العنوان ماذا عن اللاجئين الأفغان في باكستان؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-1987
مشاهدات 71
نشر في العدد 829
نشر في الصفحة 22
السبت 01-أغسطس-1987
ثلاثة ملايين من الناس! الشيوخ والعجزة، والمشوهين، ذكورًا وإناثًا مع أطفال رُضَّع وصغار، ثلاثة ملايين من هؤلاء! وكذلك نفس العدد من الماعز والخراف والحيوانات الآكلة للعشب، هذا هو الحشد من الناس الذين تدفقوا من على هضاب أفغانستان إلى الأقاليم الباكستانية المجاورة خلال الخمس سنوات ونصف الأخيرة.
أصبحت هجرة الشعوب الجماعية تفاديًا لقساوة ووحشية الإنسان والطبيعة حقيقة واقعة خلال العصور، لكن التاريخ لم يشهد مثل هجرة الأفغان وتجمع ثلاثة ملايين من أناس بدون مأوى في بلد ليس غنيًّا مثل الباكستان، وإضافة إلى ذلك فلم يتوقف هذا التدفُّق، بل يتفاقم هذا العدد من خلال وصول دفعات متتالية بمعدل آلاف عديدة كل شهر منذ «أبريل» نيسان 1978.
وبعد سنة ونصف تقريبًا، أي في أيلول «سبتمبر» 1979، جاء ما يقرب من 200,000 من اللاجئين الأفغان ينشدون ملجأ في الباكستان، لم تكن هذه عندئذ لتعتبر مشكلة كبيرة، وذلك لأنه لم يتوقع أحد في ذلك الوقت أن تتبدل الأحوال في أفغانستان بحيث تقوم دولة عظمى بالتدخل والغزو بقوات كبيرة، وبأن الباكستان ستصاب بمسؤولية ثلاثة ملايين من الأرواح.
المشكلات الرئيسية:
لقد كان لهذا التدفق أثر كبير مثل ما كانت نتائجه مختلفة وذات أبعاد كبيرة.
فعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي أدَّت هذه الحادثة إلى سوء في علاقات الباكستان ليس فقط مع أحد جيرانه الذين تربطه معه علاقات دينية وعرقية خلال قرون عديدة، لكن أيضًا مع دولة عظمى، ومع دخول الجيش السوفييتي إلى أفغانستان، أصبحت الباكستان دولة «مواجهة» إذ تم خلخلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية في الباكستان.
ونجد أنه حتى الآن، بقيت الحدود الشمالية والشمالية الغربية للباكستان آمنة من الناحية العسكرية، على الرغم من تحرش أفغانستان من خلال ما يُسمَّى بتأييدها لباختونستان.
وتقف الباكستان الآن وجها لوجه أمام قوة عظمى في الشمال، بعد قيام روسيا بالضم الفعلي لإقليم «واخان»، وبشكل غير مباشر إلى الجهة الشمالية الغربية حيث تقوم روسيا بمساعدة وتوجيه حكومتها العملية في كابول.
وبالنسبة للأفغانيين هي مسألة نزاع الأيديولوجيات إذ تقف الشيوعية الملحدة أمام عقيدة ثابتة وهي الإسلام، وقد يعاني أفراد الشعب الأفغاني من الأمية، والقَبَليَّة وما إلى ذلك، لكنهم محاربون أشداء، لا يخضعون لأي من الغزاة.
وقد قاموا بالدفاع بحماس وغيرة عن شرفهم وعقيدتهم بنفس القدر الذي قاوموا من خلاله، وبازدراء إغراءات المادية التي قد تجلب معها الإباحية والاختلاط وتؤدِّي إلى تهديم الصرح الأخلاقي للمجتمع.
ومع هذا، لا تستطيع الباكستان فعْلَ شيء، إذ لا تستطيع إغلاق 1500 ميل من الحدود بواسطة هضاب وجبال وعِرَة، ولا يمكن للباكستان أن توجه بنادقها إلى صدور إخوانها في العقيدة، إلى النساء والأطفال العُزل الذين ترتبط معهم بروابط العرق واللغة والثقافة، ولا يمكن للباكستان أيضًا أن تصدَّ هؤلاء اللاجئين الذين طُردوا من ديارهم، ذلك لأن الإسلام يأمر بتأمين الحماية حتى للعدو الذي يستسلم.
العوامل الاقتصادية والاجتماعية:
على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، يعتبر تدفق اللاجئين مُقْلقًا في باكستان مما أدَّى إلى قلب مشاريع التطوُّر في الباكستان رأسًا على عقب، حيث تبلغ قيمة المعونات الغذائية من قمح وزيت وأكل وحليب البودرة من برنامج الغذاء العالمي «UN WFP» التابع للأمم المتحدة، 134 مليون دولار وبرامج الأمم المتحدة الأخرى المتعلقة باللاجئين يغطيها 75 مليون من نسبة 51% لمساهمتها.
يمنح كل لاجئ مبلغًا نقديًا شهريًا قيمته 50 روبية ويصل حتى 350 روبية لكل عائلة كحد أعلى، وتشمل الإعانة المعاشية على المأوى في شكل خيمة لكل عائلة أو مواد بناء لتشييد الأكواح من الطين، وأدوات الطبخ والمحروقات والمدافئ والأحذية والبطانيات، بالإضافة إلى 25 لتر من الماء لكل فرد كل يوم، وكذلك تم تأمين مستوصف طبِّي ومدرسة ابتدائية واحدة لكل مخيم مؤلف من 1500 عائلة لاجئة مؤلفة من 10,000 فرد.
الصحة:
وعلى صعيد برامج الرعاية الصحية هناك 177 وحدة صحية أساسية
و43 وحدة صحية تابعة لها، يقوم بإدارتها 200 طبيب و110 مساعدي أطباء لتأمين المعالجة الشفائية، وبالإضافة إلى ذلك يوجد هناك 500 سرير في المستشفيات المدنية عند الطلب يتم تغطية نفقاتها من صندوق إغاثة اللاجئين.
وهناك أيضًا 600 مدرسة ابتدائية ومزودة بـ 2000 معلم ثلثاهم من اللاجئين أنفسهم، وهي كلها ترعى أطفال اللاجئين، ويوجد أيضًا 52 مدرسة للبنات من أصل 600، ومسجل فيها 5300 تلميذة، وهناك أيضًا أكثر من 400 طالب ثانوي يدرسون على نفقة الحكومة الباكستانية براتب شهري مقدار 600 إلى 700 روبيّة شهريًّا لكل طالب يستحق ذلك في الدراسات المهنية.
الفاتورة الضخمة
الفاتورة ضخمة، والمهمة كبيرة فلن تستطيع دولة لوحدها أن تحمل عبئًا كبيرًا ومع ذلك فهناك معونات حيث قامت دول عديدة وجمعيات خيرية متعددة بإرسال إسهاماتهم التي يستطيعون تقديمها -غذاء وألبسة ومواد طبية- جمعيات الهلال الأحمر من العربية السعودية والكويت والسودان، وبالإضافة إلى اللجنة الدولية للصيب الأحمر، ومنظمات الإغاثة من السويد وإيطاليا، وصندوق إنقاذ الطفل من المملكة المتحدة وذلك من أجل التخفيف عن البؤس الذي يعاني منه اللاجئون، وتعمل هذه المساحات المادية على المشاركة في بعض من العبء الذي تتحمله الباكستان، بينما دعت غالبية المجتمع الدولي إلى انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، وكذلك إعادة استقلالها، هذا كله يقدم الدعم المعنوي في مهمتها الصعبة.
على أية حال، يمكن أن يؤدي بقاء اللاجئين المطول في باكستان إلى مشكلات اقتصادية واجتماعية في بلد نام حيث لا يتم تأمين العمل لأبنائه، وقد يؤدي ذلك إلى تعقيد المشكلة نتيجة للتعب أو الجهد الحاصل من تقديم الإعانات، وكذلك قد تؤدي كوارث فجائية مثل المجاعة في إثيوبيا وبعض البلدان الإفريقية أو عاصفة في بنغلاديش إلى طلب أكثر من الجهات الدولية التي تقدم الإعانات. ولا حل يكون جذريًّا إلا بانسحاب الروس من أفغانستان، فهل ينسحبون؟