العنوان القراءة الصحيحة للتاريخ واجبة!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
مشاهدات 69
نشر في العدد 1169
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
عزائي عظيم للذين لا يقرءون التاريخ، ودهشتي أكبر للذين لا يفقهون الحوادث، ولا يستطيعون قراءة خطاب العصر، أو يعقلون سنن الحياة وأسباب الحوادث، إنني في ساعات كثيرة أشفق على أقلام كثيرة، لأنها تكتب بتقيحات آسنة لا بمداد مضيء، وبسطحية تدعو إلى الرثاء، لا بعمق يدعو إلى الفقه والتأمل، لقد كثر الخبط العشوائي في الحوادث وفي النوازل بنية حسنة تدعو إلى التعجب من الضحالة، وبسوء نية في بعض الأحوال تدعو إلى الغثيان، تجد مثلا إنسانًا يشخص الوطنية على أنها جريمة، وآخر يقيم الحماس للإصلاح على أنه تطرف فتنة، وثالث يتربص بأصحاب الرأي والمنطق، ورابع يحذر من الإبداع، ويخوف من النبوغ، وخامس يصف الحرية بالفوضوية، والمنادين بها بالخارجين على القانون، وهلم جرًا، أترى هذا إذا فسر تاريخا كيف سيقول؟ وإذا قيم المسيرة لأية أمة ماذا سيفعل؟ وإذا بتر الأسباب عن المسببات، وتنازل عن مصالح الأمة في سبيل أهواء الأشخاص ماذا سيكون عمله؟ وإذا تلقى الخطاب التاريخي مقلوبًا، وقرأ سطوره بمنطق المنافق أو الخائف، أو الصائد في الماء العكر، كيف سيكون قلمه، أو يخط مداده، أو تسود صحيفته؟ إنها تكون بلا شك كارثة وطنية وفكرية، ونكبة من نكبات الأمة، وحادثة أليمة من حوادثها، ولكني:
تعودت مس الضر حتى ألفته
وأحوجني طول البلاء إلى الصبر
وقطعت أطماعي من الجهل آيسًا
لعلمي بصنع الله من حيث لا أدري
بعد هذا أريد أن أقف معك ولو للحظات عند كلمة التطرف، أو العمل السري في تاريخ الكفاح الوطني ضد الفساد، والظلم، والعمالة الأجنبية، أنقلك ولو قليلًا إلى حقبة من حقب الكفاح الوطني في الشرق، وأريد لك أن تلاحظ مع كمية القهر التي تقع على الأحرار في تلك الفترة، وكمية النفاق والعمالة التي كانت تصاحب الفساد وتمدحه، وتهيم به، ثم بعد ذلك خبرني عن شعورك بدون تحيز.
السلطة المحتلة تحتل البلاد وتقهرها وتأخذ خيرتها، وتقتل وتحاكم وتشرد الوطنيين في بلادهم، وتقهر كل من يطالب بإصلاح أو حرية، ثم تشتري ضعاف النفوس وترفعهم إلى أعلى المناصب، وتخلع عليهم الرتب والنياشين، وتولي الحكام والملوك وتعزلهم إذا أرادت.
وسأضرب أمثلة وأريك لقطات ومناظر، حتى يتعمق الفهم والرؤية، الجنرال اللنبي سفاح عصره، وحاقد أمته، وصليبي القرن، ومندوب بريطانيا السامي في القاهرة، يقوم بحملة قهر منقطعة النظير، ثم يذهب إلى فلسطين ويذيق أهلها الهوان، ويقتحم القدس في الحملة الصليبية الثامنة والأخيرة، وتنشر الصحف البريطانية صورته، وتنقل كلمته عند الاقتحام حيث يقول: «اليوم انتهت الحروب الصليبية»، ثم يرجع إلى مصر، ويخرج سعد زغلول ورفاقه منفيين من مصر، ويطلق يد الإجرام من مباحث، وسلطات القمع لتذيق الناس الهوان، ثم تكتب صحف القاهرة بعد أن تنشر صوره الضخمة في صدر صفحاتها، وتتهافت الأقلام القذرة في مدحه وإعلائه، تكتب أكبر مجلة أسبوعية في مصر، وهي «اللطائف المصورة» الصادرة في يوم الإثنين 9 ديسمبر عام 1918م قائلة: «من أجمل المشاهد التي شهدها سكان القاهرة، وأبهاها منظرًا، دخول فخامة الجنرال اللمبي في يوم الأحد 24 نوفمبر إلى مدينة القاهرة، عائدًا من ميدان الحرب في سورية وفلسطين، بعد أن أنهى مهمته العظيمة الشأن، وختم فعاله الباهرة التي كللت بالنصر التام، وقد هب كبار رجال الدولة وأعيان مصر، من وطنيين وأجانب لاستقبال فخامته على رصيف المحطة عند وصوله بالسلامة، وخرج الناس عن بكرة أبيهم من أهل العاصمة للاشتراك في الاستقبال بالأعلام والزينات، واحتشدوا على جانبي الطريق، ووقفوا في الشرفات وعلى السطوح والبنايات التي تطل على الطريق بالورود، وما إن توقف القطار وصافح مندوب الملك ورجال السلطة، ثم ركب «أتومبيلًا» جميلًا وسط «متوسيكلات» الحراسة والنساء تلقي عليه الورود في الطرقات وتحوم الطائرات على الموكب، ولا غرو ففخامته حامي الديار المصرية، وفاتح الديار والأمصار».
هذا والله هو ما كتبه الكتاب المنافقون العملاء، وهم أهل الفكر وأصحاب الأقلام، فماذا سيفعل الشعب المسكين والأحرار الوطنيون؟ ثم ماذا كان شأن السلطة التي تحكم مصر في ذلك الوقت؟ أكانت مع الشعب والأمة، أم كانت مع المستعمر وتأتمر بأمره، لا نتجنى على أحد، ولكن ننظر إلى خطاب سلطان مصر وملكها الذي أرسله إلى «ياور» جلالة ملك إنجلترا لنحكم على الرجل، يقول الكولونيل «دي ستريورك» إن سلطان مصر قال له «إن بريطانيا أخذتني كالبرتقالة ومصتني، ثم تريد أن ترميني، فبعد أن وقفت معها، وتسببت في كراهية المصريين وعداوتهم، وقمت بقمعهم، أصبحت أشعر أنني صفر على الشمال»، ثم يقول الكولونيل بعد كلام السلطان أصبحت أرثي له يجب أن لا نتخلى عنه لأنه موثوق به!!
ولنر منظرًا آخر للسلطان فؤاد حاكم مصر لما ذهب إليه أحد أعضاء الوفد المصري المفاوض للإنجليز طلبًا للاستقلال وهو «محمود بيك فؤاد» يطلب مساندته، قال له السلطان بالحرف الواحد: «أنتم تطلبون الاستقلال التام، والإنجليز الأمة العظيمة الكبيرة دي كيف أنها تخرج من هنا؟ «إحنا يرضينا 50% من حقنا أو حتى 45%» وكان ذلك في 17 مارس 1920م، ثم شرع الملك بجمع توقيعات الناس ضد الوفد المفاوض وضد الاستقلال، فما رأيك أيها القارئ الهُمام؟!! ثم شرع الملك والسلطة البريطانية تطلق على كل من نادى بالاستقلال أو الإصلاح كلمة «المتطرف»، ونشرت جريدة «التيمس» تحذر من المتطرفين وتقول بالحرف الواحد: «بأن لديها وثائق تثبت أن المتطرفين في مصر يحاولون قلب نظام الحكم»، ثم تبعتها وكالة «رويتر» في يناير 1920م بتقريرات وُزعت على جميع الصحف في العالم هذا نصها: «إن هناك وثائق تثبت أن قلب نظام السلطة في مصر، سيكون أول نتائج انتصار المتطرفين في مصر»، ولكنها للأسف لم تنشر أية وثيقة!! كل هذا كان يدعو إلى فقد الأعصاب عند الوطنيين المصريين، خاصة أن جريدة «التيمس» كانت تصف سعد زغلول وغيره من المصلحين بزعماء المتطرفين! ولقد كان سعد زغلول جريئًا بحق في مقابل السلطة العميلة، حيث كان يخاطب الشعب فيقول: «إن السلطان فؤاد جندي بريطاني، وإنه يجب أن يخرج مع جيوش الاحتلال، لأنه باع نفسه، ويريد أن يبيع شعبه، فكيف يكون هذا قائد أمة وحاميها وعصبها وراعي نهضتها وتطلعاتها؟».
يا خاسرًا هانت عليه نفسه
إذ باعها بالغبن من أعدائه
لو كنت تعلم قدر ما قد بعته
لفسخت ذاك البيع قبل وفائه
أو كنت كفؤًا للرشاد وللهدى
أبصرت لكن لست من أكفائه
فهل يستطيع مفكرونا اليوم القراءة الصحيحة للحوادث، حتى تنهض الأمة ويسلم الجميع، ولا نهلك أنفسنا وطاقاتنا في صراعات لا ناقة لأحد فيها ولا جمل؟ نسأل الله ذلك.