; أساليب مخابراتية في الحصول على اعتراف الضحية | مجلة المجتمع

العنوان أساليب مخابراتية في الحصول على اعتراف الضحية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989

مشاهدات 57

نشر في العدد 908

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 14-مارس-1989

  • لا يمكن الاعتماد على معطيات جهاز كشف الكذب، وكأنها مسلمات لا تقبل النقاش.
  • عمل المخابرات يعتمد أولًا وأخيرًا على الذكاء وهو Intelligence الاسم الذي اختاروه لجهازهم.
  • نماذج من الحوار الذكي بين رجال المخابرات والمتهم الضحية.
  •  ما هي طبيعة الأسئلة التي توجه للمتهم؟

تلجأ أجهزة المخابرات في العالم إلى أساليب مختلفة لإجبار المتهم على الاعتراف بالتهمة أو التهم الموجهة إليه، منها الأساليب العنيفة، ومنها الأساليب اللينة، منها أساليب الإيلام البدني، ومنها أساليب الإيلام النفسي والحرب النفسية والايحاء..

وقد يمر المتهم بكل هذه الأساليب، أو ببعضها، حسب أهمية التهمة الموجهة اإليه وخطورتها ونوعها وطبيعة النظام التابع له جهاز المخابرات، ونوعية المتهم وسنه وجنسه، وطبيعة المحقق وشخصيته وثقافته وأخلاقه... ولسنا هنا بصدد الإحاطة بكل هذه الأساليب والوسائل، وإنما نقصر حديثنا على استخدام الأساليب المتعلقة باستخدام جهاز معين يعرفه الناس باسم جهاز كشف الكذب. 

هذا الجهاز يستخدم عادة عندما تعجز الوسائل الأخرى عن انتزاع الاعتراف من المتهم الذي قد يكون مظلومًا لأنه لم يرتكب جريمة تستوجب الاعتقال والتحقيق أو لأنه قام بعمل مشروع دفاعًا عن الوطن في مواجهة غاز محتل أو دفاعًا عن حقوق الشعب وحرياتهم في مواجهة حاكم ظالم أو مارس حقًا من حقوقه المشروعة، أو دافع عن عقيدة الأمة وتراثها في مواجهة غزو فكري...

وجهاز كشف الكذب هذا ليس جهازًا سحريًا مضمون النتائج عند جميع الناس، ولا هو سند قانوني عند المحاكمة، ولكنه جهاز يمكنه تسجيل بعض التغيرات الفسيولوجية داخل الجسم مثل سرعة دقات القلب وعملية التنفس وضغط الدم التي تتأثر بانفعالات الفرد المعتقل على ذمة التحقيق.

ومن المعروف في علم النفس أن هناك علاقة بين المتغيرات في الأحوال النفسية والتغيرات في الأحوال الجسمية. والمحقق يمكنه أن يرصد بشكل مباشر التغيرات الجسمية الظاهرية كلون الوجه وارتعاش الأطراف وتلعثم اللسان واتساع حدقة العين وارتفاع الصوت وابتلاع الريق وما أشبه ذلك من التغيرات المشهودة، ولكنه في حاجة إلى معرفة ما يجري داخل جسم المتهم من تغيرات، وهذه يمكن معرفتها عن طريق جهاز كشف الكذب أو ما يسمى «سيكوجالفانوميتر» أي جهاز قياس شدة الانفعال.

ذلك أن الملامح الخارجية أو النشاط الخارجي أو السلوك الخارجي يمكن التحكم فيه وضبطه وإخفاؤه وتعديله إلى حد ما، ولكن الإنسان «المتهم» لا يقوى على التحكم في التغيرات التي تجري داخل جسمه التي يمكن لجهاز كشف الكذب أن يسجلها، أو يسجل بعضها على الأقل. 

والسؤال هو: ما العلاقة بين تسجيل هذه المتغيرات والكشف عن صدق المتهم أو كذبه؟

من المعروف أن الإنسان بما وهبه الله من عقل وإرادة قادر على إخفاء أسرار لا يعلمها إلا الله، ومن لهم علاقة به إن كان له شركاء. ولكن حين تحوم الشبهة حول شخص ما ويتم القبض عليه من قبل السلطة للوقاية من خطره المحتمل، أو للتحقق من مدى إدانته أو لمعرفة شركائه أو للحصول على الأدوات التي يستخدمها أو يعلم عن مكانها فإنه مضطر والحالة هذه إلى الإنكار كليًا أو جزئيًا للإفلات من الحكم المتوقع أن يصدر ضده أو لتخفيف هذا الحكم أو لحماية شركائه، أو لضمان استمرار العمل، خاصة إذا كان العمل وطنيًا أو سياسيًا أو يتعلق بالعقيدة أو الجماعة التي ينتمي إليها. 

وهو حين يكتم أمرًا لم يظهر على ملامحه أو فلتات لسانه أو زلات قلمه يكون في حالة استنفار عقلي ونفسي لمواجهة معركة التحقيق بشتى صورها العنيفة واللينة، وهذا ينعكس قطعًا على أحواله البدنية الداخلية فتنشط بعض الأعضاء والغدد بأمر من الجهاز العصبي مما يظهر واضحًا على الجهاز. 

هذه التغيرات الجسمية الداخلية اللاإرادية يعتقد علماء النفس أنه ما كان لها أن تحدث لو كان المتهم بريئًا، أو لو أنه لم يخف سرًا، إذ لو لم يكن المتهم يشعر بالخطر واحتمال انكشاف أمره، وبالتالي مواجهته للعقوبة التي قد تكون قاسية لما حصل هذا الاضطراب الداخلي، وبالتالي يحكم عليه المحققون اعتمادًا على هذا الجهاز بأنه كاذب.

  • صعوبات موضوعية تواجه استخدام الجهاز:

ولكن هناك صعوبات علمية موضوعية يواجهها المحققون، وهي أن هذا الاضطراب ربما كان ناشئًا عن خوف المتهم من التورط في تهمة لا علاقة له بها، وبالتالي قد يخفي أشياء حقيقية تحوطًا من تورطه في عمل قام به غيره دون علم منه، فيضطر مثلًا لإنكار معرفته بصديق له أو تناوله الطعام في مكان ما خشية أن يكون في هذا المكان شخص متهم لا علاقة لديه....

فالخوف في هذه الحالة ليس دليلًا على الكذب، وإن دل على الكذب فهو ليس دليلًا على ثبوت التهمة. ثم إن عدد مرات دقات القلب وعدد مرات الشهيق والزفير تتغير بتغير الأفراد من حيث السن والجنس والتعب والراحة. كما تتغير بتغير الأحوال عند الفرد الواحد، ثم إن العواطف النفسية متداخلة ومعقدة، فمن يستطيع أن يحكم مثلًا بأن عددًا معينًا من دقات القلب في الدقيقة الواحدة تشير إلى تحرك عاطفة القلق أو الخوف أو الحزن أو الغضب أو الغيرة أو الحسد أو الغبطة أو النفور ... إلخ؟

 ولذلك لا يجوز استخدام هذا الجهاز اعتباط وليست نتائجه يقينية، ومن يستخدمه لا بد أن يمر بمراحل متعددة مع المتهم حتى يصل به ومعه إلى الطمأنينة والهدوء، وهي أمور غير مضمونة في ظل الحجز والسجن والتعذيب البدني والنفسي.. ولهذا يلجأ مستخدمو هذا الجهاز الذين من المفترض أن يكونوا من علماء النفس أو يستعينون بعلماء النفس، يلجأون إلى الإيحاء لإيهام المتهم - الذي يمكن أن نطلق عليه اسم الضحية حين يكون بريئًا أو حين يكون على حق - لإيهامه أن هذا الجهاز يعرفه إن

كان صادقًا أو كاذبًا بمجرد تركيبه على جسمه وتشغيله أثناء الاستجواب.

فإذا صدق الضحية إن الجهاز قادر على كشف ما تخفيه نفسه، وكان ما يخفيه خطيرًا ازداد اضطرابه وربما إنهار واعترف، أما إذا لم يعترف رغم إشارات الجهاز فسيعودون إلى تعذيبه من جديد. ولو كانوا يعتقدون بصحة مدلولات إشارة الجهاز لما عادوا إلى تعذيب الضحية إن كان الأمر يتعلق بتثبيت التهمة والإدانة. إنهم يريدون اعترافه بلسانه وهي عقدة العقد، فإذا حلت هذه العقدة سهل بعد ذلك اعترافه عن شركائه وعن الأدوات المستخدمة.

  • مواصفات الجهاز وطريقة استخدامه:

الجهاز أشبه بالمسجل «ريكوردر» وهو لا يسجل الصوت من أجل سماعه، وإنما يسجل ذبذبات الصوت من حيث القوة والضعف، ومن حيث السرعة والبطء، يسجلها على شكل رسم بياني على شريط، كما يسجل سرعة الدم وقوة ضغطه وأية حركة عضلية. كما يسجل سرعة التنفس وتواترها أو تقطعها.

كما يسجل ما يسمى في علم النفس «بزمن الرجع» وهي الفترة الزمنية التي تبدأ بانتهاء السؤال من قبل المحقق «رجل المخابرات» وتنتهي ببدء الإجابة من المتهم «الضحية» ويعول علماء النفس أهمية كبرى على زمن الرجع هذا، إذ إن التسرع في الإجابة أو الإبطاء فيها له مدلوله في إخفاء السر أو البحث عن جواب مقنع ومنجِّ في نفس الوقت.

كما أن التناقض في الإجابة على سؤالين مختلفين لفظًا متفقين معنى وفي وقتين مختلفين يعني أن المتهم يكذب، لأن التناقض يعني الكذب. 

وهنا تكون ملاحظة المحقق للمتهم غاية في الدقة والانتباه والقدرة على التحليل والتركيب، ولا يعتمد فقط على معطيات الجهاز وكأنها مسلمات لا تقبل النقاش.

يثبت على الجهاز شريط لولبي أشبه بحبل التليفون يلف على صدر المتهم لتسجيل عملية التنفس وحركة الصدر أثناءها. كما يلف على ذراع المتهم كيس قابل للنفخ أشبه بكيس ضغط الدم لدى الأطباء. وهذا الكيس موصول بالجهاز لتسجيل ضغط الدم وتوترات العضلات أثناء الاستجواب. يطلب من المتهم قبل تشغيل الجهاز أن يجلس في حالة استرخاء تام بعد أن تتم طمأنته، والإيحاء له بأن هذا الجهاز موضوعي وغير منحاز، وأنهم يتمنون عليه أن يكون بريئًا إن قرر الجهاز ذلك، وبالتالي فلا مفر لهم بعد ذلك من الإفراج عنه.

 وهم في هذه الحالة يكذبون لأن نتيجة عمل الجهاز وضعوها مسبقًا وهي أن هذا المتهم «الضحية» يخفي شيئاً أي يكذب، وبالتالي فلا مفر له من الاعتراف. فإذا كان المتهم ساذجًا صدق كلامهم ووقع في الفخ وربما إنهار واعترف. أما إذا كان ذكيًا وأدرك أن عمل المخابرات أولًا وأخيرًا يعتمد على الذكاء INTELLIGENCE وهو الاسم الأجنبي لجهاز المخابرات فإنه يستطيع تضليل المحقق وجهازه معًا.

  • كيف يمكن تضليل جهاز كشف الكذب؟

المسألة في غاية البساطة، فالجهاز لا يعلم ما في نفس المتهم، وإنما يسجل بعض التغيرات الفسيولوجية داخل جسمه كما قلنا، وهذه التغيرات إذا كانت لا إرادية فإن في استطاعة المتهم أثناء تشغيل الجهاز على جسمه أن يفتعل تغيرات إرادية تشوش على الجهاز وتربك المحلل النفسي «المحقق» الذي يستخدمه، فمثلًا يمكن للمتهم أن يكتم نفسه وقتما يريد أو يستنشق كمية كبيرة من الهواء أو يتنهد عند إجابته على سؤال بعيد كل البعد عن موضوع التهمة. كما يمكن أن يطيل من زمن الرجع ويقصر منه. كما يمكن أن يرفع صوته في الإجابة على أي سؤال أو يخفضه. وبالمثل فإنه يستطيع أن يحرك عضلة ذراعه حركة بسيطة فتكون كفيلة بالتشويش على شريط قياس ضغط الدم. 

ويمكنه أن يكرر هذه الحركات وغيرها عند إعادة الاختبار وعند إجابته على نفس الأسئلة الأولى إذا شاء؛ ليوحي للمحقق أن أسئلة معينة  يحصل فيها الاضطراب الجسمي، بينما هي لا قيمة لها في سياق التحقيق، وإنما حشرت ضمن الأسئلة الخطيرة حشرًا؛ ليقارن المحقق بين التغيرات الفسيولوجية العادية والتغيرات الفسيولوجية في حالة الأسئلة موضوع الاتهام. وهنا يحتار المحقق في أمر المتهم فيعزف عن الاعتماد على معطيات الجهاز وهو أصلًا لم يستخدم الجهاز إلا لعجزه عن الحصول على أسرار المتهم بالوسائل الأخرى، وبذلك يكون المحقق قد فشل في مهمته. 

تحضر الأسئلة عادة من واقع الشبهات التي تحوم حول المتهم، فتوزع الأسئلة موضوع التهمة بين مجموعة من الأسئلة العادية والمعروفة الإجابة، ويطلب من المتهم أن يجيب على كل سؤال بنعم أو لا. ولو افترضنا أن الأسئلة عشرة، فيها ثلاثة أسئلة ذات شأن والبقية معروفة الإجابة فإن المحقق يرتبها كما يلي:

1- هل اسمك فلان؟

2- هل أفطرت هذا الصباح؟

3- هل تعرف أنني محقق؟

4-هل تنتمي إلى حركة المقاومة؟

5 - هل تعرف أن هذا جهاز كشف الكذب؟

6- هل أنت يهودي؟

7- هل تحب "إسرائيل"

8- هل لديك أسلحة مخبأة؟

9- هل تحب رؤية أهلك؟

۱۰ - هل قمت بعمل ما ضد الأمن؟

وهكذا يتضح أن الاسئلة ٤ ، ٨، ١٠ هي بيت القصيد، ولذلك يجري التدقيق في إشارات الجهاز لمعرفة مدى التغيير الفسيولوجي الناشيء عن الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة، ومدى اختلافه عن الإشارات المرافقة للإجابة على الأسئلة الأخرى. 

وفي حالة ارتباك الإشارات وعدم تركيزها على هذه الأسئلة بالذات نتيجة الحركات الإرادية المفتعلة التي أشرنا اليها فإن المحقق لا يستطيع أن يصل إلى نتيجة.

  • اختبار مدى قدرة المتهم على الكذب:

وربما يجري اختبار مسبق على هذا الاختبار لمعرفة مدى قدرة المتهم على الكذب، أي مدى قدرته على إخفاء الحقيقة دون أن يظهر ذلك على الجهاز، وذلك بأن يوضع خلف المتهم مرآة وأمامه الجهاز والمحقق، ويعطي المتهم من أوراق اللعب «الكوتشينا أو الجنجفا» عشرة أوراق ذات أرقام مسلسلة. يحملها المتهم بحيث يكون ظهرها إلى المحقق، يسحب المحقق منها ورقة، ويعيدها إلى مكانها دون أن يعرف رقمها، بينما يرى المتهم الرقم، ثم يسأل المحقق المتهم: هل سبحت الرقم (1)؟ هل سحبت الرقم (۲)؟ وهكذا حتى يصل إلى الرقم (۱۰) ويطلب من المتهم أن يجيب على جميع الأسئلة بالنفي حتى على الرقم الصحيح، ويراقب الجهاز أثناء الاستجواب، فإذا حصل اضطراب فسيولوجي عند أحد الأرقام يكون المتهم غير قادر على الكذب لأن الارتباك ظهر على الجهاز، ومعنى ذلك أن المتهم صادق.

والحقيقة أن المحقق يستطيع معرفة رقم الورقة من المرأة التي خلف المتهم... ولذلك يفاجيء المتهم بالقول إنني سحبت الورقة ذات الرقم «كذا» لأن الجهاز كشف أنك كذبت عند هذا الرقم، وبالتالي فإنك لا تستطيع أن تخفي كذبك على هذا الجهاز.

 فإذا كان المتهم ذكيًا فإنه يتظاهر بأنه مستبشر خيرًا عن هذا الجهاز الذي سينقذه ويظهر براءته... وهنا يتظاهر المحقق بالنزاهة والتمني على المتهم بأن يكون بريئًا....

ثم يجري الاختبار الثاني الذي أشرنا إليه، ويتظاهر خبراء الجهاز بالاجتماع لتحليل نتائج الاختبار، ثم يفاجئون المتهم بأن الجهاز يؤكد على أنه كاذب متصورين أن ذلك سيؤدي إلى انهيار المتهم واعترافه. وهنا تأخذ لعبة الذكاء مداها عند المتهم حين يفاجئهم بالقول: إن الجهاز كشف عن أنني صادق، ومع ذلك فإنكم لا تصدقون الجهاز.... وعندئذ تبدأ مرحلة جديدة من لعبة المخابرات مع المتهم الضحية....

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل