العنوان علاء الأسواني نزل بحر التاريخ وهو لا يجيد السباحة ( ٢ من ٢)- تشويه وتضليل متعمدان
الكاتب محمد هشام راغب
تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1958
نشر في الصفحة 35
السبت 25-يونيو-2011
أزمة « الأسواني» الفكرية أنه وقف أمام صفحات سوداء من تاريخنا وجعلها حصريا مصدر تفكيره .. ولو جعلها «موضع تفكيره » لزال الغبش عن فكره والغشاوة عن بصره
الخلافة ظلت قائمة لأربعة عشر قرنًا وانتابتها فترات قوة وضعف.. لكنها ظلت دائمًا رمزًا لوحدة المسلمين مع بقاء معظم الأقطار بأنظمة حكم تناسب ظروفها وبيئاتها
«ويل ديورانت» : الخليفة أبو جعفر المنصور كان يناصر الآداب والعلوم والفنون... أرغم الموظفين الفاسدين - ومنهم أخوه نفسه - على أن يردوا إلى بيت المال ما ابتزوه من أموال الدولة وكان يراعي الحرص الشديد في إنفاق الأموال العامة
«ساركوزي» يرفض انضمام تركيا لـ «النادي المسيحي» ويقول بصرامة: «إنني لا أستطيع اعتبار دولة غالبية سكانها مسلمون دولة أوروبية حتى وإن كانت تتبنى «النظام العلماني الديمقراطي»!
«جهاد الخازن» كتب بجريدة «الحياة» مهاجما الخلافة الإسلامية.. ولكنه اعتذر في اليوم التالي معترفًا بخطئه وسحب مقالته
كنت أريد أن أكتفي بما ذكرته - في العدد الماضي - حول مغالطات : «علاء الأسواني» عن تاريخ الحكم الإسلامي ولكن أزعجني أيضا أنه قفز على فترة الحكم العباسي واقتبس مقولة عن الخليفة أبي جعفر المنصور أنه قال: أيها الناس، لقد أصبحنا لكم قادة وعنكم ذادة (حماة) ، نحكمكم بحق الله الذي أولانا وسلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه وحارسه على ماله.....» لو ثبت أن المنصور قائل هذه العبارة فقد أخطأ وقد منع جمهور الفقهاء أن يقال: «خليفة الله» .. ونسبوا قائل ذلك إلى الفجور لأن الاستخلاف لا يكون إلا في حالة الموت أو الغيبة والله تعالى منزه عن ذلك.
وبالمناسبة، فإن حديث: السلطان ظل الله في أرضه، من نصحه هدي، ومن غشه ضل لا يصح، وحديث موضوع حكم بوضعه الشوكاني والألباني وغيرهما .
ولقد اجتهدت أن أجد أصل العبارة المنسوبة للمنصور دون جدوى، ولكن وجدت عبارة قريبة منها نقلها ابن كثير في «البداية والنهاية» عن إسماعيل الفهري قال: «سمعت المنصور على منبر عرفة يوم عرفة يقول: أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله أقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلاً، إذا شاء أن يفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني، فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه، إذ يقول: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾(المائدة : الآية ٣) سلوه أن يوفقني للصواب، ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم، والإحسان إليكم ويفتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، فإنه سميع مجيب».
وهذه الألفاظ أقرب في شرح مقصوده وقد قال الإمام الغزالي في «الإحياء» فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه».
شهادة غربية
وهنا أحيله مرة أخرى إلى نفس المصدر الغربي الذي بطبيعة الحال لا يجامل المسلمين، لنرى كيف يصفون أبا جعفر المنصور، يقول ويل ديورانت، في ترجمة المنصور، المجلد الخامس ص ٤٥١٨ ، ما نصه: «..... وكان الخليفة الجديد في سن الأربعين طويل القامة، نحيف الجسم، ملتيحًا، أسمر البشرة، شديدًا في معاملاته، ولم يكن أسيرًا الجمال النساء أو مدمنا للخمر أو مولعًا بالغناء، ولكنه كان يناصر الآداب والعلوم والفنون، ويمتاز بعظيم قدرته، وحزمه، وشدة بطشه، وبفضل هذه الصفات ثبت دعائم أسرة حاكمة لولاه لماتت بموت السفاح، وقد وجه جهوده لتنظيم الأداة الحكومية، وبنى مدينة فخمة هي مدينة «بغداد»، واتخذها عاصمة للدولة، وأعاد تنظيم الحكومة والجيش في صورتيهما اللتين احتفظا بهما إلى آخر أيام الدولة، وكان يشرف بنفسه على كل إدارة في دولاب الحكومة، وعلى جميع أعمال هذه الإدارات، وأرغم الموظفين المرتشين الفاسدين ومنهم أخوه نفسه - على أن يردوا إلى بيت المال ما ابتزوه من أموال الدولة، وكان يراعي جانب الاقتصاد بل قل الحرص الشديد في إنفاق الأموال العامة، حتى نفر منه الأصدقاء وأطلق عليه لشخه لقب «أبي الدوائق»، وقد أنشأ في بداية حكمه نظام الوزارة الذي أخذه عن الفرس، وكان له شأن عظيم في تاريخ العباسيين، وكان أول من شغل منصب الوزير في عهده خالد بن برمك، وقد اضطلع بواجب خطير في حكم الدولة، وكان له شأن فيما وقع في أيام الدولة العباسية من أحداث جسام، وعمل المنصور وخالد على إيجاد النظام والرخاء اللذين جنى ثمارهما الرشيد، ومات المنصور بعد أن حكم البلاد حكمًا صالحًا دام اثنين وعشرين عاما، وكان موته وهو في طريقه إلى مكة لأداء فريضة الحج، ولم يكن في وسع ابنه المهدي (٧٧٥) - (٧٨٥هـ) إلا أن يسلك في حكمه سبيل الخير وقد شمل عفوه جميع المذنبين إلا أشدهم خطرًا على الدولة». اهـ.
تشويه وتضليل
قارن هذه السيرة بقلم مؤرخ غربي لخليفة حكم الأمة لاثني وعشرين عاما بذلك الاقتباس الذي أورده الأسواني لترى تعمد التشويه والتضليل.
الأمر الثالث الذي تعرض له الأستاذ «الأسواني» في مقاله كان سخريته واستخفافه بالذين ينادون أو يحلمون بعودة «الخلافة الإسلامية»، وجعلهم نوعين من الناس: إما جاهل غافل أو سياسي مراوغ يريد الوصول إلى السلطة بأي طريقة.. يصعب مناقشة رأي يساق بهذا الاستخفاف وعلى أي حال فالخلافة الإسلامية حقيقة ظلت قائمة الأربعة عشر قرنًا تقريبًا، وانتابتها فترات قوة وضعف، لكنها ظلت دائمًا رمزًا لوحدة المسلمين مع بقاء معظم أقطار المسلمين في غالب الأحيان بأنظمة حكم وإدارة تناسب ظروفها وبيئاتها.
وهل يرفض أحد فكرة وحدة الأقطار الإسلامية حتى لو كانت حلمًا في ظروفنا الراهنة؟ إننا نشهد الخطوات المتلاحقة في بنية الاتحاد الأوروبي المثير للإعجاب، ونرى أحد قادته وهو الرئيس الفرنسي «نيكولاي ساركوزي» يرفض رفضًا باتًا انضمام تركيا لهذا النادي المسيحي، ويقول بصراحة وصرامة: إنني لا استطيع اعتبار دولة غالبية سكانها مسلمون دولة أوروبية حتى وإن كانت تتبنى النظام العلماني الديمقراطي».
التعريض بالصحابة
بقي كلام «الأسواني» وتعريضه باثنين من الصحابة الكرام، هما «عثمان» و«معاوية» رضي الله عنهما، وهو أمر مؤسف للغاية، وواضح أن الرجل ليس لديه أدنى دراية عما ينبغي مراعاته عند تناول أخطاء الصحابة.
وبداية ننبه على أن الصحابة ليسوا معصومين من الأخطاء بل وقع منهم أشياء وهنات، ولكنهم أفضل البشر بعد الأنبياء وتزكيتهم من عند الله تعالى مباشرة، فقد رضي عنهم ورضوا عنه، ولذلك فإن أكثر الراسخين من أهل العلم أمسكوا عن الخوض في أخطاء الصحابة تقديرًا لمقامهم وقدرهم، وتكلم فيها البعض من باب التعليم والاحتراز من تقليدهم في تلك الأخطاء، منهم الحسن البصري، وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي، وكانوا إذا أرادوا ذكر شيء من ذلك قدموا له بالتنبيه على مكانة الصحب الكرام، وأن سيئاتهم القليلة تتلاشى مع بحار حسناتهم وجهدهم وتضحياتهم من أجل دين الله.
هذا كله فيما يخص كبار أهل العلم، أما من دونهم علمًا وفقها فلا يجوز لهم التعرض لهذا الباب أصلا، ولو فعلوا فمثلهم كمثل تلميذ صغير في الروضة يريد أن يناقش أخطاء علماء في الفيزياء مثلاً حاصلين على جائزة «نوبل» هل يقبل هذا من التلميذ الصغير؟ وهل يقبل أن يقال من باب حرية الرأي أن نسمع للتلميذ الصغير رأيه في أخطاء هؤلاء الكبار؟ هذا هو عين العبث.. إن المسافة بين كاتبنا الأسواني وأصحاب رسول الله أكبر وأعمق وأبعد من تلك التي بين ذلك التلميذ الصغير والحاصلين على «نوبل».
هدف خفي
إن التعريض بسلفنا الصالح ليس مجرد مسألة تاريخية، وإنما هدفه أبعد من ذلك إنه يُسقط مكانة ذلك الجيل الرفيع الذي اختاره الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ، وليكون جسرًا ينتقل عليه الإسلام المشارق الأرض ومغاربها، وإن معرفة مقامهم ومكانتهم يظل حافزًا للمسلمين دومًا للنهضة والتقدم.
يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه «كيف نكتب التاريخ الإسلامي»، ص ۸۸:.... وهذه الأمة - أو قل بالتحديد قرونها المفضلة الأولى - قامت بتطبيق مثالي لهذا الدين في عالم الواقع، فارتفعت إلى عالم المثال مع بشريتها الكاملة - وأثبتت في الوقت ذاته واقعية هذا الدين، وقابليته للتطبيق في عالم الواقع، وتلك هي القيمة الحقيقة لهذه الفترة من التاريخ، إن هذه الأجيال الأولى - وخاصة الجيل الأول الفريد - قد لا تتكرر مرة أخرى في واقع الأرض، ولكنها تبقى مع ذلك رصيدًا واقعيًا لهذه الأمة في جميع أجيالها يحفزها على محاولة العودة إلى تطبيق الإسلام، وهذه المحاولة ذاتها عمل إيجابي مثمر، ولو لم يصل إلى كل النتيجة المطلوبة... تصور إنسانًا عند سفح جبل يعلم يقينًا أن هناك من صعد هذا الجبل إلى قمته، فهو يحاول أن يصعد مثله، وقد يصل إلى منتصفه وقد يصل إلى ربعه، وقد يفلس جهده بعد أن يرقى بضع درجات .. وتصور إنسانًا آخر وقف على سفح جبل يتطلع إلى قمته وهو يقول في نفسه: إن هذا مستحيل مستحيل أن يفكر إنسان في صعود هذا الجبل الشاهق، فلنكف عن التطلع، ولنرض بالبقاء في السفح.. أيهما أنفع للبشرية؟ وأيهما أفضل في ذات نفسه؟ ثم، أي دور يؤده ذلك الذي صعد إلى القمة أول مرة في حياة كل الذين يجيئون بعده ويحاولون أن يصعدوا مثله، ولو وصلوا إلى المنتصف، ولو إلى ربع الطريق.. ولو أفلس جهدهم بعد رقي بعض الدرجات؟ إنه دور ضخم في عالم الواقع.. ولهذا نحتفي حفاوة بالغة بذلك الجيل الفريد، وبتلك القرون المفضلة؛ لأنها المدد الحي الذي يدفع الأجيال كلها إلى محاولة الصعود، بدلا من أن تنتكس إلى أسفل، وتخلد إلى الأرض عند السفح، وربما كان هذا هو السبب الذي يجعل المستشرقين يجهدون أنفسهم لمحاولة تشويه تلك الفترة بالذات لعلهم يطفئون بريقها ، ويحجبون نورها عن الأجيال المتأخرة؛ لكي لا تفكر أبدا في معاودة الصعود من جديد . اهـ . لقد قرأت مقالاً آخر لكاتب علماني مشهور أيضًا هو الأستاذ جهاد الخازن في جريدة «الحياة» قبل مقال «الأسواني» بثلاثة أيام فقط كتب عن نفس الموضوع وبنفس الروح، والاختلاف الوحيد أن الأسواني استثنى من الـ ١٤٣٢ عامًا ٣١ فقط التي رضي عنها، أما الخازن فلم يعجبه إلا سنتين فقط لا غير، هما فترة خلافة أبي بكر مرة ! لكن الخازن رجع في اليوم التالي مباشرة واعتذر واعترف يخطئه وندم على ما فعل وسحب مقالته وقال في اليوم التالي تحت عنوان: «أسحب مقالتي.. وأعتذر»: «آثار مقالي يوم الإثنين الماضي (تاريخ المقال) عن الخلافة في الإسلام عاصفة من النقد لم تهدأ بعد، ولن أركب رأسي وأقول: إنني مصيب والناس على خطأ، بل أقول: إنني أخطأت وأسحب المقال، وأرجو من القراء أن يعتبروا أنه لم ينشر لأنني سأخرجه من مجموعة مقالاتي وأتلفه، هذه أول مرة في حياتي أسحب مقالاً، بل إنني قبل مقال الإثنين لم أسحب سطرًا واحدًا في مقال أو أعتذر عنه، فأنا حذر جدًا، إلا أن الحذر يؤتى من مكمنه والمقال كتب الأحد، وهو يوم إجازة في لندن، وليس عندي الباحثون الذين أعتمد عليهم عادة في مراجعة المادة والتحقق من صحة النقل».
عاطفة إسلامية
هل قرأ الأسواني مقال الخازن، وقرأ تراجعه فأراد أن يكون أكثر جرأة منه على تشويه تاريخنا والعبث به؟ أم تراه كتب ما كتب بسوء فهم أو قلة علم أو بكليهما؟ لقد ألمست في بعض عباراته عاطفة إسلامية أرجو ألا تسلمه إلا إلى خير، وأن تدفعه للتراجع عن مقاله الذي لا يعلم إلا الله وحده كم صد شبابًا عن دين الإسلام، وكم أثار في أذهانهم الغضة من شبهات باطلة.
إن أزمة الأسواني الفكرية أنه وقف أمام صفحات سوداء من تاريخنا، وجعلها حصريًا مصدر تفكيره منها يبدأ وإليها ينتهي، ولو جعل تلك الصفحات موضع تفكيره ، وليس مصدر تفكيره لزال الغبش عن فكره والغشاوة عن بصره .
(*) نقلاً عن مدونته على الفيسبوك
www.facebook.com/Dr.M.Hesham.Ragheb
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل