العنوان الأرض أرض الله والمال مال الله
الكاتب د.أبو بكر أحمد السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1983
مشاهدات 60
نشر في العدد 602
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-يناير-1983
نشرت مجلة المجتمع في عددها رقم (595) موضوعًا حول جواز استخدام أجيرين بأجرين مختلفين مع تساويهما في الكفاءة والجهد، إن التعاقد العام- كما في قطاعات التعليم والصحة والبلدية وسائر المرافق- يجب أن يخضع لما يحقق المصلحة العامة لهذا المرفق، والمصلحة الإسلامية العليا، والعدل المطلق الكامل بين من يتعاقد معهم، فيجب أن يسوي بينهم كلما تساووا في الكفاءات والمؤهلات والخدمات، أما المخالفة بينهم في العقود لاعتبارات أخرى شخصية أو فردية أو ما إليها فلا يقرها الشرع، ولا تتحق معها المصلحة العامة لأنها توقظ الأحقاد، وتمزق الأمة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (الشورى: 15)، ويقول ابن القيم: «إن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض».
والحقيقة أن هذه الظاهرة التي أشار إليها السائل، والتي أفتى بحرمتها العالم تمثل واحدًا من أعراض مرض منتشر في بعض البلدان العربية، ونعني به مرض التفرقة بين الناس حسب جنسياتهم أو أحسابهم أو أنسابهم أو عائلاتهم، ذلك المرض الذي يؤدي إلى انتشار الضغائن، وإنهيار الأمة وتخلفها، لأن الله تعالى لا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
ومن الأعراض الأخرى لهذا المرض على سبيل المثال لا الحصر: التفرقة بين الناس في التعيين في المناصب والوظائف، وفي دخول معاهد التعليم، وفي العقوبات على الجرائم، وفي الاهتمام بالمناطق السكنية، وفي حقوق التملك والبيع والشراء والشئون التجارية.
إن الله تعالى الذي ابتعثنا نحن المسلمين لنخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، لا يقبل منا هذا التمييز العنصري، ففي مجال التعيين في المناصب مثلًا يقرر الإسلام أن ميزان التفاضل والتقديم والتأخير بين الناس هو تقوى الله تعالى والكفاءة في إدارة الأعمال وتحمل المسئوليات، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعمل رجلًا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» (الحاكم)، ويقول: «من ولى من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنه الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يدخله جهنم» (الحاكم)، فجنسية الإنسان أو نسبه ليست من الأمور التي سيسأل عنها ويحاسب عليها يوم القيامة «إن الله لا يسألكم عن إحسابكم ولا أنسابكم يوم القيامة» ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13) فيكف تكون معيارًا ومقياسًا للمفاضلة والتمييز بين الناس في الدنيا؟
وإذا قال قائل- دفاعًا عن تمييز دولة لبنيها وحاملي جنسيتها- إن الأرض أرضهم والمال مالهم، فلهم أن يتصرفوا في الأرض والمال كما يشاءون، قلنا: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (الأعراف: 128)، والمال مال الله، وإنما نحن مستخلفون في هذه الأرض وفي ذلك المال ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33) ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7) فهو سبحانه قد استخلفنا لينظر كيف نعمل وكيف نتصرف في هذه الأموال، ثم ليحاسبنا على ما قدمت أيدينا، لا لنهب ما نشاء لمن نشاء من ذوي قرابتنا أو قبيلتنا أو بني جنسيتنا، ولا نبدد ثروة هي من حق المسلمين جميعًا على اختلاف أوطانهم وأزمانهم، فالمسلمون أمة واحدة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
وإذا قال آخر: فهل يقبل أن تسوي الدولة بين أبنائها وبين غير المسلمين العاملين بها كالهندوس وعباد البقر والسيخ والفلبينيين والكوريين والبوذيين.. ألخ؟ قلنا: وكيف سمح ابتداء لهذه الأمواج البشرية من غير المسلمين بدخول بلاد المسلمين يبذرون فيها بذور معتقداتهم الباطلة، وينشرون فيها أخلاقهم الفاسدة، ويستغلون ثروات المسلمين وخيراتهم، في الوقت الذي يحاربون فيه الإسلام والمسلمين في بلادهم، وفي الوقت الذي ينتشر فيه الفقر والبؤس في بعض بلاد المسلمين، فهم أوْلى من غير المسلمين بالعمل في بلاد أخوانهم في العقيدة، بالإضافة إلى وجود كثير من المسلمين من ذوي الكفاءات العالية والذين ترفض طلباتهم للعمل في بلاد المسلمين فيضطرون للعمل في بلاد الغرب والتي تستفيد بدورها من هذه الخبرات والكفاءات في التقدُّم والتطوير.. أما إذا كانت هناك حاجة حقيقية لعمل غير المسلمين في بلد مسلم- لتخصصاتهم أو خبراتهم مثلًا- فلهم أن يأخذوا حقوقهم كاملة، وهذا يوضح لهم صورة الإسلام المشرقة وعدله مع الناس كافة.
إن الأمة الإسلامية أمة ذات عقيدة ورسالة، وهي مكلفة بإبلاغ هذه الرسالة إلى كافة البشر، ومن أهم وسائل الدعوة وإبلاغ الرسالة تطبيق مبادئها عمليًّا في حياة المسلمين، فإذا رأي الناس ولمسُوا هذه المساواة الإنسانية والعدل المطلق في بلاد المسلمين كان ذلك من أهم عوامل حبهم لهذا الدين، واقتناعهم بصلاحيته، ودخولهم فيه بإذن الله أفواجًا، كما دخل فيه الأولون في مشارق الأرض ومغاربها، خاصة وأن البشرية قد ذاقت ويلات حروب عديدة بسبب افتخار الناس بأجناسهم وأنسابهم وقومياتهم وألوانهم ودمائهم.
إن الإصرار على تمييز فئة معينة من الناس لأنها تنتمي إلى جنسية معينة أو قبيلة خاصة أو لون ما، قد يؤدي إلى أضرار بالغة لم تكن في الحسبان، فقد يكلَّف شخص ما بإدارة عمل ليس له فيه خبرة كافية فلا يدار العمل بكفاءة، وقد يكون الشخص من أهل التعصب لطائفته أو مذهبه فيضطهد الآخرين، مما يؤكد أهمية الصلاح والتقوى في التعيين في المناصب كما ورد في الحديث النبوي السابق.
إنه لمن الخطأ الجسيم أن نربي الناس صغارًا على الافتخار بأوطانهم وقومياتهم، وأن نميز بينهم كبارًا بسبب عصبياتهم وجنسياتهم، أو عائلاتهم وألوانهم، فما معنى هذه التفرقة البغيضة التي تؤغر الصدور وتثير الأحقاد؟ ما ذنب إنسان في أنه ولد في بلد كذا أو على أرض كذا أو من قبيلة كذا؟ لقد كان المسلم الأول ينتقل من بلد لآخر ولا يشعر بهذه الحواجز أو تلك التفرقة التي يلمسها اليوم، فمثلًا كان يولد في كابل ويتلقى علومه في دمشق ويقوم بالتدريس في بغداد ويجاهد في عين جالوت ويموت في سمرقند، فجنسيته عقيدته، ووطنه كل أرض ترتفع عليه راية لا إله إلا الله، لا يشعر في أي أرض بتفرقة أو تمييز وإنما المؤمنون إخوة..
وإنه لمن المؤسف أن نرى هذه التفرقة في بعض بلاد المسلمين ولا نراها في بعض بلاد الغرب «باستثناء المناصب الإدارية الكبيرة» بل إن مرض التفرقة هذا ليمتد في بعض بلاد المسلمين ليفرق بين أبناء الجنسية الواحدة فيقسمهم إلى طبقات ودرجات، ولأبناء كل طبقة حقوقهم وامتيازاتهم الخاصة بهم.
إن انتشار هذا المرض لهو سلاح خطير يمزق المسلمين شِيَعًا وأحزابًا متباغضة، ويفتك بهم، ويضعف صفوفهم، فهو أخطر عليهم من عدوهم، من خارج بلادهم، فعلى المخلصين من أبناء هذا الدين أن يسارعوا إلى تخليص الأمة من هذا الداء اللعين، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل