; المجتمع الثقافي (العدد 1222) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1222)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

مشاهدات 78

نشر في العدد 1222

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

ومضة

إعداد : مبارك عبدالله

يوم الانتخابات، يوم عصيب، الأعصاب فيه مشدودة، وضربات القلوب متسارعة، والعيون مترقبة، والنفوس مضطربة، موزعة المشاعر بين الرجاء والخوف، دائمة الانتقال لا تستقر على حال من القلق، حتى تعلن النتائج، فيفرح من يفرح، ويكظم غيظه خائب الرجاء.

 إنها صورة مصغرة عن اليوم الآخر: ﴿يَومَ يَخرُجُونَ مِنَ ٱلأَجدَاثِ سِرَاعا كَأَنَّهُم إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ خَٰشِعَةً أَبصَٰرُهُم تَرهَقُهُم ذِلَّة ذَٰلِكَ ٱليَومُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ (المعارج: ٤٣-٤٤)، مع فارق جوهري هو أن يوم الانتخابات يتكرر كل أربع أو خمس سنوات، مما يجعل الفرصة متاحة أمام عاثر الحظ في دورة سابقة، أن ينال أمنيته في دورة لاحقة.. أما يوم القيامة يوم يقولون ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ١٢)، فلا مجال لرجعة ولا وقت لتوبة ﴿كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (المؤمنون:١٠٠)... لقد فات الأوان ولات ساعة مندم.

ثم إن من دروس هذه العملية الانتخابية أن الفوز الذي يحرزه من يحرزه عن طريق التزوير والتزييف، أو شراء الذمم والأصوات، أو ممارسة الضغوط بمختلف أشكالها وألوانها، لا يعبر عن حجم أو حقيقة التأييد الشعبي بقدر ما يعبر عن فقدان الأمل بالحصول على ثقة الناخبين ودعمهم، مما يدفع المرشح أو التجمع الذي ينتمي إليه إلى استخدام الوسائل غير المشروعة، لتأمين الوصول ولو بالزور والبهتان.

 ومع ذلك فإن الانتخابات بشكل من الأشكال تعد معيارًا يقاس به المناخ الشعبي الذي يشكل قاعدة هذا المنبر أو ذاك، وعمقه البشري، حتى في حالة التزييف، فإن الأكثرية التي تخضع لسوقه ومساوماته، تشير إلى مدى تأثير دعاة الفساد، وحجم الخروقات التي يمكن أن تحدثها الزعامات الانتهازية وتستثمرها في صفوف الجماهير.

بينما يدل انحياز الأكثرية لدعاة الإصلاح على مقدار تغلغل الخير في قلوب الناس، وفاعلية البعد الأخلاقي، الذي يستعلي بهم فوق الإغراءات والمخاوف.. وبالتالي مساحة البيئة الصالحة التي رواها المؤمنون بعرقهم، ونموها وطوروها بجهودهم . 

 

واحة الشعر

شعر : جاسم الفهيد

في رثاء علامة الكويت

                           الشيخ محمد بن سليمان الجراح رحمه الله

شمس العلوم تأهبي لرواح *** قد غاب عنك محمد الجراح

فتلفتي أترين من خلف له؟! *** وذري الدموع كهاطل سحاح

علم الكويت وشيخها ومنارها *** أنس العيون وبهجة الأرواح

جمع الزهادة والتواضع والتقى *** فغدا الإمام وليس فيه تلاحي

نور العبادة شع من قسماته  *** كالتاج فوق جبينه الوضاح

تسعون عامًا بعدها خمس مضت  *** قضيتها في عزلة وصلاح

للدين عشت معلمًا ومربيًا *** فشغلت عن متع ووصل ملاح

لم تبغ من نشر العلوم رئاسة *** لكن قصدت مواهب الفتاح

وأشحت عن باب الملوك فلم تكن ***  كالراكضين بحلبة المداح

و هجرت دنيا لم تنل منها سوى   *** طيب الثناء لذكرك الفواح

فإذا نعيت الفقه فانع محمدًا *** كهف المتون وموئل الشراح([1])

يا رب معضلة تعذر حلها   ***  كنت المجيب بفكرك اللماح

وكشفت من سدف المتون غياهبًا  *** فبدت منورة كوجه صباح([2])

لهفي على ركن «السهول» معطلًا *** كسفينة أمست بلا ملاح([3])

بالأمس كان منارة وضاءة  *** تهفو إليه مطامح النزاح([4])

واليوم كفنه الظلام بصمته  *** لما توارت شمعة المصباح

من «للدليل» يبين عن أحكامه  *** ويحل مشكلها مع الإيضاح؟([5])

من «للمنار» يعيد في إفهامه *** ويجيب سؤل الدارس الملحاح؟([6])

من للنحاة إذا تضارب قولهم *** فيكون فيصلهم أبا الجراح؟

وفرائض الرحبي عال حسابها *** فغدت مغلقة بلا مفتاح([7])

و «الغاية» الكبرى تعذر دركها *** إن المنون تحول دون طماح([8])

والحنبلي من المصاب مؤرق *** كالطير مقصوصًا بغير جناح

كان النمير بمهمه مهجورة *** فمضيت ممتاحًا مع المتاح([9])

واليوم جف مع الظماء معينه *** فشربت بعد الصفو غير قراح([10])

عظمت مصيبتنا فقلتُ مُؤرخًا: *** «غاب الإمام وقايد النصاح».


 

([1]) الموئل: الملجأ.

([2]) السدفة والغيهب من أسماء الظلام.

([3]) كان الفقيد إمام مسجد السهول بضاحية عبد الله السالم، وقد اتخذ ركنًا في المسجد للتدريس.

([4]) النزاح: البعيدون جمع نازح.

([5]) كتاب «دليل الطالب» لمرعي الكرمي من الكتب التي اعتنى الفقيد بتدريسها.

([6]) كتاب (منار السبيل) لابن ضويان.

([7]) «الرحبية» منظومة في علم الفرائض «المواريث»، والعول: زيادة السهام، وهو من مصطلحات هذا العلم.

([8]) شرع الفقيد في تدريس «غاية المنتهى» لمرعي الكرمي، إلا أن الوفاة حالت دون إكمال الكتاب، والطماح: الطموح والتطلع.

([9]) النمير: الماء العذب، والمهمه الصحراء، والمتح: نزح الماء من البئر.

([10]) الماء القراح: الصافي الخالص.

النظرة إلى الرأي الآخر بين الفقهاء والمتكلمين

بقلم: جمال الدين شبيب

في تراثنا الإسلامي أقر الفقهاء بحق الاختلاف واحتمال الخطأ في الرأي، بخلاف المتكلمين الذين اتخذوا موقفًا غاية في التشدد تجاه هذه المسألة، فعمد بعضهم إلى رمي مخالفيه بالكفر والزندقة. 

ورغم توالي القرون والأزمنة، لا تزال هذه الإشكاليات تطرح نفسها بقوة في الساحة الإسلامية، وتبدو جلية في حديث جيل الصحوة على تضارب تياراته وتشكيلاته. 

وقد يبدو الأمر طبيعيًا- نوعًا ما- لكن في المحصلة الأمر يبقى مقلقًا، ويثير أكثر من إشكالية في الفكر الإسلامي والواقع المعاش، فليس الأمر مجرد إشكالية تاريخية، بل هو مرتبط بمصير هذا الجيل الحالي- جيل الصحوة- ومن خلاله مرتبط بمستقبل الصحوة وقدرتها على إقامة وقيادة البشرية في عصرنا اليوم.

وأبلغ تعبير عن هذه الإشكالية قول الإمام الفقيه محمد بن إدريس الشافعي «ت ٢٠٤هـ» مقارنًا بين أساليب المتكلمين والفقهاء في التعامل مع الرأي الآخر، مفضلاً الثانية على الأولى، قال المزني: سألت الشافعي عن مسألة من الكلام، فقال: «سلني عن شيء إذا أخطأت فيه قلت أخطأت، ولا تسألني عن شيء إذا أخطأت قلت: كفرت».

وفي موقف شبيه يقول الإمام الشافعي لصاحبه: «يا محمد، إن سألك رجل عن شيء من الكلام فلا تجبه، فإنه إن سألك عن دية، فقلت: درهمًا، قال لك: أخطأت، وإن سألك عن شيء من الكلام فزللت، قال: كفرت».

هذه الأجواء المحمومة من التكفير والتكفير المضاد اللذين كانا العملة الرائجة في أوساط أهل الكلام من المسلمين، والتهمة السائغة يرمون بها بعضهم بعضًا لمجرد اختلافهم في الرأي، أصبحنا نراهم اليوم عملة شائعة بين بعض شباب الصحوة لمجرد اختلاف مناهج العمل الحركي داخل القطر الواحد، أو ما بين قطر وآخر.

وهذا المنهج التكفيري الاستبعادي لا أراه من الإسلام في شيء، ألا نرى الله- سبحانه وتعالى- يدلنا على طريقة التعامل مع المخالفين من داخل الصف أو خارجه، من داخل الساحة الإسلامية وحتى خارج هذه الساحة،  فالدعوة تكون عن بصيرة وعلم ابتداء: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨). 

والآخر.. تجمعنا معه «الكلمة السواء»، مهما تشعبت أطر الخلاف، وتعددت موارد الاختلاف: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ (آل عمران: ٦٤)، ولا يعني هذا أي تفريط في المبدأ، بل تأكيد له ودعوة إليه: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ٦٤).

وشتان ما بين التخطئة والتكفير، إذ يقوم الثاني على «المراء في الدين»، وهو مما يزيد القلب قسوة، ويورث الضغائن، وإنما ينبثق هذا المراء من ادعاء متوهم بامتلاك الحقيقة المطلقة في أمور الدين، وبالتالي الحياة، بينما يقوم التعامل عند «الفقهاء» على الاجتهاد المعترف بالخطأ وإمكان الخطأ، فإن اختلف الفقهاء قالوا بالاجتهاد والخطأ، ولم يقولوا بالتكفير.

ومنذ انقضاء عصر الشورى بعد العقود الأولى للإسلام، ورغم وجود الفقهاء، وسعيهم لإشاعة روح الفقه المتسامحة- في أزمنتهم- التي تقبل الاختلاف في الأحكام والمواقف، وهذا مما مثل ثقلاً هامًا وبعدًا فكريًا ومعنويًا مهمًّا، ساهم كثيرًا في انتشار الإسلام، ودفع حضارته بعيدًا عن الآفاق، إلا أنه لا مفر من الاستنتاج أن ثمة انقطاعًا مأساويًا بين هذا البعد الأخلاقي المتسامح في الإسلام كما مثله الفقهاء، وبين منهج المتكلمين في التعامل مع الخلاف والاختلاف، مما قيد الفعل السياسي العربي والإسلامي قرونًا طويلة، وجعله متخلفًا عن اللحاق بركب الأسلاف الأوائل.

وهذا الموقف المتسامح جر على أصحابه المصائب والويلات عندما وقعت المواجهة بين الفقه والسياسة، فدفع الفقهاء من أجسادهم وحرياتهم ثمنًا باهظًا في سجون السياسة وتحت سياط جلاديها على مدى القرون، وظهر بوضوح تخلف السلطة السياسية، وعدم قدرتها على مواكبة مبدأ الاختلاف الذي أقر به الفقهاء.

إن مسألة الإصغاء لكلام الآخر شديدة الوطأة على العنفوان الحركي الإسلامي، كما هي شديدة الوطأة على العقل العربي الإسلامي المعاصر، ولكن لنا من نهج الفقهاء من الاعتراف بالاختلاف ودوره في إغناء المجتمع محطات زاهرة.

والاختلاف رحمة حقًا؛ لأنه يتيح تقليب وجوه النظر في مختلف جوانب المسألة، ويعكس بالتالي التجارب المتنوعة للأفراد والجماعات، ورحم الله من قال: «من لا يعرف الاختلاف لم يشم الفقه أنفه»، فهل تنفتح على الحاضر وتحدياته، ونواجه هموم المستقبل بروح أهل الفقه أم بجمود أهل الكلام؟!. 

وفاة الكاتب الإسلامي الهندي عبدالله أديار

الهند- «المجتمع» : توفي الكاتب والصحفي الإسلامي الهندي، ومؤلف الروايات المسرحية السيد عبد الله أديار بمدينة مدراس بجنوب الهند، عن عمر يناهز ٦١ عامًا في ١٩/٩/١٩٩٦م، وقد أشهر السيد أديار إسلامه عام ۱۹۸۷م، وقد عانى من مرض Brain Hemorrhage، وقد دفن في مقبرة جمعه مسجد في مدراس.

 وكان السيد أديار رئيس المجلس الإسلامي للدعوة والإرشاد بمدراس، وقد قام بتأليف عدة كتب باللغة التاميلية، والتي تحمل رسالة الإسلام للملايين ممن يتحدثون هذه اللغة في ولاية التاميل: نادو، وماليزيا، وسريلانكا، وسنغافورة، كما ترجمت بعض كتبه إلى الإنجليزية ومنها: «الإسلام الذي جذبني»، والذي يتحدث فيه عن قصه إسلامه، وقد نشر على حلقات في جريدة «نيروتام» اليومية، والتي تصدر باللغة التاميلية، وكتاب «من السجن إلى المسجد».. والذي ألفه بعد خروجه من السجن في أعقاب حالة الطوارئ «75- ١٩٧٧) في عهد أنديرا غاندي، وكتاب «فحوى الإسلام» باللغة التاميلية.

ولد السيد أديار لأب ملحد بمنطقة تريبور في مدراس سنة ١٩٣٥م، وكطالب قيادي انضم لحركة البرافيدا للخلاص، وهي حركة ذات نفوذ تعتني بالطبقة الدونية، وهي الطبقة المسحوقة عند الهندوس...، وقد اعتنق الآلاف من هذه الطبقة الدين الإسلامي على يد السيد أديار، ودخلت إحدى القرى بأكملها في الإسلام.

وقد جذبت دعوته الإسلامية وأثرت في الكثير من القيادات السياسية والدينية، وممن أسلم على يديه القيادي الشيوعي كوديكال شيلابا، والراهب البوذي سوامي أنان بيكا وغيرهم، وجدير بالذكر أنه تعرض للكثير من المضايقات على أيدي جهاز المخابرات الهندية C.B.I لنشاطه في الدعوة إلى الله.

إصدارات مختارة

فقه الشورى والاستشارة

* الشورى هي الحصن الذي تحتمي فيه أصول نظام الحكومة الإسلامية، وهي قاعدة للنظام الاجتماعي، وعروة وثقى تربط بين أفراد المجتمع.

عرض من إعداد: مركز الإعلام العربي– القاهرة

انطلاقًا من أهمية الشورى وتعمقها وتشعبها في التصور الإسلامي، فقد أثارت جدلاً فقهيًا حادًا حول مدى وجوبها، وحدود الالتزام بها، وبقراراتها، وقد يكون مرجع هذا الجدل والخلاف حول الشورى هو الاختلاط، وعدم الاتفاق على تعريف الشورى الملزمة، وعدم التمييز الواضح بينها وبين المشورة والاستشارة الاختيارية من حيث الوجوب ابتداء، والإلزام انتهاء.

وفي محاولة لفض الاشتباك الفقهي حول قضية الشورى بأبعادها المختلفة، جاء اختيار موضوع هذا الكتاب في إطار سعي المؤلف لوضع نظرية عامة شاملة للمشورة والشورى الملزمة، وهو يعتبر من أرقى ما كتب في هذا المجال، وذلك حسب آراء كثيرة لفقهاء وعلماء ومفكرين مسلمين.

في البداية أكد المؤلف أن الشورى بالمعنى العام تشمل كل صور المشورة والتشاور، مما يستلزم التفرقة الدقيقة بين الشورى بهذا المعنى العام، الذي يشمل صور التشاور وتبادل الرأي وإن كان غير ملزم، وأطلق عليها المؤلف «المشورة»، وهي أقرب للنصيحة، وبين المعنى الضيق الذي يقصد به القرار الملزم الصادر من الجماعة مباشرة، أو عن طريق من يمثلونها، وأسماه «الشورى».

وتقع هذه الدراسة القيمة في ثلاثة كتب، تضم ستة أبواب وأحد عشر فصلًا، يتحدث الكتاب الأول عن الشورى في الشريعة والفقه تحت عنوان «شريعة الشورى»، بينما يختص الكتاب الثاني بمناقشة موقع الشورى من الحكم بعنوان: «أمة الشورى»، ويستشرف الكتاب الثالث مستقبل الشورى في العالم الثالث الإسلامي خاصة والعالم بأسره عامة.

الكتاب الأول– شريعة الشورى

ينطلق المؤلف في بحث شريعة الشورى من كونها قاعدة للنظام الاجتماعي، فاعتبرها عروة وثقى تربط بين أفراد المجتمع، وترتبط في ظلها المشاركة في المال والتكافل في الإنتاج بالمشاركة في التشاور الفكري.

وعلق المؤلف على شمول الشورى باعتباره نتيجة منطقية لشمول الشريعة التي هي –الشورى– فرع منها، وأصل من أصولها، والشورى هي القناة التي يمر من خلالها الإجماع والاجتهاد، وهما من مصادر التشريع؛ فيستمر بذلك التداخل والتكامل بين الفقه والشورى.

 وتستمد الشورى– كمبدأ شرعي– قوتها ووجوبها من القرآن، ومن الصفة الإلهية للشريعة، وبذلك توجد الشورى حيث توجد الشريعة والجماعة، ولو لم توجد دولة، وهذا المصدر السماوي للشورى يحمي الفرد والجماعة من تقديس الحكام وقوانينهم الوضعية المعرضة للإلغاء والتغيير بقرارات حكام مستبدين، يستعبدون الأفراد والشعوب بالعبث في القوانين والدساتير بحجة أن مصدرها هو الدولة، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى تميزت الشورى بمفهومها الإسلامي عن الديمقراطية بمفهومها الغربي بارتباطها بالشريعة، وارتكازها على أساس حقوق الإنسان الفطرية، وحرية الأفراد والشعوب التي قررتها الشريعة وعقيدة التوحيد، ويكفي دليلاً على اختصاص الشريعة وحدها بمنهاج الشورى، أنها تقصر الاجتهاد في الأحكام واستنباط التشريع على الأفراد، وعلى الأمة التي يمثلها علماؤها ومفكروها، وتحرم الحكام وولاة الأمر ورؤساء الدولة من التدخل في الفقه، ولا تعترف لهم بما يسميه الديمقراطيون سلطة تشريعية، إلا في ظل سيادة الشريعة ومصادرها وأحكامها الاجتهادية.

ديمقراطية الأهواء

ومن ثم فإن أكثر الدول طغيانًا وظلمًا وبغيًا وعدوانًا في العالم الغربي تطبق النظم الديمقراطية، غير أن ديمقراطيتها لم تمنعها من اتخاذ قرارات عدوانية ظالمة لاستغلال الشعوب الأخرى، واحتلال أقاليمها، وكان الديمقراطية بدون ضابط شرعي تطلق العنان لأهواء الجماعات والشعوب، لفرض سيطرتها على الغير من دون وازع من مبادئ إلهية ثابتة، تحول دون الغلو والضلال والانحراف والبغي.

أما أمة الشريعة الإسلامية فلا تغلبها هذه الشهوات والنزوات الاستعمارية أو العنصرية، لأن الشريعة قامت على المساواة بين الأجناس، وفرضت على المسلمين معاملة من يشتركون معهم في الوطن– من غير المسلمين– معاملة إنسانية عادلة.

 وفي الفصل الأول من الباب الأول أوضح المؤلف كيف أصبح تطبيق الشريعة في كثير من بلادنا الإسلامية مطلبًا شعبيًا، يتبناه كثيرون من رجال القانون والقضاء، باعتباره الطريق الحتمي لاستعادة استقلالنا التشريعي والثقافي الذي لا يتم الاستقلال السياسي بدونه.

أحكام الشورى والاستشارة

أما الفصل الثاني فقد عرض لأحكام الشورى والاستشارة، مبينًا أن شمول الشورى جميع ميادين الحياة الاجتماعية والفردية، وشؤونها الفقهية والسياسية والعامة، قد أوجب التنوع في أحكامها، بحيث بات التشاور يختلف– في إلزامه– حسب موضوعه، والأطراف المشاركة فيه، وبعض أهل الفقه والاجتهاد، دون أن يفقد أي منهم أهليته التقديم المشورة «في تخصصه»، أو الفتوى، كما أنه ليس معنى ذلك أن جميع الخبراء الذين يمكن أن يقدموا استشارات فنية للأفراد والحكام، وجميع العلماء والفقهاء، أو المجتهدين في الفقه، يجب أن يدخلوا ضمن أهل الحل والعقد أهل الشورى، فدخولهم في هذه الفئة ليس نتيجة حتمية لأهليتهم في تخصصهم بقدر ما هو ثمرة الثقة التي يوليها لهم الناس للمشاركة في الشؤون العامة الأخرى، بسبب مؤهلاتهم ومراكزهم.

 وللتوفيق بين أهل الشورى وأهل الاستشارة، اقترح المؤلف تكوين مجلسين في التنظيم المستقبلي يضم أحدهما أهل الاجتهاد، والآخر يضم أهل الحل والعقد، مع تنظيم وتنسيق العلاقة، وتوزيع الاختصاصات بينهما.

الكتاب الثاني– أمة الشورى

بعد أن يؤصل المؤلف لجوهر الشورى وحدود تميزها عن الديمقراطية الغربية، ويضمها في موقعها اللائق في الإجماع والاجتهاد، ويربطها بمصادرها السماوية، ينتقل في الكتاب الثاني إلى ممارسة الشورى في الأمة والمجتمع وشؤون الحكم؛ فيبدأ بالبحث في جوهر الشورى وأساسها، وهو حرية الفكر والرأي، والحريات الفردية والجماعية عمومًا، ويعتبر سريان قاعدة الشورى ملمحًا مميزًا للأمة الراشدة؛ فيصفها بأنها التي تجعل الشورى قاعدة مجتمعها التضامني الذي يكفل لأفراده حقوقهم وحرياتهم، كما يكفل إقامة دولة الشورى وحكومة الشورى، ويضمن التوازن العادل بين حقوق الأفراد وسلطات الدولة والحكومة.

وقد ذهب المؤلف في تحديد الدولة في الفقه الإسلامي إلى القول بأنها تشير إلى نظام الحكومة- أي السلطة التنفيذية فقط- ولذلك تدرس في باب الإمامة أو الخلافة في علم الفروع، ولا يدخل ضمن هذا التعريف حق الدولة في التشريع، وبذلك فالدولة في التصور الإسلامي أضيق نطاقًا من نظام الحكم في الدساتير العصرية، التي تدخل ضمن سلطات الدولة السلطة التشريعية، وبذلك تنتفي فيها ضمانات حرية الأفراد، أو الحيلولة دون سوء استغلال السلطة السياسية لحدود اختصاصاتها ومسؤولياتها.

حرية الشورى لا تلغي تنظيمها

وأضاف المؤلف أن قيام مجتمع الشورى على مبدأ الحرية، التي هي جوهر الشورى وأساسها، لا يمنع حرية تنظيم الشورى في المجتمع وإجراءاتها، مع الالتزام بالأصول الثابتة للشريعة. 

حرية الشورى أول أصول الحكم الإسلامي

ويتفرع عن حرية الشورى في الإسلام ثلاثة مبادئ هامة من أصول الحكم في الإسلام، وهي:

- الأساس الشرعي لنظام المجتمع حتى قبل وجود الدولة والحكومة «فهي مبدأ اجتماعي شامل».

- الأساس الشرعي لحق الأمة في تقرير مصيرها، واختيار حكامها، ووضع دستور الحكم المتضمن لحدود ولاية السلطات وقواعد عملها وسيرها «مبدأ تأسيسي».

- إلزام الحكام باحترام قرارات الأمة الصادرة عنها، أو عن ممثليها بالشورى الحرة في رقابتهم على الحكام أثناء ممارستهم لسلطانهم، سواء حصلوا عليها بالشورى، أم بالقوة «مبدأ دستوري».

إلا أنه منذ أن تغلبت القوى الاستعمارية على شعوب العالم الإسلامي سعت إلى تثبيت سيطرتها واستغلالها لهذه البلاد والشعوب، ووضعت لذلك برنامجًا كانت أولى خطواته ترويج فكرة الهجوم على أصول الحكم في الإسلام، وفرض فكرة إبعاد الدين- الإسلام- عن الدولة- السياسة- وتعطيل الشورى في ميدان الحكم، وتابعهم في ذلك عملاء الاستعمار وحلفاؤه حرصًا منهم على نفوذهم وسيطرتهم، وكان لخطتهم هدف آخر هو هدم مبدأ الوحدة الإسلامية؛ لأنها سلاح الشعوب الإسلامية في مقاومة النفوذ الأجنبي، باعتبارها أحد أهم أصول الحكم الإسلامي.

حكومة الشورى

على صعيد خصائص حكومة الشورى في الفقه الإسلامي، ذكر المؤلف أن أهم وأول صفاتها أنها حكومة ذات سلطة محدودة بحدود السلطة التنفيذية، وليس لها سلطات روحية، أو اختصاصات دينية، ناهيك عن أنها لا تملك سلطة تشريعية، فهي حكومة شرعية مستقلة عن التشريع.

الكتاب الثالث- مستقبل الشورى 

ويصل الكتاب الثالث إلى موضوع حيوي حول دور الشورى في نظام المجتمع الإسلامي في الحاضر، وما يجب اتخاذه من خطوات في المستقبل؛ لتكون الأمة الحرة المستقلة الموحدة صاحبة السلطة العليا، وضامنة لحقوق الأفراد وحرياتهم، ومسؤولة عن إقامة الحكومة التعاقدية، والرقابة عليها، سواء كانت حكومات موحدة، أم حكومات متعددة، هذا فضلاً عن دورها الأساسي في الفقه والتشريع عن طريق الإجماع والاجتهاد.

 وعن دور الشورى في مستقبل العالم الإسلامي خصوصًا والعالم عمومًا، ذكر المؤلف أن مبدأ استقلال التشريع عن الدولة هو أهم الأصول الإسلامية اللازمة لإصلاح النظم السياسية في بلادنا والعالم، وهو الذي يضيق ولاية الحكام وسلطانهم، ويحد من اختصاصات الحكومة، ويحول دون إقامة حكم شمولي، يسن فيه الحكام استخدام سلطة التشريع الوضعي لفرض أساليب حكم شمولي بغيض، يمارسون فيه السيادة باسم الدولة، كما أن استقلال الشريعة يوجب تعدد سلطات الأمة وتنوعها، مما يتيح للجماعة بالشورى أن تنشئ مؤسسات تمثلها في بعض شؤونها، تتمتع بقدر كبير من الاستقلال إزاء الحكام.

 وفي الباب السادس والأخير استعرض المؤلف الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتشريعي في العالم الإسلامي ليؤكد فكرتين:

الأولى: أن واقع التخلف والتجزئة والشقاق الذي يعيشه العالم الإسلامي، لا يتفق مع المبادئ التي فرضها الإسلام لاحترام وحدة الأمة وتضامنها، وتكافل أفرادها، وقيام مؤسساتها جميعًا على أساس الشورى وحرية الفكر والرأي في إطار الوحدة وسيادة الشريعة. 

وقد قرر المؤلف أن الذي فصل واقعنا عن مبادئ شريعتنا هي ظروف خارجية وداخلية، بدأت برواسب الجاهلية التي عطلت الشورى في ممارسة الحكم بعد عهد الراشدين، وما أدت إليه من تقصير الحكام في احترام حقوق الإنسان وإرادة الشعوب، وسيطرة دول وحكومات فرضت نفسها على الشعوب بدون الشورى الحرة، وهذا الانقسام بين الحكام والشعوب قد أدى إلى ما وصلنا إليه من ضعف وتخلف، ومكن الاستعمار من غزو بلادنا وتجزئتها، والسيطرة عليها واستغلال خيراتها، واستعباد شعوبها.

أما الفكرة الثانية– والتي استخلصها المؤلف من دراسة الحاضر- أن العالم الإسلامي بدأ السير في طريق النهضة، كما تشهد بذلك الصحوة الإسلامية، التي تعتبر أهم مظاهرها هو تعلق الشعوب بسيادة الشريعة وقداستها ومطالبتها بتطبيقها، الأمر الذي جعل حرية الشورى هي الخطوة الأولى والصحيحة للالتزام بالشريعة.

 وأكد أن هذا الارتباط بين الشريعة والشورى والحرية والنهضة والوحدة، هو الذي يفسر إصرار أعداء الإسلام اليوم على مقاومة كل اتجاه لتمكين شعوبنا من ممارسة حريتها في الشورى.

وحاول المؤلف رسم الصورة التي يمكن بها لدعاة الشورى أن يعيدوا بناء مجتمعاتهم على أساس الشريعة والشورى، ويبدأ هذا البناء بتجديد الفقه وتنميته، وتطبيق مبادئ الشريعة في دستور الشورى، ونظامها الأساسي الذي يقوم على تحديد سلطة الدولة، ومقاومة تغولها الذي أدى إلى الحكم الشمولي، وذلك بإعادة الفكرة الإسلامية التي قام عليها الفقه منذ فجر الإسلام، والتي تحصر ولاية الحكام في السلطة التنفيذية وحدها، وتحرمهم من التدخل في التشريع والفقه، لضمان استقلال الشريعة وسيادتها، وهذا لا يتم إلا باستقلال العلم والفقه، وإقامة مؤسسات مستقلة عن الدولة وحكامها تتولى مهمة الاجتهاد والفتوى، كما يستلزم ذلك استقلال جميع المؤسسات المتصلة بالفقه، خصوصًا مؤسسات القضاء، والتعليم، والثقافة، وتعد الخطوة الأولى والجدية لتحرير هذه المؤسسات من سيطرة الحكام وتدخلهم هي كف يدهم عن التدخل في الأوقاف، واستعادة نظام الوقف لقداسته وشعبيته واستقلاله، وهذه هي الضمانة الأولى لحرية الشورى وممارستها.

الكتاب: فقه الشورى والاستشارة.

المؤلف: د. توفيق الشاوي.

الناشر: دار الوفاء– المنصورة– مصر.

ت: ٣٤٢٧٢١ – ٣٥٦٢٢٠

الرابط المختصر :