الكفَّار بل مع الأعداء الذين يناصبونه العداء.

اقرأ معي إن شئتَ خِطابه للكفار في سورة الكافرون: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أعْبُدُ (الكافرون:1-3)، فمَبلغُ ما وصل إليه التباعد والتنافر معهم أن قال لهم: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلي دِين (الكافرون:6).

واقرأ معي إن شئتَ قوله في سورة «سبأ»: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (سبأ:24)، تَعجَب لهذه السماحَة التي وصلت إلى حدَّ التسوية التامَّة والحيدة التامَّة في المناظرة والمناقشة والجدَل.

أليس عَجيبًا بعد ذلك أن يَضيقَ صدرُ المؤمن بأخيه المؤمن، فيُناصبَه العداء لأدنى ملابسة وأقلَّ مخالفة في الفرعيات والفرضيات والأمور الثانوية؟ مع أن أسلافَنا علَّمونا أن الخلاف في الرأي لا يُفسد للودَّ قضية! ومع أن علماءنا ضربوا لنا أروعَ الأمثلة في التسامح والتواد والتآلف وكان رائدهم في ذلك تلك المقولة الرائعة: «لنتعاون فيما اتَّفقنا عليه وليَعذِر بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، وقد أثر عنهم في ذلك الكثير من مثل قولهم: «خُذ ما صَفا ودَع ما كَدَر»، وقول الشاعر:

 خُذ من زمانكَ ما صَفا

                   ودَعِ الذي فيه الكَدَرُ

وقول الآخر:

لعَمرُكَ ما ضاقَت بلادٌ بأَهلِها

                          ولكِنَّ أخلاقَ الرَجالِ تضيقُ

 والذي لا ينقضي منه العَجَب أن نختلفَ اليوم في أشياءَ انقضى عهدُها وطال الزمان بها، ولسنا مكلَّفين بأن نحمل تبعتها، فالله سبحانه يقول: ﴿تِلكَ أُمَةٍ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:134)، فلم نختلف اليوم في أناس كانوا قد اختلفوا، وقد أفضَوا إلى ربهم سبحانه وهو الأعلمُ بهم؟ وماذا يَفيدنا أن ننتصر الزيد منهم أو عَمرو؟ أليست ﴿كُلُّ نَفْسٍ بَمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (المدثر:38)؟

أَوَلَم يقُل ربنا سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الإسراء :١٥)؟ فلِمَ نتحملُ وزَرَ الآخرين؟

 أليست أوزارُنا ثقيلةً؟ فلمَ نزيدُها ثقلًا؟ وإذا أصرَّ نفرٌ منَّا على تحمَّل أوزار الآخرين، فلمَ نتحمَّل ذلك معهم؟

أليس الأجدر بنا أن ندعَهم وشأنَهم، وأن نصونَ أنفسَنا ونترفَّعَ عما وقَعوا فيه، وأن نُحجمَ عما تورَّطوا فيه؟ 

ورحم الله القائل في هذا: «تلك فتنةٌ عصمَ الله منها سُيوفَنا أفَلا نَعصِمُ منها أَلسِنَتَنا؟». 

ومن المؤسف حقًا ألا يقتصرَ أمرُ التنافُر والتباعُد وضيق العَطَن على المذاهب والطوائف والفئات، وإنما يعدوهم ليفرَّق بين المرء وأخيه، والصديق وصديقه، والحبَّ وحبيبه، ولو رحنا نبحث عن علَّة ذلك كلَّه لوجدناها تكمن في سوء الظن وعدم التماس العذر: 

إذا ساءَ فعلُ المَرء ساءت ظُنونُه

                           وصَدَّقَ مـا يـعـتـادُه مــن تـوَهـُّم

وعادي مُحبَّيه بقَوِل عُداته

                       وأصبحَ في لَيلِ مِنَ الشَّكُ مُظلم

 والحق أن الخاسرَ الأكبر بين الأصدقَاءَ والإخوان هو ذاك الذي لا يأخذُ نفسه بالتماس العُذر لأصدقائه وإخوانه وحسن الظنَّ بهم؛ لأنه لا يَلبثُ حتى يفقدَهم جميعًا، ويبقي وحيدًا فريدًا لا صديق له ولا صاحب يحتمله وفاق ما قال بشار بن برد:

 إذا كنتَ في كلَّ الأمور مُعاتِبًا

              صَدِيقَكَ لِمِ خَلَقَ الَّذِي لَا تُعَاتِبُهُ

فعِشْ واحِدًا أو صِلْ أَخَاكَ فَإِنَّهُ

                  مُقارِفُ ذَنبٍ مَرَّةً ومُجَانِبُه

إذا أنتَ لم تَشِرَب مِرارًا على القَذِى

              ظَمِئتَ وأَيُّ النَّاسِ تَصفو مَشارِبُهُ

ومَن ذَا الَّذِي تُرضِي سَجَايَاهُ كُلُّهَا

                        كَفى المرءُ نبلًا أن تُعدَّ مَعايبُه 

ولا ريبَ أن أبعد الناس عن الأخوَّة والصداقة والمحبَّة والأُلفَة هو ذاك الذي تأتيه مُعتذرًا فلا يقبل لك عُذرًا، وتُقبِل عليه فيُدير عنك، وتتلطَّف له فيُغلظ لك الكلام، وتصيرُ إلى ما قال الإمام الشافعي:

ومِنَ البَليَّة أن تُحبَّ 

                       ولا يُحِبَّكَ مَن تحبهْ

ويَصُدَّ عنكَ بوَجهه

             وتُلحُ أَنتَ فَلَا تُغبَّهُ

إن مَن اعتذَر إليك محبٌّ لك سواءٌ صدق في اعتذاره أو كذب:

اقبَل مَعاذِيرَ مَن يأتيكَ مُعتَذِرًا

                    إِن بَرَّ عندَكَ فيما قال أو فَجَرا

لقد أطاعَكَ مَنِ يُرِضِيكَ ظَاهِرُهُ

                             وقد أَعزَّكَ مَن يَعصِيكَ مُستَترًا 

أيها المسلمُ وسَّع من صدرك، وحسَّن من خلقك، مُتأسيًا بخير الخلق في سيرتك، وليكن شعارك دائمًا عندما تجد في صديقك ما لا يَروق لك: لعلَّ له عُذرًا وأنتَ تلومُ.

قراءة في كتاب

سيد قطب.. رمز الشموخ في زمن الانكسار 

كان هذا عنوان كتاب للكاتب الصحفي بجريدة «الأخبار» المصرية جمال قنديل الذي صدر عن «دار المشرق العربي»، والكتاب يحتوي على سيرة ذاتية لهذا المفكر الإسلامي الذي قدم خدماته الفكرية في الأدب والدين والاجتماع والسياسة، ثم انتهى بالإعدام، وهذه أكبر خطيئة لـ «عبد الناصر»؛ فصموده في سجنه ومحنته المستمرة والمتكررة، وعدم قبوله بالمناصب، وإيمانه برسالته؛ جعله في صفوف الرجال العظماء في هذا العصر.

والكتاب يحتوي على عدة فصول تتناول نشأة قطب ودراسته الجامعية وبعثته لأمريكا، ثم انضمامه للإخوان المسلمين ويجنح المؤلف إلى علاقة قطب بثوار يوليو وحقيقة «حادث المنشية»، وذكرياته في السجن وعلاقته بالملك «فاروق»، ويكشف لأول مرة الكثير من الأسرار حول مفاوضات «عبد الناصر» مع قطب؛ حتى لا يقع تحت المقصلة، والسر وراء إعدامه، وماذا حدث ليلة الإعدام من خلال ما كتبه قطب بنفسه.

 ثم يركز الكتاب في الفصل الثالث على قطب الصحفي والأديب من خلال «معالم في الطريق» الذي كتبه بالسجن، ويشرح لنا أفكاره عن تصور الدولة الإسلامية الحديثة ونظام حكمها، ولم ينسَ المؤلف أن يسرد في كتابه ما كتب عن قطب من أبحاث وكتب ورسائل جامعية.

ويختم الكتاب بتقديم الأدلة والبراهين التي تثبت براءة سيد قطب مما نسب إليه من خلال ما نشر بالصحف، وما كشفه المؤرخون بعد زوال الحقبة الناصرية، فلا يوجد قارئ للعربية مر على سيد قطب إلا وترك فيه أثرًا لا يُمحى عبر الزمن، فالكتاب سباحة في عقل وفكر قطب بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير التي انتصرت لقطب ورفاقه، وأعادت إلى مصر مجدها وعزتها.

واحة الشعر

وأهل الشام في أول السَّيرِ

شعر: أحمد عبد الكريم الميداني

نبادرها بالعزَّ في حضرة الصَّبرِ

ولم نكُ والآلام باتت مريرة 

لقد هزَّ سيفُ الحقد منهم شعوبَنا

 وقد سكتوا عنهم لطيبِ قلوبهم 

ولم يعلموا أنَّ المجوسَ كَما هُمُ

 عداوتهم للحقَّ والخير والهدى

 يبيتون والأحقادُ ملءُ نفوسهم

 نفاقٌ وتلبسٌ وسوء خيانة

ولم يَنْأَ حرفٌ عن مقاصدِ خبثِهم

ويا بؤسَ العمائم إن بدوا

مآثمٌهم في الشَّام باتت كريهة

أقول لهم: خبتُم وخابت ظنونُكم

تفورُ الجراحُ الحمرُ ألهبَها الفدا 

فليس لهم في حاضر الشام موطئٌ

وليس لهم من بعد ذا اللؤم راحةٌ

 فرشنا نعيمَ الوُدَّ للناسِ كلَّهم

 وما قادنا للظلم عالي مكانة 

وما كان للإفسادِ فينا صبابةٌ

 كفرنا بطاغوت لهم باع نفسَه

 وألقى عهودًا خانها خلفَ ظهرِه

 فعذَّبه ربُّ الورى قبلَ موته 

وعاش تعاني من ضرام ضلوعُه

 عليه من اللعنات لم يُحصَ عدُّها 

فتبًا له دنيا وأخرى بما جنتْ

 توارى وهذا الجرو ينبح خلفه

 لعلك ترجو أن تكون لشامنا 

خسئتَ فلا عشنا، وعاش إباؤنا 

ألم تُلف يا ذا الوغـد مـنـا شبابنا 

هي الحربُ يا سفاحُ يا جرو كلبهم

 فهيهات ننسى ما فعلتَ وما جنتْ

 إذا مات في دنيا الأنام ضميرهم

 وفي دفتر التوثيق يا نَذلُ لؤمُكم

 أتينا أتينا يا ذئابَ مجوسهم

سنقتلع الشر القبيح ولا نيأس

وندفن آمال المجوس وجروهم

فأبشر أبا وحشًا دعاه غرورُه

بيوم قريب لا مرد لفجره 

فما وهنتْ فينا العزائمُ من ضرَّ

جموعَ ركون للطغاة ولا ندري

فهبَّت، وأهلُ الشَّام في أول السيرِ 

وللقيم المُثلى بأحنائهم تجري 

بلا شيم تُرجَى، ولا توبة تغري 

وللسُّنَّة الغرَّاء من سالف الدهرِ

 وأقبحُ مَا في النَفسِ بادرةُ الغدرِ

 وسودُ نوايا تطمسُ البِشرَ في الصَّدرِ

 وليس لريح اللؤم في القوم من سترِ 

صفيقَ جبينِ أو قتورًا بلا فكرِ 

وأنيابُهم فيها أحرُّ من الجمرِ

 وأرداكُمُ الدَّيَّانُ في الغيهب المزري

 وأذكتْ لظاها اليوم قاصمة الظهرِ 

ولا في الغدِ الفيَّاض بالمجدِ والنصرِ

 وهيهات ينجو مَن تَعالى علَى الذكرِ

 بأحلى مغانينا على العسر واليسرِ

 لنا في مدى الأيام أو هزة الكبرِ

 ولسنا عبيد النفسِ في عمل النكرِ

 لأعدائنا، وانحاز للحقدِ والشَّرَّ

وأدبرَ عن بيض السجايا بلا عذرِ

 وألقاه للأوجاعِ والنَّكد المُرَّ

 ومات شقيَا بالقَبائح والخُسرِ

 ومن ثِقَلِ الأوزارِ في ظلمةِ القبرِ

 أياديه من أسواء في البدو والحضرِ

 وفي بغيه قد ناء في المسلك الوعرِ

 غدًا ملكًا يا بنَ اللئيمِ مدى العصرِ!

 وقد خنتَ أنتَ الشامَ يا بذرة الشرِ

 يدوسون فوق الهام في حومة الثأرِ

 تدورُ ونيران الحروبِ مدى العمرِ

 يداك بأرضِ المجدِ والعزِ والطهرِ

 فإن انتقام الله آتٍ على إثرِ

 تسجله الأحداثُ سطرًا على سطر 

أتينا على الطغيانِ والمكرِ والكفرِ

 وبالعزمات اليوم في «جيشنا الحرِ»

فإن بلاد الشام أعتى من الصخر

إلى القتل والتدمير بالناب والظفر

فقد لاح نور النصر في الغلس المر

قراءة في كتاب «إشراقات تونسية».

رحلة البحث عن الخلاص من الاستبداد وتلمس طريق النهضة

«الإصلاح» مسار تغييري وليس ورشة ترقيع.. يتأسس على وعي ورشد وينطلق من الواقع ليعود إليه

أخطر ما يعتري الجماهير من سلبيات وثغرات فقدانها الثقة في نفسها

مالك بن نبي: عندما يتحرك رجل الفطرة ويأخذ طريقه لكي يصبح رجل حضارة فلا زاد له سوى التراب والوقت والإرادة

عبد الباقي خليفة 

كتب التونسيون كثيرًا، قبل اندلاع ثورتهم المجيدة، وسقوط الدكتاتور «بن علي»، ومن هؤلاء د. خالد الطراولي، الذي كان له العديد من المساهمات قبل وبعد الثورة، ومن ذلك كتابه «إشراقات تونسية»، الصادر عن مركز الحضارة العربية في القاهرة، والذي يقع في ٢٤٠ صفحة من القطع المتوسط.

يشير في مقدمة الكتاب، إلى أن «الحديث عن الإصلاح والمصلحين ذو شجون، ولا تخلو منه نظرية، أو برنامج، أو تصور، أو رسالة». 

ويرى الكاتب أن حديث الإصلاح أصبح عامًا، يشمل الحكام، والمعارضة، وأطياف المجتمع المختلفة والخارج، كل من منظوره وبما يحقق مصالحه.

ويؤكد أن «الإصلاح عملية ومسار تغييري وليس ورشة ترقيع»، وأنه «يتأسس على وعي ورشد ينطلق من الواقع ليعود إليه.. لا يحتمل الإسقاط ولا الانعزال والتقوقع»، وأنه «لا يمكن أن ينجح إذا لم يصحبه إطار سلمي من التعددية والحرية والديمقراطية والمصالحة الوطنية»، ويحدد ماهيات للإصلاح، منها: أنه «عملية داخلية بما تعنيه من منبت ومسار وهدف»، و«مسار متدرج ولكنه جذري لا ترقيع فيه ولا تلفيق»، ثم «حالة تكاتف ومشاركة وليس انفرادًا وعزلة».

ويصف الاستبداد المسؤول عن كل هزائمنا بأنه «اصطحب ولا يزال غفوتنا، وغفلتنا وعايش أيام السواد من أمسنا، ويسعى لاهثًا إلى مصاحبة حاضرنا، والرمي بنا في الكهوف والدهاليز المظلمة».

وتحت عنوان «من الاستبداد إلى الديمقراطية.. طريق الأشواك» يورد مقولة الكواكبي، صاحب كتاب «طبائع الاستبداد» يقول فيها: «إن الاستبداد داء أشد وطأة من الوباء، أكثر هولًا من الحريق، أعظم تخريبًا من السيل، أذل للنفوس من السؤال».

مواجهة مستمرة

وتحت عنوان «الاستبداد.. من أين نبدأ؟ وماذا نريد؟» يقول: «إن المعركة ضد الاستبداد ليست معركة لحظة، وليست معركة طرف، وليست معركة ضد فريق، ولكنها مواجهة تتجاوز اللحظة والممارسة التكتيكية وردود الأفعال، وإسقاطات التجارب القريبة والبعيدة، وهي مواجهة ضد عقلية وثقافة وسلوك استوطن العقول قبل الأيادي». 

ويشير في موضع آخر إلى أن «رواد النهضة من الطهطاوي، والأفغاني، والكواكبي وأمين، قد وضعوا الأصابع على مواقع الألم وأماكن الداء، وشخصوا المرض بعد أن عايشوا المريض، وكانت قراراتهم سوية لا رجعة فيها، «الاستبداد شر مسؤول عن بقية كل الشرور» فالاستبداد هو أصل الداء وعلاجه هو بداية الاستشفاء».

ويناقش الكاتب مقولة رشيد رضا عن «المستبد العادل»، بيد أن رشيد رضا اشترط ألا يزيد ذلك على ١٥ عامًا، بغرض إجراء إصلاحات جذرية، وفق رؤية شاملة للمرجعية الحضارية، بقطع النظر عن صحة الرؤية، أو الاتفاق أو الخلاف معها، ويشدد الكاتب على أن «الاستبداد ليس قدر مجتمعاتنا ولا حالة دائمة ومستقرة، وإن طال ليلها وكثر سدنتها وانتفخت أوداجها».

المستبد العادل

ولم يغفل الكاتب البحث في جذور الاستبداد، أو جذور البلاء الذي تعرضت له الأمة.. فتحت عنوان «المستبد العادل أو عندما يلتقي الماضي بالحاضر تحت جنح الظلام»، يحمل الكاتب على فقهاء السلطان، وممن انزلقوا إلى تبرير الاستبداد؛ «لم يكن هذا الانحراف الفقهي نحو شرعية سلطة الاستيلاء، وحكم المستبد العادل، إلا نتيجة لهشاشة الشرعيات الأولى التي اجتمع عليها الفقهاء، وهي ولاية العهد، وبيعة أهل الحل والعقد، وإذا كانت الأولى غير محسوم أمرها، ولو مثلها الصدر الأول من الإسلام في تداول السلطة بين الراشدين حيث اعتبرها عمر فتنة وقى الله المسلمين شرها، فإنها لم تكن بين الأب وأبنائه، ولكن كانت خارج الشجرة العائلية، بل إن عمر استبعد ابنه منها رغم صلاحيته لها».. ويعتقد الكاتب بأن «عدم تعيين الرسول الكريم ﷺ لخليفة من بعده، حسب الرواية السنية، يعد عنوانًا بارزًا لدنيوية الخلافة، وجعلها مفتوحة الاجتهاد المسلمين في طريقة تعيين ولاتهم، في إطار من احترام مقاصد الشريعة، وروح النصوص وأهداف الإسلام».

القابلية للاستبداد

ويستعير الكاتب من مالك بن نبي مقولته عن «القابلية للاستعمار» بالحديث عن «القابلية للاستبداد»، ولكن الشعب إذا أراد أن يتحرر، وبلغ السيل الزبى، يمكن للسيل المنهمر، أن يجرف المستبد المستعلي عليه.. وتحت عنوان «الديمقراطية التي رأيت محطة بلا عنوان»، ينقل عن قاسم أمين مقولته في وصف المواطن العربي «ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه»، وبحسرة يقول: «لعلنا نصاب بالوهن والإحباط، ونحن نرى ضياء الديمقراطية يطوي أطراف المعمورة دون بيتنا الصغير»، ويعني بلده تونس قبل الثورة.. ويضيف: «لعلنا نصاب بالارتعاش عندما نرى جماهير تخرج إلى الشارع وتبيت في العراء، إذا ما رأت تلكؤًا ينتاب مسار الديمقراطية».

الرقم الغائب

ينقل الكاتب عن مالك بن نبي، مقولته «عندما يتحرك رجل الفطرة، ويأخذ طريقه لكي يصبح رجل حضارة، فلا زاد له سوى التراب والوقت وإرادته لتلك الحياة»، ويرى الطراولي أن بداية التراجع تعود إلى تولي یزید بن معاوية السلطة و«تحويل الشوري النسبية التي عليها حال الحكم إلى «هرقلية» جديدة «نسبة إلى «هرقل» ملك الروم» تورث فيها السلطة كما يورث الثوب»، وعيش ذلك السكون، وذلك الرضا بالخروج عن أصول الإسلام وعن الشورى، أدى إلى ما وصلت إليه الأمة عند غزو التتار، كما يروي ابن كثير «قتلوا جميع ما قدروا عليه، من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الوحوش، وكان جماعة من الناس يجتمعون في الخانات ويغلقون عليهم الأبواب ففتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري المزاريب من الدماء في الأزقة، وقيل بلغ القتلى مليوني نفس، وكان الرجل يستدعى، فيذبح كما تذبح الشاة ويؤسر من يختارون من بناته».

وهكذا نرى أن حب الدنيا، وكراهية الموت، حتى ولو كان من أجل الدفاع عن مقاصد الإسلام الخمسة، حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ النسل، وحفظ المال، لا تحفظ الحياة، أي حياة كانت، ولو كانت مغموسة برغيف الذل والمهانة، فطلب الموت من أجل ذلك يوهب للأمة الحياة، بتضحية البعض، وفي غياب تلك التضحية يضيع الجميع كما حصل مع التتار القدامى، والتتار الجدد في عصرنا.. ويقول الكاتب: «إن أخطر ما يعتري الجماهير من سلبيات وثغرات هو فقدانها الثقة في نفسها، ولعل مصطلحات القابلية، والركون، والانسحاب، والتواكل، والانتظار الذي أنتجه فكر الأزمة، والتخلف والاستخفاف، خير تعبير لحالة الضعف والموت البطيء الذي يمكن أن يضرب أمة، فتخرج من التاريخ غير مأسوف عليها».

طوق نجاة

ثم يطرح الكاتب مشروعًا للمصالحة بين أطياف الأمة أطال الحديث عنه، ليخلص للحديث عن التعددية داخل المشروع الإسلامي، ويتساءل عما إذا كان «ممر «طوق» نجاة أم تكبيلًا وعرقلة»، ويرى أن العلاقة بين الأطراف الإسلامية يجب أن تحددها جملة مبادئ حددها الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه «الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم»، ومنها «الإخلاص لله والتجرد من الأهواء»، و«التحرر من التعصب للأشخاص والمذاهب والطوائف»، و«ترك الطعن والتجريح»، و«ترك المراء واللدد في الخصومة»، و«الحوار بالتي هي أحسن»، و «الاختلاف في الفروع ضرورة»، و«اتباع المنهج الوسط وترك الغلو»، و«التركيز على المحكمات، و«تجنب القطع والإنكار في الاجتهادات»، و«العلم بالمختلف والتعاون في المتفق عليه والتسامح في المختلف فيه».

وقد خصص الكاتب ما يزيد على ٢٠ صفحة من الكتاب للحديث عن المرأة الإنسان، ودورها انطلاقًا من واقع «لعل في البيعة مثالًا حيا لهذه الأبعاد مجتمعة، والتي حفظت للمرأة كيانها المستقل وفعلها السياسي المنتظر»، وانتقد الكاتب بعض الآراء المتحفظة التي أملتها البيئة وليس نصوص الشريعة حتى وإن ألبست لباسها قسرا بينما أعطاها الإسلام الكثير «أجارت أم هانئ أسيرين من أقربائها، فيجير الرسول صلى الله عليه وسلم جوارها ويقول: أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت.. كما أجار عليه الصلاة والسلام جوار زينب لزوجها وأمنه»، ولم يقل أحد: إنهن نساء لا يصلح تدخلهن في السياسة، ولا سيما زمن الحرب.

 ورغم أن الكتاب جدير بالقراءة والتمعن، ورغم أن العرض لا يغني من الدراسة، فإن الأمل يحدونا في إيصال رسالته، ونختم بما ختم به الكاتب جهده الذي يشكر عليه «لن نؤسس لفعل حضاري دائم، إذا لم تكن الانطلاقة أخلاقًا، والمنهجية أخلاقًا، والهدف أخلاقًا.. إذا أردنا أن يكون بحق عملية استنهاض الوعي واسترجاع الكرامة».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

200

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

118

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية