العنوان بلطجية للإيجار .. ظاهرة ملفتة للانتباه في الشارع المصري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997
مشاهدات 82
نشر في العدد 1264
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-أغسطس-1997
القاهرة: المجتمع
- القانون في إجازة.. فتوات رجال الأعمال.. وبودي جارد الفنانين
- علماء الاجتماع أسباب اقتصادية واجتماعية وراء البلطجة، والبداية من الانتخابات البرلمانية السابقة
- الخطير في الظاهرة هو امتدادها من إرهاب الأفراد إلى الاجتراء على الحكومة والسلطة
بلطجي، كلمة تركية الأصل مشتقة من البلطة، التي تستخدم لقطع الأشجار، وتطورت لتطلق على الشخص الذي يستغل قوته وعصاه؛ ليرهب الآخرين ويبتزهم أو يستولي على أموالهم، واستمرت تعرف في القاموس الشعبي للدلالة على الشخص ذي السوابق الإجرامية، أو العاطل الذي يستغل الآخرين ويفرض عليهم سطوته مستخدمًا السكين أو السيف أو حتى البلطة والجنزير، كما استخدمت كلمة «الفتوة» التي انتشرت في أوائل هذا القرن كمرادف لها، رغم أن بداية ظهور الفتوة والفتونة، ارتبطت بوظيفة معينة يتولى خلالها «الفتوة» أو أقوى رجل في المنطقة– حماية أهل المنطقة نظير دفعهم إتاوة مالية إجبارية له ولأعوانه.
وفي انتخابات مجلس الشعب الأخير التي جرت في نوفمبر1995م سجلت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن أعمال العنف والبلطجة التي واكبت الانتخابات غطت 61% من محافظات مصر، وقتل فيها 26 شخصًا، منهم 11 في يوم واحد بسبب عمليات العنف، وقيام مرشحين حكوميين ومستقلين بجلب أعداد من المسلحين والبلطجية أو استئجارهم باليومية لضرب خصومهم وحشو صناديق الانتخابات بأصوات مزورة لصالحهم.
وقد حذر عدد من علماء النفس والاجتماع في ذلك الوقت من خطورة انتشار ظاهرة البلطجة على نطاق أوسع بعدما جرى في الانتخابات، وخلال الأسابيع الماضية ظهرت على الساحة المصرية عدة حالات صارخة قام خلالها بعض الأفراد بتصفية خلافاتهم المالية أو الشخصية بالاستعانة بالبلطجية الذين تزايدت أعدادهم في الشوارع، بسبب البطالة الزائدة، وتدهور الأحوال المعيشية، ورغبة الكثيرين في الثراء السريع، واستغلال قوتهم لتحقيق ذلك، أو بدافع الحصول على حقوقهم مع بطء العدالة بسبب تكدس القضايا أمام المحاكم.
وقد أشارت تقارير الأمن العام المصرية إلى أن الحوادث الناتجة عن أعمال البلطجة خلال عام 1996م بلغت 615 حادثةً، في حين تزايدت هذه الحوادث بشكل مرعب خلال النصف الأول من العام الحالي، ولا تخلو منها صفحات الحوادث يوميًّا، وباستخدام آلات حادة، أما الخطير في
الحوادث فهو اكتشاف أن القائمين عليها قد جرى استئجارهم من قبل بعض الأشخاص لضرب خصومهم، أو إحداث عاهات بهم، أو حتى قتلهم، وفي بعض الحالات النادرة الاغتصاب أو هتك العرض، وقال ضباط حققوا في هذه الجرائم: إنهم اكتشفوا أن هناك قائمة أسعار لأعمال البلطجة حسب الطلب والمهمة، فالبعض يحدد 100 جنيه مما يقرب من ثلاثين دولارًا لضرب الشخص، و500 جنيه لإحداث عاهة مستديمة به، وآخرون يحددون ما فوق الألف جنيه يوميًّا نظير خدماتهم الشريرة، أما أخطر هؤلاء على الإطلاق فهم أولئك الذين لهم علاقة نفوذ وأصدقاء بين أفراد الشرطة يحتمون بهم من أي عقاب.
ولا يقتصر الأمر على البلطجية الصغار؛ إذ إن هناك بلطجية كبارًا يطلقون عليهم في مصر السوبر، أو خمس نجوم، ولهم تكتيك أكثر حرفية، وهؤلاء يعملون في خدمة عدد من كبار رجال الأعمال، وفي حماية العديد من الفنانين والفنانات؛ حتى أصبح مألوفًا مشاهدة أي ممثل أو ممثلة وهو يصطحب معه عددًا من هؤلاء البلطجية الذين يطلق عليهم اسم «البودي جارد» يحيطون بهم، ويبعدون عنهم الفضوليين، وقد أثارت هذه الظاهرة كبار المسؤولين المصريين، فالرئيس مبارك حذر في حوار أجرته معه جريدة الأهرام مؤخرًا رجال الأعمال من استخدام البلطجية، كما أن اللواء حسني الديب مساعد وزير الداخلية المصري حذر الفنانين وغيرهم من استخدام البودي جارد قائلًا: إن هؤلاء محظور استخدامهم، وأي حراسة خاصة يجب أن تكون من قبل الوزارة فقط؛ سواء لحماية الشخصيات الخاصة أو العامة أو الفنانين أو رجال الأعمال، وقال: إنه في حالة ضبط «البودي جارد» فإنه سيتم اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم.
ورغم أن تقرير الأمن العام السابق الإشارة إليه كشف عن تفشي استخدام القوة والتهديد بها، بهدف إشاعة الرعب والفزع بين المواطنين، وأشار إلى لجوء أصحاب المصالح غير المشروعة لهم في الإتلاف والتخريب وحرق الممتلكات والتعدي على الغير بكافة أنواع الأسلحة، بما يشكل تهديدًا اجتماعيًّا خطيرًا، فإنه لم يحدد بالتفصيل أسباب اللجوء لهذا الأسلوب الإجرامي في التعامل.
وقد حصرت المجتمع عددًا من آراء المسؤولين وخبراء الاجتماع حول أسباب الظاهرة على النحو التالي:
فاللواء نبيل العربي مدير مصلحة الأمن العام قال: إن أعمال البلطجة امتدت لتشمل بعض المتعلمين وذوي النفوذ ورجال الأعمال، وإن بعض الاعتبارات الاقتصادية ساهمت في زيادة أعمال البلطجة في المجتمع مثل الاتجاه إلى اقتصاديات السوق، وما صاحبه من ظهور فئة تستهدف جمع المال بأي وسيلة، وتستخدم في ذلك طرقًا غير مشروعة، منها تهديد الآمنين وترويعهم والاعتداء عليهم بواسطة الفتوات والبلطجية.
ويتفق مع هذا الرأي السيد ياسين مدير مركز دراسات الأهرام الإستراتيجي السابق والمستشار في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، ولكنها موجودة منذ زمن بسبب اضطراب ميزان القيم والأخلاق في المجتمع؛ فضلًا عن سعي أصحاب المصالح غير المشروعة للدفاع عن هذه المصالح بشتى الطرق، ومنها البلطجة، وقال لـ المجتمع: إن هذه البلطجة ظهرت بتوسع في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، ومثلت علامة تحول بالنسبة لانتشارها مؤخرًا، حتى وصل الأمر الآن لاستخدام رجال الأعمال لها، والتنافس فيما بينهم برصيد كل منهم في حماية مصالحه بهؤلاء البلطجية، وينبه د. ياسين إلى أن البلطجة ليست قاصرة فقط على استخدام السلاح، وإنما هي تعني في الأساس الترويع والترهيب والابتزاز والعنف إزاء الآخرين، ونلاحظ في هذا الصدد أن البلطجة قد تمتد حدودها من إرهاب الأفراد إلى الاجتراء على الحكومة والسلطة المكلفة بتطبيق القانون، فعلى سبيل المثال قام مالك فيلا بإحدى قرى الساحل الشمالي ببناء امتداد للفيلا على البحر دون الحصول على ترخيص بذلك، وعندما صدر قرار حكومي بإزالة المخالفة فوجئ فريق التنفيذ بلافتة فوق المبنى تشير إلى أنه ملكية أمريكية، وأن الفيلا تابعة للسفارة الأمريكية، ومن ثم لا يجوز الاقتراب منها، الأمر الذي يعني إلغاء سلطة وسيادة الدولة المصرية على أرضها، وهو شكل آخر من البلطجة السياسية تعاملت معه السلطات بحزم ونفذت قرار الإزالة.
ابحثوا عن السبب
ويبرر فريق آخر الاستعانة بالبلطجية بزعم أن العدالة بطيئة، وأن إجراءات التقاضي بطيئة، وقد تمتد سنوات حتى يحصل الشخص على حقه بسبب تكدس القضايا أمام المحاكم وقلة عدد القضاة 35 آلاف قاض لـ 61 مليون مصري، وذلك يدفع الشخص لأخذ حقه بيده واستئجار البلطجية في مواجهة خصومه.
أحد المحامين لا يوافق على هذا الرأي، ويقول: إن بطء التقاضي ليس هو المحك هنا، وإنما رفض بعض الجهات تنفيذ الأحكام أسوة بعدم تنفيذ الدولة لأحكام القضاء في حالات كثيرة، مثل طعون الانتخابات، هو السبب الأساسي في المعاناة، وهو الذي يدفع البعض للحصول على حقه بيده خصوصًا إذا كان خصومه من أصحاب النفوذ، ولا يقيمون للقانون وأحكامه أي اعتبار، ويضيف سببًا مهمًا لتزايد انتشار البلطجة الجنائية وهو اهتمام الدولة المصرية بالأمن السياسي على حساب الأمن الجنائي فيقول: إنه منذ اغتيال الرئيس السابق أنور السادات عام 1981م وهناك خوف رسمي من الاتجاهات الدينية بشكل عام، وتركيز رصد أنشطة هذه الاتجاهات وتوفير الإمكانات لذلك على حساب إهمال الجانب الجنائي تمامًا.
أما بالنسبة للقانون الجديد الذي تستعد الحكومة لإصداره لمكافحة البلطجة، والذي يغلظ العقوبة من 3 سنوات إلى 20 سنة سجنًا، مع الإعدام إذا اقترنت أعمال البلطجة بالقتل، فيعلق عليه الخبراء قاتلين: إنه لا يكفي، فالدكتور السيد ياسين يقول: إن المطلوب هو تشريع جديد، وإضافة مواد جديدة مشددة لقانون العقوبات لمواجهة هذه الظاهرة، ويطالب بعدم ترك هؤلاء البلطجية يعودون للشارع بعد السجن، وإنما تقوم الدولة بتشغيلهم في مؤسسات أو معسكرات عمل علاجية لمساعدتهم على التخلص من عيوبهم.
أما المحامي يحيى إبراهيم المتخصص في القضايا الجنائية فيرى أن المطلوب ليس قانونًا جديدًا، ولكن تنفيذ القانون القائم؛ لأن المشكلة أن القانون لا ينفذ.
وهذا هو أيضًا رأي اللواء عبد الفتاح عمر مساعد وزير الداخلية السابق الذي يقول: إن القانون الذي يحارب الإجرام والبلطجة موجود، ولكنه في حاجة لمن ينفذه ويعمل به.. أما القانون الجديد فلن يضيف جديدًا سوى تشديد العقوبة، ويلفت النظر إلى أنه رغم وجود قانون لمكافحة الإجرام وقانون الطوارئ، فهناك بلطجية؛ حيث لم ينفذ القانون عليهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل