; آسيا الوسطى: إغلاق القاعدة الأمريكية في «قرغيزستان» ضربة لمحاولات الهيمنة الغربية على منطقة آسيا الوسطى | مجلة المجتمع

العنوان آسيا الوسطى: إغلاق القاعدة الأمريكية في «قرغيزستان» ضربة لمحاولات الهيمنة الغربية على منطقة آسيا الوسطى

الكاتب فاطمة إبراهيم المنوفي

تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009

مشاهدات 72

نشر في العدد 1846

نشر في الصفحة 26

السبت 04-أبريل-2009

إغلاق القاعدة رسالة قوية من روسيا بأن في استطاعتها تهديد القوات الأمريكية أينما كانت

قرار الإغلاق صفعة كبيرة للولايات المتحدة وانتكاسة للمخططات الأمريكية والغربية في المنطقة

روسيا ضغطت على قرغيزستان وأغرتها بمساعدات مالية واقتصادية ضخمة لتشجيعها على إغلاق القاعدة

رفض «واشنطن» محاكمة جنود أمريكيين عن جرائم ارتكبوها في «قرغيزستان» أشعل الغضب الشعبي وعجّل بإغلاق القاعدة

الأمريكان والروس يتنافسون على ثروات آسيا الوسطى.. والمسلمون أصحاب الثروات يتابعون بلامبالاة!

لم يكن إعلان السلطات القرغيزية إغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية في مطار «ماناس» بالعاصمة «بشكيك» بشكل نهائي أمرًا مفاجئًا، لأنه على مدى العامين الماضيين ارتفعت الأصوات القرغيزية المطالبة بإغلاق هذه القاعدة، عقب سلسلة من الانتهاكات والمخالفات القانونية والجنائية للجنود الأمريكان.. وزاد الأزمة احتقانًا رفض «واشنطن» رفع الحصانة عن جنودها، ولاسيما بعد اغتيال أحد الجنود لمواطن قرغيزي من أصل روسي، وهو ما زاد الاستياء الشعبي، ورفع وتيرة مناهضة السياسات الأمريكية.

والحقيقة أن الانتهاكات الأمريكية لم تكن السبب الرئيس المباشر وراء إغلاق القاعدة، وإنما هناك سببان آخران مهمان يمكن الحديث عنهما:

 أولهما: أن قرغيزستان عندما سمحت بهذه القاعدة العسكرية الأمريكية - التي جاءت على هوى الولايات المتحدة، نظرًا لقربها من روسيا واستخدامها كمركز رئيس لإمداد قوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أفغانستان بالعتاد والمؤن - توقعّت أن ينهال عليها الكرم والبذخ المالي الأمريكي؛ لينقذ البلاد من أزماتها المالية، وهو ما لم يحدث.

وثانيهما: أن هذه القاعدة أُنشئت في فترة كانت روسيا تترنّح فيها بفعل أزماتها الداخلية، وقد عادت الآن إلى رشدها وقوتها، وبدأت تناطح الولايات المتحدة مرة أخرى، وتعيد نفوذها أولًا إلى آسيا الوسطى – فنائها الخلفي - وتطرد النفوذ الغربي، وعلى رأسه هذه القاعدة، فبدأت تقديم مغريات مختلفة إلى قرغيزستان مقابل التخلي عن القاعدة الأمريكية.

كما أن شعوب آسيا الوسطى التي تخلصت من الشيوعية لم تذق طعم الديمقراطية، ولم تنعم برفاهية الغرب، ناهيك عن التعلق القوي لهذه الشعوب بروسيا، بعد أن فقدت الأمل في العثور على أخ أكبر يحل مكانها.

انتهاكات واحتجاجات

ربط الرئيس القرغيزي «قرمان بيك باكييف» قرار إغلاق القاعدة بسلوك الأمريكيين السيئ في البلاد، واستياء المواطنين القرغيز من وجودهم، بعدما أظهرت الحوادث التي ارتكبها الجنود الأمريكان أنهم يتمتعون بحصانة دبلوماسية كاملة، ولا يبالون كثيرًا بالقوانين القرغيزية!

والدليل على ذلك أنه في عام ٢٠٠٦م أطلق جندي أمريكي في القاعدة الجوية النار على سائق روسي من مواطني قرغيزستان يُدعى «ألكسندر إيفانوف» وأرداه قتيلًا، ودافع الجيش الأمريكي عن الجندي بعدما اغتال سائق الشاحنة الروسي، وزعم أن هذا المواطن القرغيزي كان يهدد الجندي الأمريكي بسكين، وأن التدريبات التي تلقاها تُملي عليه إطلاق النار في هذه الحال.

وقامت وزارة الخارجية القرغيزية بتسليم مذكرة إلى السفارة الأمريكية في «بشكيك» تطالب فيها برفع الحصانة عن الجندي القاتل؛ إلا أن الجيش الأمريكي سرعان ما سمح للجندي بالعودة إلى الولايات المتحدة دون أن يُحاكم، مما أثار غضب المواطنين القرغيز.

كما ماطل الجيش الأمريكي في دفع التعويض لأرملة القتيل، ولم يتم دفعها إلا قبل أيام قليلة من زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى قرغيزستان قبل عامين لتهدئة موجة الغضب.

وفي حادث آخر، صدمت سيارة «جيب» تابعة خاصة بضباط أمريكيين امرأتين قرغيزيتين ما أدى إلى تدهور حالتهما الصحية، ولم يكلف هذا الحادث الضباط إلا غرامات مالية زهيدة تتراوح بين ۳۰۰ و۷۰۰ دولار كتعويض، وإلى جانب ذلك آثار الضباط الأمريكان شجارات متكررة في نواد ليلية في «بشكيك»، أدت إلى إصابة السكان المحليين.

 وفي مطار «ماناس» الذي تقع فيه القاعدة العسكرية الأمريكية وقعت حوادث أخرى بسبب التقنيات الجوية الأمريكية، ففي سبتمبر ٢٠٠٦م، اصطدمت طائرة ركاب قرغيزية كان على متنها 5۲ راكبًا بطائرة صهريج أمريكية على خط الإقلاع، ولكن لم يصب أحد بضرر، واتهمت إدارة المطار الأمريكيين في هذه الحادثة وطالبتهم بتعويض الأضرار.

تحذير وتهديد

وحذّرت الخارجية القرغيزية آنذاك من أن استخدام القاعدة الأمريكية في مطار «ماناس» خارج إطار العمليات في أفغانستان يُعَدُّ أمرًا غير مقبول، وهدّد الرئيس القرغيزى «باكييف» بإصدار أمر بإغلاق القاعدة بعد أن طالب بنحو ۲۰۷ ملايين دولار كإيجار سنوي للسماح للقوات الأمريكية بالبقاء هناك. 

وتظاهر العديد من المواطنين القرغيز مرارًا وتكرارًا خارج السفارة الأمريكية في «بشكيك» تنديدًا باستمرار وجود القاعدة الأمريكية على أراضيهم، مطالبين واشنطن بسحب قواتها، كما طالب المحتجون الحكومة بإجراء استفتاء على إغلاق القاعدة التي أقامتها الولايات المتحدة عام ٢٠٠١م لدعم الحرب في أفغانستان بعد اتفاق مع قرغيزستان ينص على معاملة القوات الأمريكية معاملة سيادية بمنحها حرية الدخول إلى البلاد والخروج منها دون جواز سفر ودون تفتيش، وقيادة السيارات داخل البلاد بإجازة القيادة الأمريكية، وعدم المثول أمام الشرطة أو المحاكم القرغيزية في حال ارتكاب أي انتهاكات.

وقد أقر البرلمان آنذاك هذا القرار نظیر مساعدات أمريكية ضخمة تسهم في حل مشكلات البلاد الاقتصادية، بيد أنها لم تكف.

ضغوط وإغراءات!: وفي ظل عدم ارتياح روسيا من الوجود العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى مارست «موسكو» العديد من الضغوط على قرغيزستان لإجلاء القاعدة العسكرية الأمريكية الوحيدة في آسيا الوسطى، وهي المنطقة التي تَعُدُّها «موسكو» حديقتها الخلفية.

فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام ۱۹۹۱م، فقدت روسيا - ولاسيما في عهد رئيسها «بوريس يلتسين» - نفوذها جزئيًا في تلك المنطقة المهمة من العالم، حتى أن بعض المحللين رأوا أن روسيا تركت هذه المنطقة بلا صاحب.

واحتدم الصراع بين روسيا والولايات المتحدة للسيطرة على هذا الجزء الحيوي من العالم في عهد الرئيس «فلاديمير بوتين»، خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط، وبذلت «موسكو» قصارى جهدها للحيلولة دون تحوُّل استقلال الجمهوريات السوفييتية السابقة إلى استقلال حقيقي يجعل كلًا منها صاحبة قرار حر في علاقاتها الدولية.

ولأن روسيا تعلم جيدًا أن التوجه القرغيزي نحو قبول الوجود الأمريكي الواسع على أراضيها جاء مقابل مساعدات أمريكية ضخمة تسهم في حل مشكلات البلاد الاقتصادية التي تبلغ فيها نسبة الفقر أكثر من 80%، فقد وعدت «بشكيك» بمساعدات مالية كبيرة، مقابل الموافقة على إغلاق القاعدة الأمريكية.

وقدمت «موسكو» بالفعل قرضًا يُقدَّر بمليارَي دولار، هي قيمة الديون المستحقة على قرغيزستان على مدى سنوات وتعجز عن سدادها، إلى جانب دعم مالي قيمته ١٥٠ مليون دولار من أجل استقرار ميزانية قرغيزستان وتطوير مشاريع البنية التحتية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة، وبناء محطة التوليد «كامبارا - ١» بمساعدة روسية على نهر «يارين». 

كما قررت روسيا مضاعفة حجم استثماراتها في قرغيزستان بهدف خدمة التطور الاقتصادي والاجتماعي هناك، وأكدت عزمها على التعاون في مجال مكافحة الإرهاب واستعدادها للتنسيق مع قوات التحالف في أفغانستان من أجل توطيد الاستقرار والأمن في آسيا الوسطى.

أهداف روسية

ولعل أبرز أهداف روسيا من إغلاق القاعدة الأمريكية، والعودة إلى المنطقة، تتلخص فيما يلي:

 - استعادة نفوذها في الفضاء السوفييتي السابق، ولملمة ما تناثر من مكانة في مختلف أرجاء إمبراطوريتها السابقة.

- الحد من النفوذ الأمريكي في المنطقة بحرمان الولايات المتحدة من القاعدة العسكرية الوحيدة في آسيا الوسطى، خاصة مع إصرار «واشنطن» على نشر منظومة الدرع الصاروخية الأمريكية الجديدة في «بولندا»، وجمهورية «التشيك» بالقرب من الحدود الروسية.

وتزامنت هذه العودة الروسية مع دور صيني متزايد في دول آسيا الوسطى عبر «منظمة شنغهاي»، وشككت الصين كثيرًا في نوايا الحضور العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى، ورأت أنه قد يتجاوز ما وراء أفغانستان، وطالبت أكثر من مرة بإغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية في قرغيزستان، وبانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.

 وفي ضوء الإستراتيجيات المتباينة بين «منظمة شنغهاي»، والولايات المتحدة، طالبت المنظمة - خلال قمتها قبل أربعة أعوام بمدينة «أستانا» في جمهورية «كازاخستان»- طالبت «واشنطن» بتحديد موعد لإخلاء قواعدها العسكرية من آسيا الوسطى، كما صرح أعضاؤها بأن مهمة القوات الأمريكية في أفغانستان قد انتهت بتسليم السلطة إلى الأفغان.

مصالح متباينة

ورغم أن الأهداف التي أعلنتها «منظمة شنغهاي» هي نفس الأهداف الأمريكية بشأن ما يُسمَّى «الحرب على الإرهاب»، إلا أن الهدف الحقيقي للجميع هو الاستحواذ على الثروات الطبيعية الضخمة الموجودة في منطقة آسيا الوسطى، وخاصة الثروات الهائلة من النفط والغاز، وخطوط نقلهما إلى الأسواق العالمية. 

ولذلك تريد الصين تعزيز وجودها في المنطقة، وهو ما تشجعه دول آسيا الوسطى؛ بهدف الموازنة بين الدورين الروسي والأمريكي.

دلالات ونتائج

تبدو روسيا هي الرابح الأكبر من إغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية، الذي سيؤدي إلى عودة النفوذ الروسي بقوة إلى منطقة آسيا الوسطى، ما يُعد مؤشرًا مهما على استعادة روسيا لتأثيرها وثقلها البالغ في المنطقة، لاسيما وأن الشعوب هناك فقدت الأمل في إيجاد من يحل محل روسيا.

 وسيختل التوازن القائم بإغلاق القاعدة، لأن هناك منشأة عسكرية روسية على الأراضي القرغيزية؛ هي القاعدة الجوية في «قنت»، التي افتُتحت في أكتوبر ٢٠٠٣م.. وتُعَدُّ القاعدة من المكونات الجوية لقوات الانتشار السريع الجماعية في منطقة آسيا الوسطى التابعة لمنظمة «معاهدة الأمن الجماعي» التي تتعاون روسيا وقرغيزستان في إطارها منذ عام ١٩٩٢م. 

كما أن في إغلاق القاعدة رسالة قوية من روسيا بأن في استطاعتها تهديد القوات الأمريكية أينما كانت حيث كثر الحديث عن عودة الحرب الباردة أثناء الأزمة الجورجية، حينما دخلت القوات الروسية الأراضي الجورجية؛ لحماية حلفائها في جمهوريتي «أوسيتيا الجنوبية»، و«أبخازيا»، ورأى الكثير من المحللين أن هذه العودة هي بداية الصراع العالمي على النفوذ.

وقد يساعد هذا القرار حركة «طالبان» على تشديد الخناق على حلف «الناتو» والقوات الأمريكية، خصوصًا أنها بصدد تكثيف هجماتها ضد تلك القوات مع ذوبان ثلوج الشتاء وقدوم فصل الربيع، وبالتالي سيعيق خطة الرئيس باراك أوباما» حول أفغانستان زيادة عدد القوات الأمريكية في بنحو ١٧ ألف جندي.

ولذلك يُعَدُّ قرار الإغلاق صفعة كبيرة للولايات المتحدة وانتكاسة للجهود الأمريكية والغربية للسيطرة على آسيا الوسطى، ومن المؤكد أنه بإغلاق قاعدة «ماناس» ستصبح «واشنطن» عرضة للابتزاز الروسي.. فعلى الرغم من أن «أوزبكستان»، و«طاجيكستان» أعلنتا استعدادهما للسماح بمرور الإمدادات عبر أراضيهما، إلا أنهما اشترطتا أن تكون غير عسكرية، وبالتالي لا يوجد بديل أرخص وأسهل سوى «موسكو» لنقل الإمدادات العسكرية!

الرابط المختصر :