العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1075
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
مشاهدات 68
نشر في العدد 1075
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
وقفة تربوية
جرس إنذار
إن ما حدث في أفغانستان بعد انتصار المجاهدين، والذي يستمر حتى الآن،
من صراع بين تنظيمات المجاهدين المختلفة، يشكل نذيرًا ويحدث رنينًا عاليًا في
أوساط الدعاة في مختلف بقاع العالم، منبهًا لهم بضرورة استدراك الأمر قبل أن تتكرر
النتائج ذاتها في كل بقعة بإذن الله بها بانتصار، فما يحدث من صراع وخلاف حاد بين
المجاميع الإسلامية في كل قطر، قد يمتد ويتحول إلى صراع بالسلاح بعد تمكن هذه
الجماعات في مكان ما، ولابد من البدء منذ الساعة بتصفية القلوب والنيات وفتح أبواب
المصارحة والحوار والتنسيق فيما يتفق عليه الجميع.
والتعاون في بعض الأنشطة العامة، ووقف الأسس التربوية التي تقوم على
تأسيس الحقد والكراهية بين الجماعات بعضها مع بعض، وإبعاد من يقوم بذلك، فلا يبعد
أن يكون أمثال هؤلاء المؤججين لنار الفتنة والأحقاد مدسوسين على الحركة لإجهاضها.
وجعلها في حالة صراع دائم مع من يماثلها في التوجه، لينشغل الجميع عن
المنكرات العظيمة التي تقترفها بعض الأنظمة في الصراع فيما بينهم، فهل ينتبه
العقلاء المخلصون لهذا الأمر ويستدركون قبل فوات الأوان؟
اللهم أمين/آمين!!
ــــــــــــــــــــــــــــ
أبو
بلال
العبادة وصناعة الحياة
يسعى الإنسان حثيثًا ويكد كثيرًا لكي يحقق لنفسه هدفًا أو أهدافًا
يصبو إليها.
يبذل من أجل تحقيقها الوقت والجهد والمال أحيانًا، يصبر ويكافح ويعلل
نفسه بقرب البلوغ، حتى إذا ما بلغ هدفه المنشود وحقق أمنيته المرجوة، وصار ما كان
بالأمس حلمًا وأملًا واقعًا ملموسًا، لم يشعر بتلك السعادة المنتظرة ولا بذلك
الرضى المرتقب، وإنما على أكثر تقدير يحس بنوع من الارتياح لبلوغ النهاية.
ويسأل نفسه أمام هذه الحال: أين هو ذلك السرور الذي كنت أظن أني
سأتمتع به بعد بلوغ المرام؟ كنت أظن أني سأرقى إلى أعلى درجات السعادة، فإذا بي
أقف على أعتابها الأولى ولا أتعدى ذلك.
وكذا الإنسان في حاله مع المصيبة يخشى الحوادث ويخاف الأذى، وبعد مجرد
التفكير في حدوث ما يخشاه أمرًا لا يحتمل، حتى إذا ما وقع المحظور وحلت المصيبة
جزع وتذمر واشتكى، وما هو إلا وقت يسير حتى ينتهي كل شيء ويتكيف الإنسان مع واقعه
الجديد ويصبح الأمر محتملًا ومقبولًا.
فالسعيد من حمد ورضى واسترجع فكسب الأجر والثواب من الله، والشقي من
سخط على قضاء الله فخسر الدنيا والآخرة.
فالناصح إذن من يجعل كل حياته عبادة، من العمل والكدح لتحقيق الهدف
المنشود عبادة، مهما كان هذا الهدف مالًا يجمعه، أو بيتًا يقتنيه، أو منصبًا
يبلغه، أو شهادة ينالها.
فلا يكون بلوغ الهدف هو محطة السعادة الأولى والأخيرة، بل يرجو عند
الله حسن الجزاء والدرجات العلى، فتطمئن نفسه بانتظار ما عند الله، وهو يعلم
يقينًا أن ما عند الله خير وأبقى.
والناصح أيضًا من يجعل من وقوع المصيبة عبادة، يستعد لها بحسن التوكل
والاعتصام بالله ويتلقاها بالرضى والتسليم، فلا تجزعه المصيبة عند وقوعها ولا
تزعزعه الحوادث، فهو يعلم أن كل ألم أو حزن في الدنيا ستفتر حدته وتخبو جذوته، ولا
يبقى بعد ذلك إلا عظيم الأجر وجزيل العوض الذي سيلقاه عند الله.
ــــــــــــــــــــــــــــ
أمال
يوسف المغامسي
المدينة
المنورة
من أصلح سريرته كان أهلًا لطاعة ربه
قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ
ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ
لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ
أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (هود: 31).
تفسير هذه الآية: أن الله يعلم ما في أنفسهم، إذ أهلهم الله لقبول
دينه وتوحيده، وتصديق رسله.
والله سبحانه وتعالى عليم حكيم، يضع العطاء في مواضعه، وتكون هذه
الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ
فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ
عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ﴾
(الأنعام: 53).
فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهلهم للهدى والحق، وحرمه رؤساء
الكفر وأهل العزة والثروة منهم، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة،
فأخبر الله سبحانه أنه أعلم بمن يؤهله لذلك لسر عنده: من معرفة قدر النعمة،
ورؤيتها من مجرد فضل الله ومحبته وشكره عليها.
وليس كل أحد عنده هذا السر، فلا يؤهل كل أحد لهذا العطاء.
تهذيب
مدارج السالكين ص 569.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ناجي
الخرس
أخلاق أخوية مفقودة
إن للأخوة دورًا كبيرًا في المجتمع الإسلامي، فلو أخذ أبناء هذا
المجتمع وسائل تعميقها وإحيائها لزادت روابط هذه الأخوة وزاد تماسك المجتمع
الإسلامي.
ومن وسائل تعميق روح الأخوة الإسلامية:
1- إذا أحب الأخ
أخاه فليخبره أنه يحبه، وذلك لما روى أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه».
2- إذا فارق الأخ
أخاه فليطلب منه الدعاء بظهر الغيب، وذلك لما روى أبو داود والترمذي عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه.
قال: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن لي وقال: «لا
تنسنا يا أخي من دعائك».
قال عمر رضي الله عنه: فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا.
3- إذا لقي الأخ
أخاه فليطلق وجهه عند اللقاء، وذلك لما روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه
طليق».
4- إذا لقي الأخ
أخاه فليبادر إلى مصافحته، وذلك لما روى أبو داود عن البراء رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل
أن يفترقا».
5- أن يكثر من
زيارة إخوانه بين كل فترة وفترة، وذلك لما روى عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه
قال: «من عاد مريضًا أو زار أخاه في الله ناداه منادٍ أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من
الجنة منزلًا».
6- أن يهنئ أخاه
ويدخل عليه السرور عند بزوغ المناسبة.
وذلك لما رواه الطبراني في الصغير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لقي أخاه بما يحب يسره ذلك، سره الله عز
وجل يوم القيامة».
7- أن يقدم له
الهدية إذا وجدت المناسبة، وذلك لما روى الديلمي عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا:
«عليكم بالهدايا فإنها تورث المودة، وتذهب الضغائن».
8- أن يؤدي له
حقوق الأخوة كاملة، وذلك لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك
فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات
فاتبعه».
ــــــــــــــــــــــــــــ
ماهر
السعيد
مشكلات وحلول في حقل الدعوة
المشكلة: ضعف التجميع (2)
تكملة الحلول
2- التعرف على
الآخرين:
ز- التقدير، إذ إن الإنسان يحتاج لمن يقدره ويعطيه الإحساس بآدميته
وشخصيته، وهذا يستلزم الإصغاء إلى مشاكله وأحاديثه وإظهار الاهتمام بقضاياه وما
يحب.
ح- الابتسامة، وهي مدخل رئيسي لكسب الآخرين، وعلاقة قبول للشخص
المقابل، ومدخل طبيعي لبداية العلاقة، كما أنها تعطي انطباعها عند الآخر باحترامك
له، وتشجيعه على فتح باب الحديث معك، بل وفتح قلبه لك أيضًا.
ط- الكلمة الطيبة، فلا تحتاج إلى أجمل الكلام، وابحث عن ناحية خيرة
فيه وامدحه فيها، بحيث لا يكون هذا المدح حائلًا دون كسبه بل مدخلًا لأمره
بالمعروف أو نهيه عن منكر، وتأكيدًا على نواحي الخير فيه، والإنسان جبل على احترام
ومحبة من يثني عليه.
وأن نبتعد عن كل كلمة جارحة تنفر الآخرين منا، حتى وإن كان من منطلق
الإنكار.
ى/ي- الدفاع عنه:
فلابد أن أظهر في الميدان حينما يحتاجني في الدفاع عنه عندما يظلم من
قبل الآخرين، سواء الدفاع المعنوي أو الدفاع باليد.
وهذا من أبرز أساليب كسب الآخرين، إذ إنه يشعر بصدق المحبة من خلال
تعريض نفس الداعية للضرر من أجله.
قضاء الحاجات:
فلا تنتظر من المدعو أن يطلب منك العون أو قضاء حاجة ما، بل لابد من
المبادرة بالسؤال عن حاجاته التي يريد قضاءها، ولابد من شعوره بصدق هذا العرض، لا
من جانب المجاملات بل من باب الأخوة الحقة.
ل- خفض الجناح.
3- الاقتناء
أ- حصر جميع الأقارب ممن يمكن جذبهم للدعوة، وكذلك أصدقاء الدراسة
والعمل والمسجد والجيران والمنطقة ممن تربطك بهم علاقة، وضع تلك الأسماء جميعها
أمامك في ورقة.
ب- شطب جميع من لا تنطبق عليه مواصفات من يمكن دعوته في الوقت الحالي
مثل المسافر، والمعادي للمتدينين، والمشغول في تجارته، والصغير في السن، إلخ.
ج- توطيد العلاقة مع المتبعين في القائمة.
د- دعوتهم إلى الأنشطة العامة مثل: المحاضرات والندوات والمعارض
والمسرحيات الإسلامية والأنشطة الرياضية وما شابهها، مع الحرص على مصاحبتهم في كل
ذلك.
هـ- تكوين ديوانية خاصة في هؤلاء دون خلطهم بغيرهم، مع مراعاة عدم
تنفيرهم بما يشق عليهم من الأنشطة، والتركيز في الفترة الأولى على الأنشطة
الترفيهية.
ح- تنظيم رحلة عمرة للمجموعة.
ز- المصاحبة والملازمة في غالب التحركات اليومية.
ج- توزيع المنتقين على الدعاة العاملين في المجموعة، يكون كل داعية
مسئولًا عن فئة منهم في إحضارهم الأنشطة العامة ومتابعتهم وملازمتهم.
4- جني الثمار
أ- تصنيف المجموعة على حسب ميولها المتعددة كالعمل الخيري، أو الدعوي،
أو الرياضي، أو النقابي، أو الثقافي، وهكذا.
ب- الاستفادة من هذه الطاقات المتعددة ودمجها في الأنشطة التي تتناسب
مع ميولها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب:
"تصنيف الناس بين الظن واليقين"
تأليف: الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو هيئة كبار العلماء
عرض: عبد الوهاب الفهيد
هناك ظاهرة مرضية بدأت تتفشى بين المسلمين، وهي ظاهرة «التجريح
والتشهير» بالأشخاص والجماعات والدعاة، وهي ظاهرة تعتبر من أخصب بذور الفتنة،
وأخطرها على وحدة الصف الإسلامي، وما أحوجنا إلى هذه الوحدة في هذا العصر الذي
تظافرت فيه جهود أعدائنا من يهود ونصارى ووثنيين، للصد عن سبيل الله، الكيد لديننا
الإسلامي.
وهذه الظاهرة تقوم على تجريح وتصنيف الناس، وخاصة الدعاة إلى الله،
والإساءة لهم، بزعم أن ذلك لأجل فضح أصحاب الأهواء والبدع والضلالة.
وبمبررات بيان حال المبتدع الذي يدعو لبدعته، والتحذير منه ومن
جماعته، وبمبررات –أيضًا– محاربة التحزب للجماعات وتقديس الأشخاص، وهناك من يحرص
على رفع معول الهدم باسم النقد، ويتخذ أعراض المسلمين مطية له للوصول إلى غايته في
تشويه الأشخاص والدعوات والدعاة، فتراه حريصًا على تصيد الأخطاء والتفتيش على
الزلات والعثرات وحمل النصوص ما لا تحتمل.
قام العالم الجليل الشيخ الفاضل بكر بن عبد الله أبو زيد –عضو هيئة
كبار العلماء.. حفظه الله– وشمر عن ساعد الجد بما أوتي من علم وحكمة، فأبان تلك
الظاهرة، وكشفها على حقيقتها، وتكلم عن واقعها وطرقها ودوافعها وسبل علاجها
والقضاء عليها، بما لاح له من فهم عميق ورأي سديد، فألف تلك الرسالة الصغيرة في
حجمها، ولكنها كبيرة في محتواها ومضمونها.
وقد نبه المؤلف –جزاه الله خيرًا– على أن كشف الأهواء والبدع المضلة،
ونقد المقالات المخالفة للكتاب والسنة، وتعرية الدعاة إليها،
وهجرهم وتحذير الناس منهم وإقصائهم والبراءة من فعلاتهم سنة ماضية في
تاريخ المسلمين في إطار أهل السنة، معتمدين شرطي النقد: العلم، وسلامة القصد.
ثم نبه على ذلك الناقد المسيء والذي سماه –المؤلف حفظه الله– بالجراح
القصاب، بأنه يقع في أعراض المسلمين، وأن الإسلام قد حفظ على الناس أعراضهم، وأمر
بكف الأذى عنهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام
عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت».
ثم نبه على ظاهرة التأليف والتصنيف في الكلام على الدعاة إلى الله
وتجريحهم في شخصهم ومعتقداتهم وسلوكهم، وحذر من نصب نفسه لرمي الدعاة بالتهم
الفاجرة المبنية على الحجج الواهية.
وأن هذا بلاء عريض ابتلى الله به بعض من أولع بجرح النابهين من الدعاة
الأعلام، وأن هذه فتنة مضلة، والقائم بها «مفتون» و«منشق» عن جماعة المسلمين، ثم
تكلم عن العمل لمواجهة هذه الظاهرة،
وكف بأسها عن المسلمين، فهو يرى أن العمل لابد أن يتوجه إلى ثلاث فئات
من الناس هم:
1- إلى الجراح
المتلبس بظاهرة تصنيف الناس وتجريحهم.
2- إلى
الذي وجه إليه التصنيف والتجريح.
3- إلى كل
مسلم يريد وجه الله والدار الآخرة.
فالفئة الأولى: لابد من العمل على نصحه بالإقلاع عن هذه العادة، وأنها
ظلم للناس.
وساق الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال العلماء على أن تجريح
الناس وتصنيفهم بغير حق شعبة من شعب الظلم، ومن كبائر الذنوب والمعاصي.
أما الفئة الثانية: فقد وجه كلامه إلى من رمي بالتصنيف ظلمًا، وأن هذا
الأمر سنة من الله ماضية لكل من سلك سبيل هذه الدعوة، وساق الآثار في هذا الأمر،
وحث هذه الفئة على الصبر وعدم الحزن على ما أصابهم، والتمسك بالحق والإعراض عن عِرض
من وقع بهم، واستعمال العزلة الشعورية.
وأما الفئة الثالثة: فجعلها نصيحة لكل مسلم علم أو ظلم، أو وقع في هذا
التصنيف البغيض، ونبه على أمور منها:
1- أن الأصل
الشرعي تحريم النيل من عرض المسلم.
2- والأصل
بناء حال المسلم على السلامة والستر، لأن اليقين لا يزيله الشك.
3- وألا
يخرج عن هذين الأصلين إلا بدليل ظاهر كظهور الشمس، إذ الأصل البراءة.
4- ومن
تجاوزهما بغير حق متيقن فهو خارق حرمة الشرع، وهذا مفتون.
5- يجب أن
يكون المسلم على جانب كبير من سمو الخلق وعلو الهمة.
6- التزام
الإنصاف الأدبي، بألا نجحد ما للإنسان من فضل، وإذا أذنب فلا تفرح بذنبه.
ثم ساق أقوالًا وحكايات الأعلام المسلمين وعلمائهم، تبين مدى حرص
السلف والخلف على الابتعاد عن الخلاف وتصنيف الناس وتجريحهم، بحجة كشف حالهم
وبدعتهم واقتفاء زلاتهم وعثراتهم.
فلذلك كان حريًا على كل مسلم ومسلمة أن يطلع على هذا الكتاب الفريد في
موضوعه، والذي امتاز على صغر حجمه بعلم غزير وأسلوب رفيع رصين وفهم عميق، نفع الله
كاتبه وقارئه.
وجزاهم الله خير الجزاء.
تجارة العلماء
بقلم: محمد الجاهوش
حدث علي بن الفضيل بن عياض قال: سمعت أبي يقول لعبد الله بن المبارك:
أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذاك؟ قال ابن
المبارك: يا أبا علي، إنما أفعل هذا لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين على طاعة ربي
ذاك قال: يا ابن المبارك، ما أحسن ذاك، إن تم ذاك.
سير أعلام النبلاء جـ 8 ص 387.
ما فقه الإسلام من ظن أن الزهد والفقر صنوان، فالمؤمن مطالب بالسعي
والكدح وطلب الرزق من كل طريق حلال ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ
النُّشُورُ﴾ (الملك: 15).
والضرب في الأرض –طلبًا للرزق– يصون المرء وجهه ويعف عياله عبادة
وقربى إلى الله عز وجل، تفضل الانقطاع إلى نوافل العبادات والمداومة على تلاوة
القرآن.
بل إن الله عز وجل عذر هذا الصنف من المؤمنين إن هم أجهدهم طلب الرزق
وأعجزهم عن أداء النوافل، كما عذر المرضى والمجاهدين في سبيله سبحانه وتعالى.
فالإسلام جاء لعمارة الأرض واستخراج خيراتها واكتشاف كنوزها وتسخيرها
لكل ما يعود على الأمة والأفراد بالنفع والرخاء وازدهار الحياة.
ولا يستطيع الإنسان العيش من دون مورد مالي يسد حاجته وحاجة من يعول،
وليس أمامه لتحقيق ذلك إلا سبيلان لا ثالث لهما:
إما أن يسعى ويجهد نفسه ويبذل وسعه ليؤمن ذلك لنفسه ولعياله، وإما أن
يمد يده ويريق ماء وجهه وينتظر هبات الحكام أو صدقات المحسنين، وما أباح الإسلام
في هذه الحالة إلا لذوي الأعذار ممن ذكر القرآن تحديدًا.
إن المؤمن الصادق حريص كل الحرص على ماء وجهه وعلو يده، ويأبى حياة
التطفل على أموال الناس وثرواتهم، لا سيما إذا كان من أهل العلم الذين يخالطون
الناس ويعظونهم.
ويحرصون على نشر الخير والهدى، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
ويحاربون كل انحراف عن جادة الإسلام وسنن الإيمان.
وقد فقه أسلافنا هذا ووضعوا الأمور في نصابها دونما خلط ولا تلبيس.
رأى عمر بن الخطاب شابًا ملازمًا للمسجد ذاكرًا عابدًا طالبًا للعلم
فسأله: من ينفق عليك؟
قال: أخي. قال: أخوك أعبد منك.
يا الله، للفهم الثاقب والرأي الصائب.
أخوك أعبد منك، فلكأني بعمر –رضي الله عنه– يقول له: لا تفرح بما أنت
فيه، إن الذي جئت تطلب قد خلفته وراءك.
فقد فاز بالأجر ذاك الذي يضرب في الأرض: يسقي الإبل ويغرس النخل ويحمل
الحجارة، وكيف لا يفوز وقد فارق الظل الظليل والماء النمير وترك الزوجة والولد
وانطلق يسعى ويكدح ليصون وجهه ويعف ذويه.
لقد استقام هذا الفهم لأسلافنا طيلة قرون الخير والبركة، فهذا سعيد بن
المسيب يعاتبه بعض إخوانه على اشتغاله بتجارة الزيت، وهو من هو: ذو وجاهة ومكانة
وعلم وعبادة، فتجهم وجهه وعنف لائمه قائلًا: لولا هذه الدنانير لتمندلَ بنا غلمان
بني أمية، لكننا نصون وجوهنا ونحفظ أحسابنا ونصل أرحامنا ونبلغ أمر ربنا، وليس
لأحد في عنقنا منة تعقل ألسنتنا أو تنحني لها جباهنا.
فنون في كسب الحسنات
إن للصحابة –رضي الله عنهم– فنونًا في كسب الحسنات، وسنقف معك أخي
القارئ مع عائلة الخطاب لنرى كيف يتفنن الأب والابن في كسب الحسنات.
فمع الأب أولًا، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي فنه بعبادة الله
تعالى بذكره وتسبيحه حيث يقول:
إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج نسمة تسبحه وتذكره، فالنية
إذن أثناء الجماع هي أن يرزقه الله مولودًا يكون رقمه زيادة في عدد الموحدين
الذاكرين في الدنيا،
ويكون شخصية ذاكرة حتى إذا رأيتها ذكرت الله برؤيتها.
والغريب من الرواية قوله: «إني لأكره نفسي...» والمعلوم أن الجماع
محبب للزوجين، إلا أن عمر بن الخطاب يكره نفسه في الجماع وقت إخصاب زوجته حتى
يرزقهم الله مولودًا يذكر الله ويسبحه، ولعل سبب إكراه النفس هو كثرة انشغاله –رضي
الله عنه– بسياسة أمته وإدارة شؤونها.
وأما الموقف الثاني فمع ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو عبد
الله، وفي فنه بذكر الله وشكره حيث نقل ابن سيرين –رحمه الله– عنه يقول:
كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة وتكون معه في الأسفار، فقلت له:
ولم؟
قال: أنظر فما كان من وجهي زين فهو في وجه غيري شين «أحمد الله عليه».
وهذا فن آخر في ذكر الله تعالى، لا يكلف الإنسان عملًا كثيرًا، وإنما
النظر إلى المرآة فقط، فيحمد الله تعالى ليكتب من الحامدين.
والملاحظ في الروايتين أن الأب يكره نفسه على الجماع ليرزقه الله
مولودًا يذكره ويسبحه، والابن يذكر الله ويسبحه بفن غريب علينا، وفي ذلك تتحقق
أمنية الصالحين.
جاسم المطوع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل