العنوان سنة الله في ابتلاء الأمم في ضوء الكتاب والسنة «1»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 24-نوفمبر-1991
مشاهدات 69
نشر في العدد 977
نشر في الصفحة 55
الأحد 24-نوفمبر-1991
الحمد لله رب العالمين
الحمد لله رب العالمين على نعمة كشف البلاء، وإزاحة الغم والرعب عن
أرض الكويت، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، والحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات، وبعد.
إن هذا القرآن الكريم الذي بين أيدينا إنما أنزله الله ليكون منهجًا
لحياتنا، ونبراسًا نهتدي به في خطواتنا، نتعلم منه العبر والدروس والسنن التي لا
تتغير ولا تتبدل، (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ
تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر:43).
فهي
سنن ثابتة للأفراد والجماعات والأمم والمجتمعات. من فقه هذه السنن وتعامل معها كان
من أسعد الناس، ومن تعامى وغض الطرف عنها، كان من أتعس الناس وأشقاهم.
فالقرآن الكريم كتاب إنما أنزله الله للعمل والتطبيق في واقع البشر في
كل زمان ومكان، وليس للقراءة المجردة والتبرك في المناسبات. وهذا يدعونا إلى أن
نتلمس هذه العجائب التي مُلئ بها القرآن، والتي من أبرزها تلك السنن التي يسوقها
الله- تعالى- على سبيل المثال والقصة، حتى يسهل علينا استلهام العبر ومعرفة السنن؛
ليتم التعامل معها وفق القانون الذي يريده الله تعالى.
ومن هذه السنن المذكورة في القرآن الكريم، سنته- سبحانه وتعالى- في
ابتلاء الأمم والمجتمعات والأفراد، وسنته في كشف البلاء، أو تأخير ذلك الكشف،
ومنها التحذير بعد الكشف، ثم الانتقام عند الإصرار.
ولقد مرت الكويت بتجربة عظيمة، مليئة بالعبر والدروس، ولقد انطبقت
عليها سنة من سنن الله- تعالى- في المجتمعات، كما حدث لأمم ومجتمعات سبقت.
والمطلوب من أهل هذه التجربة- ومن أصابهم شيء منها، ومن تشابهت ظروفهم من أهل
المنطقة بظروف الكويت، ثم من كل مجتمع مسلم- أن يتدارس هذا الحدث الخطير دراسة
متأنية من جميع الجوانب، سواء السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو الجانب
السنني المستلهم من قرآن ربنا. وهذا هو محتوى هذا البحث، وذلك للقيام بواجب
الإعلام والتحذير من مغبة الجهل بهذه السنن التي لا تتبدل ولا تتحول، وتمضي بتناسق
وترتيب عجيبين، وتنطبق على الجميع دون الاعتبار للزمان أو المكان أو الجنس.
وحتى يسهل علينا إدراك هذه السنن، سوف نقوم بمنهجية التقسيم إلى
مراحل، وذلك من خلال عدة سور في القرآن الكريم، ونسأل الله- تعالى- أن يجنبنا
الفتن صغيرها وكبيرها، ويوفق الولاة والشعوب للوقوف عند هذه السنن والتعلم منها،
حتى لا يفوت القطار، حيث لا ينفع الندم ولا البكاء والحسرات. والعاقل من يسمع الحق
ويعمل بمقتضاه، والأحمق من يتبع هواه ويعطل سمعه وعقله كما يقول أهل النار يوم
القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا
كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: 10). والله الموفق لكل خير.
المرحلة 1 - مرحلة الابتلاء
ويلاحظ في هذه المرحلة عدة أمور منها: أ- شدة الابتلاء. ب- بروز الضعف
البشري. ج- الالتجاء إلى الله- تعالى- وحده بإخلاص كامل، وتجرد عن جميع الأسباب
الأرضية التي كان يُلجأ إليها، وذلك يتمثل بعدة مظاهر: 1- كثرة الدعاء. 2- التقرب
إلى الله بشتى أنواع القرب. 3- التوبة من المعاصي الماضية. 4- العودة للفطرة. د-
معاهدة الله بسلوك الصراط المستقيم بعد رفع البلاء. هذه الملاحظات نجدها تتكرر في
جميع الآيات الكريمة التي تتحدث عن مرحلة الابتلاء لأي أمة من الأمم، أو فرد من
الأفراد، أو مجموعة من البشر.
أنواع البلاء
والبلاء لا يتحدد بنوع واحد، إنما يتنوع بتنوع المعاصي التي يقترفها
بنو البشر، أو غايات البلاء. والقرآن الكريم فصّل فيها حينًا، وذكرها على صفة
العموم حينًا آخر، فقد ذكرها بالتفصيل في ابتلائه لآل فرعون بقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ
وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (الأعراف:133)، وذكرها على صفة العموم في مواقع أخرى، وذلك بقوله
تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾
(يونس:12)، وقوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ (الأعراف:134)،
وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ (الأنعام:40).
ولكننا يمكن أن نقسمه إلى ثلاثة أنواع رئيسية: أ- البلاء الاعتيادي:
وهو ما يصيب الإنسان من الأمراض وفقدان الأحبة، ونقص الأموال والثمرات وما شابهها.
ب- الكوارث الطبيعية: وهي الكوارث العظيمة في حياة المجتمعات، والتي يطلق
عليها الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والبراكين. ج- الفتن العظيمة:
وهي التي تصيب المجتمعات، والتي يترتب عليها الكثير من الابتلاء الاعتيادي،
والكثير من الظلم، وانتهاك للكثير من مقاصد الشرع الخمسة التي حث على حفظها، وهي
"الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال".
وهذا النوع هو الذي أصاب الكويت، وهو مدار دراستنا في هذا البحث.
والقرآن الكريم في الكثير من الآيات يذكر جانبًا من هذه الكوارث، والذي عادة يكون
الجانب القدري كما يطلق عليه الإمام ابن القيم، مثل هيجان البحر، والدخان، وسقوط
الحجارة من السماء وما شابهها، ويذكر الطبائع البشرية التي تبرز خلال هذا البلاء،
مما يعطي المرء إدراكًا أوسع بحجم هذه الطبائع، وحجم الخسارة المترتبة على جوانب
كثيرة من البلاء، تحت صورة بلاء واحد، وهو ما حدث للكويت.
ولا بد من ملاحظة أمر هام، وهو أن البلاء لا يأتي بسبب الذنب فقط، ولو
كان كذلك فلماذا يكون الأنبياء أشد الناس بلاءً؟ ولو كان بسبب الذنب فقط لكان غير
الكويت ممن هم قريب منها أحق بذلك البلاء؛ لأن المعاصي عندهم أضعاف ما في الكويت،
إلا أنه ليس السبب الوحيد، بل هناك عدة أسباب منها حب الله لقوم ما، والاختبار
والتمحيص وتكفير الذنوب، وغيرها.
السفينة الماخرة وغضبة البحر
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ
الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء:67)،
ويقول تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ﴾ (العنكبوت:65)، ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (لقمان:32)، ويقول تعالى: ﴿هُوَ
الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي
الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ
عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (يونس:22).
يقول صاحب الظلال: "والسياق يعرض هذا المشهد- مشهد الفلك في
البحر- نموذجًا للحظات الشدة والحرج؛ لأن الشعور بيد الله في الخضم أقوى وأشد
حساسية، ونقطة من الخشب أو المعدن تائهة في الخضم، تتقاذفها الأمواج والتيارات،
والناس متشبثون بهذه النقطة على كف الرحمن.
إنه مشهد يحس به من كابده، ويحس بالقلوب الخافقة الواجفة المتعلقة بكل
هزة وكل رجفة في الفلك- صغيرًا كان أو كبيرًا- حتى عابرات المحيط الجبارة التي
تبدو في بعض اللحظات كالريشة في مهب الرياح على ثبج الموج الجبار!
والتعبير يلمس القلوب لمسة قوية، وهو يشعر الناس أن يد الله تزجي لهم
الفلك في البحر، وتدفعه ليبتغوا من فضله ﴿إِنَّهُ
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (الإسراء: 66). فالرحمة هي أظهر ما تستشعره
القلوب في هذا الأوان.
ثم ينتقل بهم من الإزجاء الرخي إلى الاضطراب العتي، حين ينسى الركب في
الفلك المتناوح بين الأمواج كل قوة وكل سند وكل مجير إلا الله، فيتجهون إليه وحده
في لحظة الخطر لا يدعون أحدًا سواه: ﴿ضَلَّ مَنْ
تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء:67)(1).
(1) الظلال 4/2240.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل