; وقفات من السيرة العفو عند المقدرة | مجلة المجتمع

العنوان وقفات من السيرة العفو عند المقدرة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1988

مشاهدات 75

نشر في العدد 878

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 16-أغسطس-1988

ملك الجبال:

عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت للنبي -صل الله عليه وسلم-: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد باليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرث الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لنأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي اليك لتأمرني بأمرك، فما شئت: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» فقال

النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (١).

القدرة أو المقدرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

  1. قدرة حقيقية: وهي التي يستطيع صاحبها إنفاذ ما يريد، بسبب تفوق قوته الجسدية أو العقلية أو الاقتصادية أو الاجتماعية على من يريد أخذ حقه منه. 
  2. قدرة ظنية: وهي غلبة ظن غير متيقنة عند صاحبها بقدرته على إنفاذ ما يريد لعدم تأكده من تفوقه على خصمه الذي يريد أخذ الحق منه، فقد يكون متفوقًا أو غير ذلك.
  3. قدرة كاذبة: وهي التي يدعي صاحبها أنه قادر على أن يفعل ويفعل ولكنه في حقيقة الأمر أضعف من خصمه الذي يريد أخذ الحق منه.

 فالفضيلة إنما تكون في القسم الأول وهو القادر على أخذ حقه بتفوقه على خصمه ومع ذلك يعفو ويصفح مروءة منه وطلبًا للمثوبة، أما في القسم الثاني والثالث فلا يكون للعفو أثر، ولا يدخل في الفضيلة بسبب ضعف بالقدرة أو مظنة الضعف.

  • قدرة من نوع فريد:

 وقدرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذه الحادثة من نوع يختلف تمامًا عن الأنواع الثلاثة ولا هي من النوع الأول، حيث إن الأول قد يكون بالفعل قادرًا بسبب تفوق قوته، ولكن قد يحول حائل يقدره الله دون إنفاذ ما يريد، ولكن هذا الحائل منتفيًا في هذه الحادثة إذ إن مالك الحول والقوة والقدرة هو بذاته سبحانه يسخر له ملك الجبال ويجعله تحت إمرته يأمره بقدر من الله بما يشاء، ومع ذلك يعفو ويصفح مع هذه القدرة النادرة، ويجعل هم الدعوة وأمل الهداية، أعلى من كل ما توسوس به النفس من حب الانتقام ورد الاعتبار، ويقول قولته المشهورة «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» والعفو عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمة رئيسية فيه.

 فنجده يعفو عندما يقدر على ما نوى قتله أمثال عمر بن وهب الحجمي، الذي جاده إلى المدينة يحمل سيفًا مسمومًا يريد قتل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه، ونراه يعفو عن سيد بني ضيفة ثمامة بن أثال، وهو الذي كان يخطط لقتله، فعندما يقبض عليه ويربطه إلى سارية المسجد، يعفو منه. ونراه يعفو عمن قتل حمزة -رضي الله عنه-، وكان من أحب الناس إليه ولا يزيد على أن يقول له «غرب وجهك عني» ونراه يعفو عمن هجاه من الشعراء عندما قدر عليه، و يعفو عن قومه الذين طردوه وأهانوه، وحاولوا قتله، فعندما قدر عليهم فاتحًا مكة عفا عنهم جميعًا. إن العفو كما هو خلق أصيل فهو فن قل من يجيده من القادرين.

  • ما يريده بعد العفو:

 فهو كما قال عندما جاءه ملك الجبال «بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» إنه يوضح هدفه وراء العفو عند المقدرة، وهو رجاء الهداية وهذا ما تحقق فعلًا مع معظم إذ لم يكن جميع من عفا عنهم، وهو ما يريد أن يؤكده لطلائع الدعاة الذين يأتون من بعده ومترجمًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (2). فهو كان يدفع السيئة بالحسنة فيقلب بذلك الخلق الأعداء إلى أصدقاء شديدي المحبة، وهو ما كان يهدف إليه صلى الله عليه وسلم.

  • أثر الآيات القرآنية:

 إن هذا الخلق لم يأت من فراغ، بل جاء عبر تربية مستفيضة ترباها الرسول -صلى الله عليه وسلم- على آي القرآن الكريم فهو يسمع قول الحق تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (3).

ويسمع قوله تعالي: ﴿ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ﴾ (4).

وهو يحرص على أن يكون إمام المتقين.

 وهو يسمع قول الحق تعالى: ﴿۞وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾ (5).

 وقد رباه تعالى على قصص القرآن الكريم التي فيها من معاني العفو الشيء الكثير، وهو يرى من خلالها صور الأنبياء عليهم السلام كيف كانوا يواجهون سفاهة قومهم وإذا هم بالعفو والصفح، فإذا كان يوسف عليه السلام يعفو عن إخوانه بعد أن حقدوا عليه وتآمروا على إلقائه في الجب، وتسببوا ببيعه عبدًا وهو ابن نبي، وتعرض بعد ذلك لمكر النساء، ثم تعرض للسجن، يقول لهم بعد ذلك كله وبعد أن قدر عليهم ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (6)، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتعلم من هذه الحادثة بأن لا يعفو عن أقاربه فحسب، بل يعفو عن جميع قومه الذين آذوه وطردوه وتآمروا على قتله وأحلوا دمه، يعفو عنهم وهو قادر عليهم يوم الفتح، آملًا أن يكون لهذا العفو الأثر في هدايتهم وقد كان.

(1) البخاري 6/ 224 ومسلم 1795.

(2) (فصلت: 34).

(3) (الأعراف: 199).

(4) (البقرة: 237).

(5) (آل عمران: 133 - 134).

(6) (يوسف: 92).

الرابط المختصر :