العنوان دعوهم يموتوا.. دعوهم يتفننوا في طلب الشهادة
الكاتب خالد بن سعود الحليبي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
مشاهدات 55
نشر في العدد 1430
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
لا تزال الأحداث تضطرم في أرض الإسراء مظاهرات شجاعة، واحتجاجات حادة، لم تقف عند نفاق التصريحات ولا بهلوانية التنديدات ولكنها سواعد تحمل الحجر المبارك، الذي يصحبه نور ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ﴾ (سورة الأنفال:۱۷ ) ونفوس ترمي بأرواحها في أشداق الموت وهي تهتف ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ (سورة طه:84) تطايرت هامات، وتبعثرت أشلاء عشرات الشهداء، وآلاف الجرحى والشباب الفلسطيني المؤمن يعلنها صريحة بأنه لا يزال على استعداد أن يقدم مزيدًا من التضحيات من أجل الأقصى، ولن يتخلى عنه أبدًا، لقد أصبح الشعار المتداول: «إياك أن تموت على فراشك لا تمت إلا في وابل من النيران».
لقد كان الهدف من زيارة مجرم الحرب «شارون» تركيع الفلسطينيين للرغبة المسعورة ولكن هيهات، فقد تفجرت الأرض تحت الغاصبين دمًا ونارًا، وأعلن هذا الشعب المجاهد أنه لا يزال يمتلك روح الجهاد وإن كبتت عشرات السنين وصرخوا في وجوه الغاصبين: الويل لكم أيها اليهود الجبناء، فلقد ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (سورة الحج: 39).
الله يتخذ ماشاء من شهداء، وأرض الأقصى تصبغ بدماء الشباب، فبقدر ما يحزننا احتزاز عرق مسلم في أرض من بلاد الله، فإن ما يحدث الآن في الأقصى هو الذي ينبغي أن يحدث.
إن معنى السلام أن تتلظى أرضنا نقمة إلى أن تعودا
فالركود في ظل البغي موت دنيء، لايليق بالشرفاء والرضا بالهوان ذل يتجرعه الأنذال، فاتركوهم يا أمة الإسلام يتفننوا في ظل الشهادة ما دمتم قد أسلمتموهم، وادعوا لهم بالثبات على هذا فإنها اللغة الوحيدة التي يعرفها اليهود، وكونوا خير خلف لهم على أهلهم وذويهم من خلال المؤسسات الخيرية والإغاثية الموثوقة التي في بلادكم.
نعم لقد اشتاقت نفوس المؤمنين إلى الجهاد على أرض النبوات لإنقاذ المقدسات الطاهرة من دنس اليهود، وإن صيحات التكبير في ساحات الأقصى اليوم لتدك قلوب اليهود وأذنابهم دكًا، الله أكبر من كل المؤامرات والدسائس الله أكبر من كل القوى العسكرية، الله أكبر من كل الحشود الإعلامية، الله أكبر من كل الدول الداعمة للكيان الصهيوني، ولا غالب إلا الله ولكن المنافقين لا يعلمون.
لقد هزت العالم صورة ابن الدرة -الطفل الفلسطيني وهو يقتل في حضن أبيه- وكأن الناس لايؤلمهم إلا حاضرهم، ولا يشعرون إلا بما ينظرون، وإلا فأين التاريخ اليهودي الأسود الذي جمعته ذاكرة العذاب الفلسطيني على مرور خمسين عامًا.
أين أكثر من ٣٦٠ من النساء والأطفال الذين ذبحوا كما تذبح الخراف قبل طلوع الفجر في سنة ١٩٤٨م في دير ياسين؟!
وهل تنسى ذاكرتنا نحـو 3500 مدني فلسطيني ولبناني ذُبحوا في صبرا وشاتيلا بقيادة المجرم نفسه شارون الذي بسببه تندلع هذه الأيام نيران انتفاضة الأقصى؟!
ولا تزال صورة الدماء الفائرة من أجساد عشرات المصلين في المسجد الإبراهيمي عام ١٩٩٤م بيد أحد إرهابيي اليهود تلطخ صورة الصراع المستمر، وتشعل لهيب الثأر في دماء الغيورين.
أم هل نستطيع أن ننسى ماحدث في شهر ربيع الأول قبل سبعة وعشرين عامًا حين امتدت يد الإثم والعدوان لإحراق المسجد الأقصى أولى القبلتين ومسرى خاتم الأنبياء والمرسلين -عليه الصلاة والسلام- في محاولة من اليهود للقضاء على المقدسات الإسلامية في فلسطين المحتلة؟!
إنهم اليهود وكفى.
وإن هذه المآسي الموثقة بالصور سوف يكون لها أثرها حين تجد اليد القادرة على تحويلها إلى كتب إدانة قوية تحرك بها الشارع المسلم في أنحاء المعمورة كافة وتصدم بها وجوه الدول الكبرى التي تقف وراء عملية التسوية بالظلم والغطرسة، وليس لإقرار الحقوق، وإعادة الموازين إلى نصابها، وكل همهم أن يحنوا الظهور المسلمة للقامات اليهودية في زمن الهزيمة.
يا أمة الإسلام لا تحزني لعودة الجراح إلى الهطول مرة أخرى، فإن الجرح الذي يندمل على فساد ربما قتل صاحبه، وأما الجرح الدامي فإنه يبعث صاحبه على علاجه ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 139).
ولنا أن نتساءل: ماذا تبقى من العهود والذمم بعد أن أسفرت دولة الصهاينة عن وجهها الطبيعي: أمة اللؤم والغدر وخلف العهود: لقد خانوا ربهم ونبيهم وكتابهم حتى قال تعالى: ﴿أَفَتَطمَعُونَ أَن يُؤمِنُواْ لَكُم وَقَد كَانَ فَرِيق مِّنهُم يَسمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُم يَعلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 75).
وخانوا رسول الله ﷺ في عهده معهم حين قدم المدينة، حتى طرد قسمًا منهم في حياته من جزيرة العرب وطرد عمر -رضي الله عنه- بقيتهم حتى لا يبقى دينان في جزيرة العرب.
فليس غريبًا بعد كل هذه المفاوضات التي جرت سنين طويلة أن يشن الكيان الصهيوني حربه اليوم حتى على الشرطة الفلسطينية التي اتفقت معها سلفًا، ومن علم الحقد اليهودي المعتق والجبن اليهودي المميز، فلن يذهب به العجب كثيرًا حين يرى الصواريخ والقنابل تواجه الحجارة والأيدي المفرغة من أسلحتها، وأن يضع اليهودي رأس الفلسطيني في صليب منظاره ليرديه قتيلًا وهو أعزل.
إن عودة الانتفاضة بهذه القوة رسالة قوية للعالم، ولليهود خصوصًا بأن حقوق المسلمين في فلسطين لن تضيع أبدًا، ومشاركة الأطفال فيها تعني أن الأجيال في فلسطين لن تنسى أن هؤلاء اليهود دخلاء ولا بد من طردهم اليوم أو غدًا المسألة مسألة وقت فقط، وإلا فإن الله تعالى الذي يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا﴾ (سورة الإسراء: ١٠٤) هو الذي يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 7).
وإن الأحاديث في عودة المسجد الأقصى المبارك، والصلاة فيه ستظل في خواطر المؤمنين أماني ظامئة تنتظر ساعة التحقيق على أرض الواقع مهما طال الانتظار، فإذا لم يتحقق ذلك لجيل اليوم فسيتحقق بإذن الله لجيل الغد تحقيقًا لوعد الرسول الكريم في قوله ﷺ: «عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود».
والله ناصر جنده، ومعز عباده، ولو كره المجرمون.