العنوان طرق التربية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 23-فبراير-1992
مشاهدات 73
نشر في العدد 990
نشر في الصفحة 34
الأحد 23-فبراير-1992
إن فنون التربية
وطرقها عند التابعين كثيرة جدًا وما هذه الطرق التي بين أيدينا إلا جزء منها، وما
هذه الطرق إلا خلاصة لفهمهم للقرآن الكريم وسنة نبيهم صلى
الله عليه وسلم، وما هي إلا التطبيق العملي للقرآن والسنة، وما في طريقة من الطرق
إلا ولها أصل من هذين المصدرين ومدار هذه الطرق على تصفية القلب مما يشوبه من
المضعفات والأدران تأكيدا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة
إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»(1).
يقول ابن حجر:
«خص القلب بذلك لأنه أمير البدن وبصلاح الأمير تصلح الرعية وبفساده تفسد»(2).
لذلك فهم يفترضون
بأن هذه المضعفات تصيب القلب بالمرض، وهذه الطرق إنما هي لعلاجه مما يصيبه من
أمراض ولتقويته حتى لا يتعرض المرض.
يقول الإمام ابن
القيم: القلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ
المرآة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع
البدن وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة(3).
ولكن أدوية القلب
هذه التي أشار إليها الإمام ابن القيم لا يتوصل إليها إلا عبر مجاهدة عاتية مع هذه
النفس يشبعها جهاد الهوى والشيطان والدنيا بكل ما تحمل من زينة وجاذبية وهو الأصل
الذي تقوم عليه جميع أنماط التربية إذ يقول تعالى في كتابه الكريم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
(العنكبوتِ:69).
يقول الإمام ابن
القيم: علق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا وأفرض الجهاد
جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربع في الله
هداه الله إلى سبيل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فإنه ترك من الهدى بحسب
ما عقل من الجهاد(4).
وبعد هذه
المجاهدة العاتية مع النفس والتوصل إلى الأدوية التي تقضي على أمراض القلب لن تظهر
آثار العافية إلا بالصدق بالخلوات والصدق بالجلوات، وصدق الإمام ابن الجوزي إذ
قال: اصدق في باطنك تر ما تحب في ظاهرك(5).
ونعود إلى جيل
التابعين لترى طرقهم في تربية النفوس..
1- خوف الله ونهي النفس
يقول
تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى.
فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:40-41). أورد القرطبي قول مجاهد
تعليقا على هذه الآية: هو خوفه في الدنيا من الله عز
وجل عند مواقعة الذنب فيقلع، ونهى النفس عن الهوى أي زجرها عن المعاصي والمحارم(6).
ويتعوذ ابن مسعود
رضي الله عنه من زمان سيأتي بعده يكون للهوى الدولة والصولة فيقول: «أنتم في زمان
يقود الحق الهوى، وسياتي زمان يقود الهوى الحق، فنعوذ بالله من ذلك الزمان»(7). ويعرّفون الخوف بأنه اضطراب القلب وحركته
من تذكر المخوف وقوة العلم بمجاري الأحكام وهرب القلب من حلول المكروه عند
استشعاره(8).
وعلى هذا فإن
الخوف يرتكز على ثلاثة أمور:
(1)
الخوف من الله.
(2)
الخوف مما سيحدث من العقوبات الربانية في الدنيا والآخرة.
(3)
حلول المكروه.
وللخوف أقسام
أخرى غالبًا تكون مشتقة من هذه الثلاث، كالخوف من عذاب القبر والخوف من أهوال
القيامة والخوف من الحساب والخوف من عدم القبول والخوف من سوء الخاتمة وغيرها من
الأنواع، والخوف هو الأساس في نهي النفس عن الهوى الذي يسحب صاحبه للمعصية، ولا
يمكن أن تكون للإنسان القدرة الزاجرة للنفس عن الهوى دون خوف من الله يدفعه لذلك.
يقول سيد: «والذي
يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا
المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة فظل في دائرة الطاعة ونهى النفس عن
الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة، فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان وكل
تجاوز وكل معصية، وهو أساس البلوى وينبوع الشر وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل
الهوى. فالجهل سهل علاجه ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد
شاق طويل الأمد لعلاجها، والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة
وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى(9).
والهوى خفيف شديد
يغطي العقل ويقيده فهو يحتاج إلى قدرة هائلة لهدمة مرتكزة على الخوف من الله تعالى
والخوف من الفضيحة يوم القيامة والشقاء في الدنيا والآخرة، وهكذا كان التابعون
يربون أنفسهم وأتباعهم على الخوف من الله تعالى متعادلا مع رجاء عفوه ورحمته وذلك
بدراسة علم الآخرة من القبر حتى دخول المنزل- الجنة أو النار- دراسة مفصلة تساعد
على غرس الخوف في النفوس.
إن النفس من
طبيعتها النفور من القيود حتى وإن كانت هذه القيود لتقويمها لذلك فهي تحتاج إلى
تصبير دائم حتى تستقيم وتتطوع على هذا النوع من الجهاد لهدم الهوى المتغلغل.
2- تصبير النفس
يقول تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الكهف:28). روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال:
كنا مع النبي صلى الله عليه
وسلم ستة نفر فقال
المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا
وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه فأنزل الله عز وجل ﴿وَلَا تَطْرُدِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
(الأنعام:52)(10)، والذي
يهمنا من هذه الرواية قول سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه(11) عن النبي صلى الله
عليه وسلم: فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث
نفسه..
فالنفس في أصلها
أنها إمارة بالسوء ومن طبعها تأبى الالتزام والارتباط بل تحب التفلت والانطلاق من
غير قيد، حتى وإن كان هذا القيد ينفعها للآخرة، وهي لا تحب أن يأمرها أحد بما تكره
أو يحدد حركتها، لذلك فهي تحبب لصاحبها الراحة والدعة، فجاء الأمر ها هنا لأشرف
النفوس وهي نفس النبي صلى الله عليه
وسلم بتصبير نفسه مع الذين آمنوا، والصبر من معانيه الحبس، وكأن نفسه الشريفة
حدثته بأن يميل لاقتراح كبراء قريش بأن يعزل صحابته الفقراء عن مجلسهم الذي يحدثهم
فيه، فجاء التوجيه الإلهي بأن يحبس نفسه ويلزمها مع هؤلاء الفقراء المساكين من
الصحابة وإن حببت نفسه إليه غير ذلك.
وتصبير النفس من
أبرز طرق التربية، إذ إنه بمعاندة النفس وحبسها عما ترغب من الهوى وتضييع الأوقات
الدواء الناجح في ارتقائها حتى تصل إلى درجة النفس اللوامة ثم المطمئنة.
ومما يحكي عن
الإمام البشر الحافي رحمه الله أنه سار ومعه رجل في طريق فعطش صاحبه فقال له: تشرب
من هذه البئر. فقال: بل أصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها قال له: البئر
الأخرى فمازال يعلله، ثم التفت إليه فقال له: هكذا تُقطع الدنيا!(12).
يقول الإمام ابن
الجوزي معلقا على هذه الحادثة «ومن فهم هذا الأصل علل النفس وتلطف بها ووعدها
الجميل لتصبر على ما قد حمّلت، كما كان بعض السلف يقول لنفسه: والله ما أريد بمنعك
من هذا الذي تحبين إلا الإشفاق عليك(13).
هذا الإشفاق من
عذاب الله تعالى هو أحد الدوافع التي دفعت جيل الصحابة رضى الله عنهم ثم التابعين
لمكابدة هذه النفس التي لا تحب هذا المنع كما تحبه وتهواه.
___________
(1) البخاري - الفتح ٥٢.
(٢) الفتح ١٢٦/١.
(3) الفوائد ۱۲۹ - النفائس.
(4) الفوائد ۷۸ - النفائس.
(5) اللطف في الوعظ ٥٦.
(6، 7) القرطبي ۲۰۸/۱۹.
(8) تهذيب المدارج ٢٦٩ - يتصرف.
(9) الظلال ۳۸۱۸/۹.
(10) ابن کثیر ۸۰/۲.
(11) تصويب: ورد
في الأصل ابن مسعود والصواب أنه سعد ابن وقاص راوي الحديث.
(12، 13) صيد الخاطر- المكتبة العلمية ص 99.