العنوان المقاييس المنحرفة في البطولة والفن والموت
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1975
مشاهدات 98
نشر في العدد 239
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 04-مارس-1975
لا ريب أن حياة المسلمين في هذا العصر قد دخلتها دخائل كثيرة انحرفت بمفاهيمها عن الأصول الأصلية لأمور الحياة والموت والبطولة وتقدير الناس وتصنيفهم، وذلك راجع أساسًا إلى تلك القيم الوافدة التي جاءت مع الاستعمار والتغريب والغزو الثقافي و فرضتها ظروف سياسية كان من شأنها أن تتعالى بالزعماء وقادة الأحزاب ثم امتد الأمر إلى أهل الفن فأصبحت لهم بطولات يشاد بها ويتجمع الناس حولها وذلك حين نسى حقائق الأمور وجهلوا بطولاتهم الحقيقية التي عرفها تاريخهم وغفلوا عن موقف الإسلام من البطولات ومن تقدير الناس ومن أصول الحقائق العامة.
لقد بعدت المفاهيم البشرية بعدًا شديدًا عن أصول الأمور ومفاهيمها الحقة خاصة في مسائل الفن وتقدير المغنيين والممثلين والإشادة بهم ووضعهم في صور البطولة والشهرة حتى بلغ الشأن ببعض الشباب الغض أن أتخذ منهم قدوة ومثلًا.
لقد انحرفت عن طريق الصحافة والبث اليومي المضلل فكرة تقدير العاملين في مجال الفن إلى الحد الذي أصبح أهل الفن مثلًا يقتدى في المجتمعات المسلمة، وهن يوصفن في موضع النجوم الباهرة التي تتطلع المرأة المسلمة الحرة- كما يريدون- إلى تقليدهن والإعجاب بهن وانقطع ذلك الخيط الرفيع الذي كان يفصل بين مجتمع الأمة الجاد الصارم القائم على قيم الإسلام: دينًا وخلقًا وبين مجتمع أهل الفن ممن كان يسمى «مجتمع الإماء» من الراقصات والمغنيات والممثلات. انقطع ذلك الخيط واختلط الأمر وبدا للناس أن في هذا المجال صور تحد وأن أهلها يصلون ويتصدقون ويذكرون الله ولم يستطع أحد أن يفرق بين من يحترف هذا العمل وكيف يمكن أن يقوم بينه وبين الدين صلة ما، والعمل نفسه مما نص الإسلام على حرمة الاشتغال به وحرمة موارده، وفساد المتصلين به فسادًا يجعلهم لا يصلحون للشهادة أو كلمة الحق.
لقد ذابت هذه المفاهيم تحت تأثير الدعوة إلى الحرية والحضارة والتفتح، وهي من الأصول الأصيلة بفكرنا الإسلامي ومن الحدود العميقة التي أقامها الإسلام بين عالم الأمة المسلمة وبين عالم أهل الهوى والرقص وأغاني الغزل والأصوات الداعية إلى الشهوة المحرضة على الإثم، واستطاعت الكتابات التي يبثها أتباع دعوة التغريب سنوات متوالية أن تجعل لهذه الصورة من العمل الفني كرامة وشرفًا وألا يضير الناس أن يتصلوا بهذا المحيط، وأن يعملوا فيه، ثم زاد الأمر شدة حين أصبح هذا المحيط مثلًا عاليًا للمجتمع الإسلامي كله في أمور الزينة والملبس وأصبحت تحركات هؤلاء قدوة تلتمس، ومن ثم فقد برزت من خلال هذا المحيط بطولات لامعة ذات شهرة عالية، وأصبح هناك من الأجيال الجديدة من تترقب هذه الأغاني وهذه السهرات ومن يطير ليشارك فيها أينما تكون.
هذا هو وجه الخطر الذي له أبعد الأثر في الهزائم التي أصابت المسلمين والعرب في السنوات الأخيرة، حين انحرفت مفاهيمهم عن فيصل العلاقة بين مجتمع الجرائد ومجتمع أهل الفن.
وأخطر ما في هذه المفاهيم وأشدها أثرًا ذلك التصور الذي يملأ نفوس الكثيرين والذي يخدع به الشباب من أن حضور سهرة غناء أو سماع حفلة أو حضور فيلم سينمائي أو مسرحية من شأن هذا أن يرفه عن الإنسان ويدفع عنه همومه وآلامه ومتاعبه ويخفف عنه. وذلك هو الوهم الكبير الذي فرضه التعبير الغربي للفن وللقصة وللغناء وما أحسبه في حاجة إلى توضيح كبير ليظهر فساده فإن النفس الإنسانية المجهدة الشقية المتعبة لن يسعدها أن توضع في بوتقة من الوهم الكاذب والخيال المشبوه ساعة أو ساعتين لتعود بعد ذلك فتجد نفسها خلاء من كل أمل وإنما كانت تعيش في تهاويم من شأنها أن تزيد أشواقها حدة ورغباتها اندفاعًا ومن ثم يكون خطرها أشد وأعنف.
ذلك الأسلوب الوهمي الذي كان يعالج به الغرب قضاياه النفسية وهو مختلف عن علاج الإسلام الذي يقوم على أساس مواجهة الواقع وإعلاء الرغبات إذا لم تكن ميسورة التحقيق.
وقد طال بالناس زمن فظن أن كثرة ترديد الصحف للأسماء اللامعة قد يعطيها مكانة وقد يتحول الإعجاب إلى قداسة، وقد يرى بعض في أهل الفن هداة للإنسانية خففوا عنها متاعبها ورفهوا عنها آلامها وليس الأمر كذلك حقيقة وإنما هذا هو الوهم الكاذب الذي تفرضه تلك القوى التي تريد تدمير المجتمعات الإسلامية بإشاعة صيحات الهوى والحب والعشق واللقاء والحرمان كأنما هذه الأشياء هي وحدها الأمور التي تشغل الناس وتشغل الأمم وأن الناس ليسوا إلا جماعة من المخمورين أو المغيبين بما يذهب الوعي من مخدر ليعيشوا خارج نطاق أنفسهم وقيمهم وأمامهم من يقدم لهم هذا السم في إهاب براق وملابس زاهية وأضواء لامعة وموسيقى مدوية.
لقد بلغ الأمر بالخداع والعجز عن فهم معنى البطولة والعظمة وقيم الإنسان أن تجد من يقول لك إن هذه المغنية أو الممثلة أو الراقصة التي تقف وسط الجماهير لتحرك جسدها وصوتها ويدها بالسيدة العظيمة.
ذلك هذا أخطر ما تشاهده الآن من انحراف في مقاييس البطولة وتقدير الناس وتصنيفهم كأبطال وعظماء، وأن يكون للهوى النفسي والرأي الذاتي والنظرة الخاصة والصلة الخاصة أثرها في هذا التقدير المبطل وليس للعمل نفسه وليس لأن يكون هذا الفكر الإنساني وهذه الأمة هي صاحبة الحق في معرفة أبطالها وخصومها، الذين يعطونها من ذات أنفسهم قوة وصمودًا وبناءً والذين يأخذون منها أو الذين يهددون أحلامها ويثيرون أوهامها ورغباتها في صيحات هستيرية قاصفة.
ويقف هؤلاء حملة القماقم، ليحولوا بين أن يعرف الناس هذه الحقائق، متدخلين بأهوائهم الخاصة وبأهدافهم العامة، وهكذا يرتفع بعض الناس إلى مكان لا حد له استمدادًا من هذه الصلات الخاصة أو المصالح المادية المشتركة، فالنظرة ملونة بلون العاطفة أو الهوى، وهذا من شأنه أن يفسد التقدير الصحيح لذلك الإنسان في نظر العامة البسطاء الذين لا يعرفون أبعاد المسائل ولا يصلون إلى الخلفيات المدفونة ومن ذلك من يقول عن مشهور أو مشهورة في أبان النزع وحشرجة الروح أنه لن يموت فإذا مات قال عنه إنه سيعيش بفنه واسمه وأنه دخل في مرحلة الخلود وذلك دون تقدير لمفهوم الكلمات أو مضمونها وأين الخلود من هذه الأمور كلها وماذا يمكن أو تعيش أغنية مغن أو كلمة شاعر عصرًا أو عصرين ليكون ذلك معناه الخلود كذلك نجد زيفًا آخر شديدًا في تصريحات الأطباء الذين يبالغون في أمر مقاومة إنسان ما للموت، وهل في قدرة الإنسان الضعيف العاجز الذي توقفت خلايا مخه أن يقاوم الموت وهو نائم في جهاز لا يدري من أمر ما حوله شيئًا، وهل يمكن للإنسان أن يقاوم الموت وهو الحق الغالب الذي لا يغلب، وحكمة الله العليا التي حيرت ألباب العلماء ومن ذلك قول أحد الأطباء إن هذه المقاومة لم تكن غريبة على هذه السيدة العظيمة التي كانت معجزة في عالم الغناء ويصل الطبيب في خداعه لنفسه وعجزه عن فهم حكمة الموت حتى يقول إنه لم يمر عليه مريض استطاع أن يقاوم الموت قبل هذا، شيء سافر ومضحك ومضلل ونفاق.
تلك هي منطق المفاهيم الزائفة التي أدخلتها الصحافة وأدخلها الغزو الفكري على القيم فانحرفت بها عن أصولها الصحيحة وتحطم ذلك الفاصل الدقيق الذي كان يفصل بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الذي صاغته مفاهيم الفن الزائف ليكون قوة تضرب كل القيم.
ولقد كان لترديد هذه المفاهيم وانتشار صحف الفن والرقص والغناء ولتصوير حيوات هؤلاء وأولئك على أنها نماذج من الجمال والبطولة والعظمة، أن صدق الناس ذلك وتقبلت النفس العرية في مرحلة أزمتها هذا الزيف كله وظنت أن هذه صناعات ماجدة وأن ما حولها من زخرف ومال وزين يمكن أن يفاخر به ويعجب مع أنه في صميم مفهوم الإسلام حرام وزيف وتجارة بائرة مردودة مالها حرام ومكسبها سحت وزخرفها باطل وحسابها عسير ونصل من هذا إلى إلقاء نظرة على الموت نفسه:
لماذا هذا التهويل الضخم الذي يواجه به الكتاب حدث الموت لعظيم من العظماء أو مشهور من المشهورين، كأنما كان يمكن أن يرد هذا الموت، أو أنه عدو غاصب ينتزع الإنسان من سعادته.
لماذا هذا الفهم الزائف للموت ذلك لأننا التمسناه من مفهوم الوجودية والمادية والاتجاه الحديث الذي يريد أن يجد وسيلة للقضاء على الموت.
لقد كان حقًا على المجتمع الإسلامي أن يواجه الموت مواجهة الحق والصدق والتسليم والإذعان، ذلك أن الموت نهاية حتمية لهذه الحياة وبرزخ إلى حياة أخرى خير منها، فلماذا هذه الصيحات الهستيرية إزاء الموت وهو أمر لا سبيل إلى التراجع فيه مهما ضجت الأصوات.
إن فهم الناس لعبرة الموت ما زال قاصرًا وما زال بعيدًا عن مفهوم الإسلام وهو بعيد عن مغالاة ومبالغة وجهل، لا يليق أبدًا بالمسلمين الذين علمهم دينهم أن الموت حق، وأن عليهم أن يعملوا له يومًا بعد يوم، وأن ينتظروه ساعة بعد ساعة فإذا جاء سلموا أنفسهم له راضين طائعين، بل فرحين لأنهم سيلقون وجه الله الكريم.
ولكن أهل هذا الزمن إنما يرعبهم الموت لأنهم لم يعملوا له فهو حين يداهمهم يحسون بالخطر الذي يأخذ بخناقهم.
وهذه المرحلة التي يقضيها الإنسان في حالة الغيبوبة وقبل أن يموت نهائيًا، هل عرف الناس حقيقتها، وهل هي موضع أمل في العودة إلى الحياة، أم أن استطالتها دليل على أن سكرات الموت شاقة على الميت نفسه وأنه يعاني فيها الكثير. وإن المؤمن الصادق هو الذي تسهل عليه سكرات الموت وقد تخرج الروح في لحظة واحدة.
فإذا عرفنا أن الميت في هذه المرحلة قد واجه أخطارًا كثيرة، وشديدة من شلك وانتفاخ وسواد وجه فهل توصف هذه الأشياء بأنها قدرة على المقاومة وصمود في وجه الموت، وهل في استطاعة الإنسان أن يقاوم وهذه الآلات التي تنظم النبض وغيره هل يمكن أن تطيل عمر الإنسان لحظة، تلك هي سخرية الادعاء الحديث وعجزه ودعواه العريضة الضالة.
وتلك منا هي سذاجة الفكر وبساطته لأن الذين يقدمون لنا هذه المادة من الكتاب لا يعرفون حقائق الموت كما رسمها لنا الإسلام. لو عرفناها على أصولها لكان موقفنا مختلفًا مع الموت ومع الميت نفسه ولعرفنا من رضي الله عنهم ومن سخط.
إن على المسلمين أن يعلموا أن الموت حق وأنهم يجب أن يواجهوه ليس بالاستسلام بل بالرضى الكامل لأنهم إن لم يفعلوا فإن أمره نافذ فعلًا رغمًا عنهم.
كذلك فإن تقدير البطولة والشخصية والعظمة ما زال في حاجة كبيرة إلى تحديد وتوضيح هل الشهرة المدوية يمكن أن توصف بأنها بطولة إن هذه الشهرة إنما يخلقها المجتمع لأناس بعينهم وفي ظروف بعينها وليحقق غايات بعينها، فالبطولة هنا ليست بطولة عطاء حقيقي أو عمل صميم يجعل صاحبه أهلًا لها.
وبعد فقد تمشي الملايين في جنازة ميت مشهور ويهتف له ما تشاء من عبارات التكريم والتمجيد، ولكن هل هذا هو التقويم الصحيح لعمله في نظر الأمم وفي نظر الله سبحانه وتعالى، إن الأمر لا يعدو لحظات تتفرق بعدها هذه الملايين ويسلم الميت نفسه إلى محاسبيه، وما من شيء من هذا كله يمكن أن يرد عنه حقيقة موقفه في الدنيا إلا عمله وحده.
وقد يكون هذا الميت قد بلغ من الشهرة أبعادًا لا حد لها وكسب معرفة الملوك والأمراء ورؤساء الدول وحشدت له الحشود الجرارة، ولكن ذلك كله ليس مقياسًا حقيقيًا لحياته ولا لعمله ولا لجزائه. وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المرأ لينشر له من الذكر ما بين المشرق والمغرب ما يساوي عند الله جناح بعوضة» ويتحدث الناس عن أعمال الخير التي يقوم بها الميت المشهور من إحسان وصدقة وبر وخدمة للناس وبناء مستشفيات ومساجد ولكن هذا كله ليس له قيمة إلا إذا كان قد تم في دائرة العقيدة الصحيحة والإيمان بالله وجرى في نطاق الزكاة المفروضة وأداء حق الله وأن يكون المال نفسه قد جاء من الحل الطهور.
وأي قيمة لمسجد بني من مال حرام وأي قيمة لعمل إزاء ملايين مدخرة في خزائن من مال عشرات السنين وأين حق الله في هذه التحف والذخائر والملابس المزركشة.
وبعد فإن شأن المشهورين أن تكون لهم حياة خاصة لا يقتحمها أحد وحياة عامة توصف دائمًا بالبر والإحسان والصلاة ولكن كثيرًا ما يكشف الله للناس عن أطواء الحيوات الخاصة وما فيها من احراف وقد يجيء ذلك في توجيه من طبيب أو علاج من مرض، ذلك أن النفس الإنسانية حين تعطى من الشهرة والمال والذكر ما يحقق لها نعماء الحياة إنما تتطلع إلى الاستعلاء، والسيطرة وتحقيق أقصى رغبات الحس والمتعة، وقد يتم ذلك خارج القواميس الطبيعية والظروف العادية، ومن هنا فإن أمر ذلك لا يخفي وينكشف في علامات وآثار تظهر على الجسم أو الوجه أو العينين.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفي عن الناس تعلم ويكون الأمر أشد خطرًا إذا استعبد الجنس نفسه وسيطر صاحب النفوذ والمال على من ليس له نفوذ ولا مال أو من يلعب معه لعبة المتعة التي حرم منها في حياته الخاصة.
ولقد دعا الأطباء كثيرين من المشهورين أن يسلكوا الطريق الطبيعي في حياتهم الخاصة حرصًا على استمرار صحتهم وسلامة أبدانهم ولكن الهوى دائمًا أغلب.
الرابط المختصر :