; العنف العنصري يهدد الجالية الإسلامية في بريطانيا | مجلة المجتمع

العنوان العنف العنصري يهدد الجالية الإسلامية في بريطانيا

الكاتب فهد العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1993

مشاهدات 70

نشر في العدد 1069

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 05-أكتوبر-1993

لا أحد يدري بالضبط مصير الأقليات المسلمة في أوروبا، وبريطانيا بالتحديد، فحاليًا تتصاعد حدة العنف العنصري في لندن. وموقف الحكومة وميجور متميع من المسألة؛ فابتداء من محاولة قتل شاب بنغلاديشي «١٧ سنة» لأنه أسمر اللون(!)، وانتهاء بفوز الحزب الوطني «BNP» العنصري بسبعة مقاعد في منطقة ميلويل بشرق لندن، والقيادات السياسية في البلد عاجزة عن اتخاذ موقف حاسم تجاه ما قد ينذر بانفجار قنبلة عنصرية.

فقد أتى فوز الحزب العنصري بسبعة مقاعد صاعقة للجميع، فمنذ إنشائه في عام ١٩٨٢ وهو لا يتمتع بشعبية كبيرة، وفضلاً عن أنه يفتقد إلى برنامج إصلاحي واضح كبقية الأحزاب، فهو يستمد شرعية وجوده ويستوحي أفكاره من الحركات النازية في ألمانيا والحزب الوطني العنصري في فرنسا؛ لهذا لم ترحب الأوساط السياسية كثيرًا بالنتيجة بل اعتبرتها مؤسفة وسيئة للحظ كما صرح بذلك ميجور. وقال توني بلاير -وهو وزير الداخلية في حكومة الظل «العمال»- بأن النتيجة محبطة للغاية، وضربة قاصمة للديمقراطية، كما اتهم الجناح الأيمن في حزب المحافظين الحكومة ووصفها بأنها كانت متساهلة جدًا في موضوع العنصرية ولم توقفه عند حده، كما اعتبرت الجالية البنغالية المسلمة في شرق لندن وميلويل تحديدًا فوز الحزب بمثابة التهديد على حياتها ومستقبلها، وطالبت قيادات الجالية في أكثر من تصريح للصحافة بضرورة التدخل لوقف مثل هذا التوسع «السرطاني» لأفكار الحزب المناهضة للتعددية العنصرية والاثنية. وأفاد آخرون بأن الحكومة قد سمحت لهم بالعمل في هذه المنطقة وغيرها من المناطق بما فيه الكفاية، وأن الوقت قد حان لوقف كل شيء. جاء ذلك في أعقاب الاعتداء على شابين بنغلاديشيين من قبل مجموعة شباب حليقي الرأس من أتبع الحزب الوطني.

كما أبدى البعض دهشته من موقف الشرطة؛ فهي ترى هؤلاء الشباب وهم يقومون بتوزيع منشورات تدعو إلى العنف والعنصرية وتراهم في بعض الأحيان وهم يتحرشون بسكان الحي، ولكنها لا تتدخل، ويصرح البعض بأنه ما عاد يعرف إلى جانب من يقف رجال البوليس؛ فقد اعتقلت الشرطة مؤخرًا تسعة بنغلاديشيين اشتركوا في مظاهرة ضد الحركة النازية، وضد فوز الحزب وضد الاعتداءات الأخيرة.

ويلاحظ البعض الآخر أيضًا أن الحكومة غير مهتمة بإيقاف العنف العنصري وإلا فهناك إجراءات كثيرة يمكن أن تتخذ بهذا الصدد.

من جانب آخر اعتبرت قيادات الحزب الوطني «BNP» فوزها بسبعة مقاعد في ميلويل نقطة تحول في تاريخها السياسي، وأكدت على أن النتيجة الإيجابية ستتكرر مستقبلاً في مدن ومناطق أخرى. ومع أن موظفي مجلس المدينة بميلويل قاموا بمظاهرات كبيرة ضد سياسة الحزب، ورفعوا لافتات تدين العنصرية وترفض التعاون مع مؤيديها، إلا أن العنصري ديريك بيكون -وهو العضو الفائز عن الحزب والمختبئ حاليًا لأسباب أمنية- أكد على أن فوزه مجرد خطوة على الطريق وأن الانتصارات ستتحقق قريبًا في بقية المناطق، كما صرح ريتشارد أدموند -وهو المسؤول عن أنشطة الحزب- بأنه يعتبر الحزب الآن في مرحلة المخاض تمامًا كما كان الحزب الوطني العنصري في فرنسا بقيادة جين لوبون قبل عشرة أعوام. وأكد وهو يحتفل مع أقرانه من حليقي الرأس بأن الأرضية في بريطانيا صارت مهيئة لنمو فكرة العنصرية وذلك بعد فشل الحزب الحاكم «المحافظون» في حل الكثير من المشاكل المتعلقة بالنظام والقانون وقبل كل شيء الخاصة بوقف هجرة الأجانب.

وعلى الرغم من الثقة التي يتحدث بها أعضاء الحزب «BNP»، إلا أن الدارسين لتاريخ الحزب وسياسته ومنهجه يستبعدون انتشاره لبقية المدن؛ وبالنسبة لفوزه في ميلويل فلأنه ومنذ إنشائه في عام ١٩٨٢ وهو يركز على هذه المنطقة بالذات، فهي منطقة فقيرة وسكانها من الطبقة العاملة، وبها نسبة ملحوظة من البطالة ومشهورة بتمركز الأجانب فيها. فميلويل ومقاطعة شرق لندن عمومًا كانت تمركز الجالية اليهودية في الماضي والذين هاجروا من ألمانيا وأوروبا الشرقية على إثر النازية واستوطنوا لندن، أما الآن فيتمركز في المنطقة البنغال وحوالي عشرة آلاف صومالي جاءوا كلاجئين هربًا من الحرب الأهلية في بلدهم، ولهذا ركز الحزب جهوده العنصرية في هذه المنطقة، ولكنه خرج مجد كل هذه السنين -كما يقول الدارسون والمحللون- بسبعة مقاعد فقط.

العامل الآخر أو نقطة الضعف الأخرى تكمن في التنظيم نفسه، فأعضاء الحزب لا يتجاوزون الـ١٢٠٠ فرد فقط وهو عدد ضئيل جدًا مقارنة ببقية الأحزاب، وبالتالي سيحجم من قوتهم ويجعل فاعليتهم السياسية في بريطانيا محدودة.

البعض يوعز نجاحهم في هذه المنطقة بالذات إلى ارتفاع نسبة الفقر والبطالة، وبالتالي يجد الأعضاء الفرصة سانحة كي يعلقوا أخطاء الحكومة وعجزها عن إيجاد أعمال لهؤلاء الإنجليز على الأجانب، فيكونوا هم الضحية؛ ولهذا يشعر البعض بأن أفضل وسيلة لتحجيم نشاط الحزب هي إنعاش الاقتصاد مرة أخرى، واتخاذ خطوات عملية نحو الإصلاح الداخلي تشمل زيادة الأجور، وتوفير السكن والعمل وخفض نسبة فوائد القروض.

من ناحية أخرى أثارت منشورات الحزب الديمقراطي الليبرالي ضجة كبيرة في الأوساط السياسية والشعبية، واتهمها حزب العمال بأنها «تدعو إلى العنصرية». ومع أن رئيس الحزب الديمقراطي بادي أشدوان رفض الاتهام وأكد على أنه لا يوجد عنصريون بيننا ووعد بإجراء تحقيق في مسألة المنشور، إلا أن بعض القيادات والشخصيات السياسية شككت في أمره؛ فقد صرح جاك شري -المتحدث المحلي باسم حكومة الظل «العمال»- إلى أن أشدوان يعرف تمامًا اللهجة التي كتب بها المنشور، وقال في رسالة وجهها إلى أشدوان شخصيًا: «هل ستقوم بنشر نتيجة التحقيق كاملة؟ وهل سيكون هذا قبل انتخابات المقاطعات في مايو أم أنك ستقوم بدفن موقفك المخزي تحت التراب حتى ذلك الوقت؟!» على الرغم من أن أشدوان قد تحدى ووعد بإجراء تحقيقاته في المسألة إلا أن وزير داخلية الظل قد نفى وجود أية أدلة تؤكد على ذلك.

إن مثل هذه الأحداث تثير قلق الجالية الإسلامية، فقد أثير موضوع العنصرية من أكثر من جانب؛ فقد أثير من جانب عضو في حزب المحافظين ونائب في مدينة مانشستر عندما صرح بأن تدفق المهاجرين بات يهدد ثقافة البلد، وأبدى استياءه من وجود الزي الباكستاني بكثرة وسماع الأذان من المساجد (المجتمع العدد ١٠٥٣)، وأثير بشكل مباشر وواضح من جانب الحزب الوطني «BNP» قبل وبعد فوزه، وها هو الآن يثار بشكل خفي من جانب الحزب الديمقراطي، ولا أحد يعلم كيف تواجه الجالية هذه القضية الحساسة مستقبلاً.

صراع الآباء في مدينة برادفورد

على صعيد آخر فقد قرر أولياء أمور ٤١ من التلاميذ المسلمين في برادفورد -إحدى المدن الواقعة شمال لندن- إنشاء مدرسة إسلامية خاصة بهم لإبداء اعتراضهم على قرار المجلس المحلي لمدينتهم والذي منع أبناءهم من الالتحاق بالمدارس التي اختاروها لهم، والتي تعد من أفضل المدارس الموجودة في المدينة. ستبدأ دراسة غالبية الطلبة من الذكور في مدرسة أقيمت خصيصًا لهم في أحد مراكز المدينة الاجتماعية، في حين سمحت إحدى مدارس البنات بإلحاق خمس من الطالبات لديها. وقد علقت «نجاة ميرزا» -ناظرة تلك المدرسة- على ذلك بقولها: «إن هذه القضية لهي ظلم واضح، ونحن نؤيد تمامًا محاولات هؤلاء الآباء لاختيار مدارس أبنائهم».

وقد هدد الآباء -وهم ٣٥ من البنغلاديشيين و٦ من الباكستانيين- في بادئ الأمر بإلزام أبنائهم المنازل لحين إلغاء ذلك القرار الجائر. هذا وقد خسر أولياء أمور التلاميذ في الأسبوع الماضي القضية التي رفعوها ضد المجلس المحلي، كما أنهم رفضوا اقتراح المجلس التعليمي للمدينة بإرسال أبنائهم إلى مدارس أخرى ضعيفة المستوى. علق رئيس مجلس «برادفورد» للمساجد، السيد «شير عزام»، قائلاً: «إن هذه الحالة تعكس بجلاء سياسة التمييز العنصري، إذ يناقض هذا تمامًا مقولة المجلس بحق الآباء في الاختيار، إذن لا خيار أمام هؤلاء الآن سوى إنشاء مدارس خاصة بهم».

ومن ناحية أخرى، فقد أكد المسلمون مرارًا أن أبناءهم عادة ما يفشلون في مدارس الحكومة، والدليل على ذلك نسبة السقوط العالية في المدن التي تتركز فيها الجاليات الإسلامية مثل مدينة «برادفورد» و«برمنجهام» ومدن الشق الشرقي من لندن. وقد علق أحد علماء التربية المسلمين على ذلك قائلاً: «إن هذا الذي حدث مؤخرًا في برادفورد يؤكد على أن تقدم الطلبة المسلمين في دراستهم لن يتحقق إلا في مدارس خاصة بهم؛ لذا نأمل أن يثبت هؤلاء الآباء على موقفهم حتى وإن ألغى المجلس المحلي للمدينة قراره».

الرابط المختصر :