; صفحات من دفتر الذكريات (٢٤).. زيارة الأندلس 1949م | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٢٤).. زيارة الأندلس 1949م

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

مشاهدات 79

نشر في العدد 1126

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

محاكم التفتيش خيرت المسلمين الذين لم يستطيعوا الحرب بين القتل أو التنصير

أول مدن الأندلس التي زرناها كانت إشبيلية، وهي عاصمة الأندلس في الماضي والحاضر، وأكبر مدنها، وكانت عاصمة كبيرة في العصر الإسلامي، وما زالت تحتفظ بطابعها كمدينة عربية، والإسبانيون قد عنوا بها عناية شديدة، بحيث اعتقد انه فيما عدا مدينة فاس بالمغرب التي زرناها فيما بعد، لا تجد في العالم كله مدينة تحتفظ بالطابع العربي في مبانيها وعمارتها وشوارعها مثل مدن الأندلس التي شاهدتها، وأولها مدينة إشبيلية وأهم ما في إشبيلية المسجد الكبير، وفيه الصومعة الكبيرة التي يسمونها" الخيرالدة،"  وهي مئذنة المسجد الكبير، وقد زرناه وما زال يحتفظ بطابعه الإسلامي من الخارج ومن الداخل فيما عدا أنه في داخله وضعت بعض الحواجز الإقامة كنيسة بداخله أو كاتدرائية، ولكن ذكر لي الدكتور حافظ إبراهيم أن مظاهر الإقطاع ما زالت تشهد بها ما يتمتع به الأغنياء من ترف وما يظهر على الفقراء من بؤس وفاقة.

ولم يستطع الاشتراكيون تغيير شيء من ذلك، ولكن النظام الشيوعي الذي حكم إسبانيا قبل فرانكو كان ضد الكنيسة وضد الكاثوليكية، ولذلك كان مهتما جدا بالعناية بالآثار الإسلامية والعربية لأهداف سياحية وأيضا إزالة الطابع الكنسي من إسبانيا. وتقليل المظهر الكاثوليكي في المدن الأندلسية بقدر المستطاع، وقاموا بجهد كبير في ترميم الآثار العربية، والمحافظة على طابعها الإسلامي والعربي، فما زالت الآيات القرآنية مكتوبة على الأبواب النحاسية والمحاريب. والحوائط عليها النقوش العربية بالخط العربي الجميل، كما كان حالها في العهد الإسلامي، وما زالت المحاريب والمنابر صحيح أنهم لم يزيلوا الكنائس التي وضعها الإسبان داخل المسجد وشوهت صورته وهذا التشويه كان لصالح الآثار العربية الإسلامية، لأن السياح جميعا الذين عندهم ذوق فني في العمارة والنقوش كانوا يقارنون بين مقدار تقدم الفن الإسلامي والعبث الذي يتمثل في الفن الكاثوليكي في الكنائس التي أقحموها على المساجد لتفسد رونقها وطابعها الفني والمعماري، ويوجد أيضا في إشبيلية قصر مشهور، وهذا القصر لم يبن كما قرأنا في المنشورات في العصر الإسلامي، ولكنه بني في العصر الانتقالي الذي يسمونه عصر المداهنين (المداخرين) وهم المسلمون الذين لم يستطيعوا الهرب من إسبانيا، وأفلتوا من القتل والتعذيب، وذلك بسبب حاجة الإسبان إليهم فيها يتعلق بالمهن والتخصصات الراقية والعلمية التي كانوا يتميزون بها، وأبقوا عليهم ليستخدموهم في مشروعاتهم، وخاصة فيما يتعلق بالعمارة والتدريس في الجامعات، وما إلى ذلك من العلوم التي انتقلت بعد ذلك من إسبانيا العربية إلى أوروبا، وكانت هي بداية للنهضة الأوروبية بسبب انتقال العلوم والفنون التي برع المسلمون فيها، وكانوا أساتذتها حتى بعد أن فرضوا عليهم النصرانية إذا لم يبقوهم على قيد الحياة إلا بعد أن أعلنوا تنصرهم بصورة علنية، وإن كانوا قد أبقوا إسلامهم في قلوبهم مدة طويلة، ولذلك كانوا يسمون هذا الجيل « جيل المداهنين» أو «المداخرين أو المنافقين» الذين أظهروا المسيحية خوفا من القتل، ومن محاكم التفتيش، ولكنهم بقوا مسلمين أجيالا طوالا حتى اندثروا، وتحولت الأجيال التالية من أبنائهم وأحفادهم إلى النصرانية، بل الآن يعتبرون أكبر شعوب العالم تعصبا للكاثوليكية التي فرضت عليهم فرضا بحد السيف والتعذيب في عهد محاكم التفتيش وما زال الكثير من الأسر الإسبانية يفخرون بأنهم يحملون أسماء عربية، وطبعا حرفت كثيرا، وقد أشار لي حافظ إبراهيم إلى كثير من المحلات التي لها أسماء أصلها عربي وحرفت وطبعاً جرت عليه مصائب في الماضي، ولكن في العهد الحاضر أصبحوا يفتخرون بها ويعتزون بانتمائهم إلى البربر والعرب والمسلمين، وقال لي حافظ إبراهيم إن شاعرا من المهاجرين في إحدى دول أمريكا الجنوبية كتب قصيدة باللغة الإسبانية ذكرها لي، ولكني نسيتها، وهي تبدأ بأنني من الأصل العربي، من هؤلاء الذين ملكوا كل شيء، ثم فقدوا كل شيء. لأنهم يحبون الخمر والقيثارة والغناء والرقص، هذا هو الشاعر الذي لا يعرف الآن من عروبته الأصيلة إلا اللهو ومفاسده التي قضت على مجد العرب في الأندلس.

● قرطبة:

من إشبيلية توجهنا بالقطار إلى مدينة قرطبة الفريدة المهانة ذات الشمس الساطعة القوية، قرطبة التي كانت عاصمة الخلافة، إذ أصبحت إحدى قرى الأقاليم، بعد أن كانت عاصمة الخلافة الأموية في الأندلس، والتي تظهر عليها الآن آيات الإجلال مع معالم الحزن والأسى والبكاء والبؤس، وقريبا منها ضاحيتها الشهيرة مدينة الزهراء التي كانت مثل فرساي بالنسبة لباريس، وتضم قصور الأمراء والأثرياء. وقال فيها ابن زيدون: «إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً، وكانت مظاهر الترف فيها سببا في أنها أحرقت عدة مرات ممن يقاومون الترف والفساد، ولم يبق منها إلا ما غطاه التراب، ولاحظنا أن مصلحة الآثار تجري حفريات لكشف جدران القصور المحروقة ونقوشها، وتبذل في ذلك جهوداً وأموالاً كثيرة، ومن بين ما كشفوه القنوات التي كانت تحمل المياه من أعالي الجبال وتوصلها إلى حدائق القصور ونافورات المياه، وكذلك موقع قصر السلطان والقصور المحيطة به، أما بقية المدينة فيغطيها التراب وتنبت فوقها الأعشاب، وقد لاحظنا أن أسراب الخنازير ترعى وتمرح وقال حافظ أن هذا التراب يضم بقايا أجساد أجدادنا، وهذه الخنازير تبول عليهم بعد أن صاروا ترابا، وردد لي حافظ إبراهيم القصيدة المشهورة في رثاء الأندلس التي فيها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان

 

 

فلا يفر بطيب العيش إنسان

 

هي الأمور كما شاهدتها دول

 

 

من سره زمن ساءته أزمان

 

حتى المحاريب تشكو وهي جامدة

 

 

حتى المنابر تبكي وهي عيدان

 

 

ويصف الشاعر ما حصل عندما نكب المسلمون في الأندلس من أن المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر تبكي وهي عيدان وخاصة بعد أن تحولت كلها إلى كنائس - وصارت مآذنها تحمل الصلبان والنواقيس وهكذا أشكر لحافظ إبراهيم أنه كان حافظًا حقيقة ليس للشعر العربي فقط، وإنما للشعر الإسباني والفرنسي، في كل مناسبة كان يقرأ على هذه القصائد، وقد عثرنا على كتاب باللغة الإسبانية يتضمن ثلاث قصائد مشهورة من قصائد الشعر الأندلسي وترجمتها باللغة الإسبانية، واشتريت هذا الكتاب ولا أدري أين هو الآن، وكتاب آخر عن مأساة أبي عبد الله، آخر ملوك المسلمين الذي سلم غرناطة للمسيحيين ولم يشفع له ذلك بل وضعوا في رقبته طوقاً حديدياً ووضعوا صورته على غلاف الكتاب وفي رقبته هذا الطوق.

● المسجد الأموي الكبير:

المهم في قرطبة أهم ما هناك المسجد الكبير المسجد الأموي الشهير بقرطبة أعظم مأثر الإسلام في إسبانيا، الذي ينافس في فنه وشهرته المسجد الأموي في دمشق وبناه الخلفاء الأمويون، وهو تحفة في فن العمارة لا مثيل لها في العالم كله تزداد قيمتها وعظمتها كلما مر عليها الزمان، وما زالت المنشورات والكتب السياحية التي ينشرها الإسبان تتصدرها صورة هذا المسجد ويصفونه بأنه المسجد الكاتدرائي، لأن المسيحيين عندما استولوا عليه وأبطلوا فيه الصلاة، قد حجزوا جزءا في وسطه وأقاموا فيه كاتدرائية شوهت منظره وأصبح كل سائح يتألم مما فعله المسيحيون الذين أفسدوا هذا المسجد ونموذجه الرائع بهذه الكنيسة أو الكاتدرائية التي أقاموها في وسطه، وطبعا الاشتراكيون والشيوعيون لم يستطيعوا إزالتها، ولكن كل ما عملوه أنهم حافظوا على مباني المسجد، وعمارته شاهدة بالفن العربي الأصيل، وعندما دخلت هذا المسجد تأثرت كثيرا، لأنه ما زال بساحته الصهريج الذي يأتيه الماء من الجبال من أيام العرب للوضوء، وما زال الماء يجري ويسمع خريره كانه يشكو من انقطاع المصلين، وهو ماء نقي بارد ما زال يجري حتى الآن ويتجمع في حوض كبير يحيط به مقاعد للمتوضئين، وعندما يراه الإنسان يكاد يرى المصلين الذين كانوا يتوافدون على هذا المسجد في أيام عزه في العصور الإسلامية وقفنا نتأمل الحوض والماء يجري فيه وبالقرب منه شجرة زيتون عريقة معمرة وأشجار برتقال مزهرة، وأشار حافظ إلى مكان قال ابن رشد كان يجلس فيه ليلقى دروسه في الفلسفة، وقد سارعت بالوضوء وصليت ركعتين، وحافظ إبراهيم يحرسني خوفا من أن يأتي الإسبان ويعتدوا علي في هذا المكان.

● اليهود يفعلون ما فعله النصارى:

وفي الحقيقة بقدر ما سررنا من زيارتنا لإشبيلية، ومشاهدتنا للمهرجانات في الأسبوع المقدس هناك، لكن بعد ذلك في قرطبة كانت أيام أسى وحزن، وكنت كلما مررت على مسجد من المساجد المهدمة أو أثر من الآثار العربية وخاصة إطلال القصور التي أصبحت خرائب أو تحولت إلى دكاكين وساحات عامة، وكنت أقول في نفسي هل يمكن أن يحصل ما حصل في الأندلس في بلد عربي آخر، وكنت أفكر في ذلك الوقت في فلسطين وما حصل فيها وكانت «إسرائيل» قد استولت على الجزء الأكبر منها، وتسير في خطة تهويده كما سارت المسيحية في الأندلس، وكنت قد قرأت ما فعلوه في مسجد حسن بك في يافا ويفعلونه في المساجد الأخرى، وما يفعلونه في أمة العرب والمسلمين الذين يصرون على إبادتهم، كما أباد الكاثوليك العرب والمسلمين في إسبانيا، وتذكرت بعد ذلك بسنوات عديدة أن اليهود تعمدوا أن يجروا العرب إلى المفاوضات الذليلة في مدريد بمناسبة مرور خمسمائة عام على طرد العرب من إسبانيا.

وأن تجري عملية إبادة المسلمين في البلقان في هذا الوقت بالذات وهم يعرفون أهمية هذه المناسبة، ونحن لا نجرؤ على ذكرها.

 

الرابط المختصر :