العنوان الفكر الإسلامي يواجه مشكلة التطبيق.. "المجتمع" تستعرض «تجربة ليبيا» في: التقنين الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1972
مشاهدات 75
نشر في العدد 95
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 11-أبريل-1972
الفكر الإسلامي يواجه مشكلة التطبيق
المجتمع تستعرض «تجربة ليبيا» في: التقنين الإسلامي
حلول واقعية للتيسير ورفع الحرج
التدرج في التطبيق لا الاعتساف ولا الطفرة
التعديل والحذف لا الإلغاء العشوائي
رعاية مصالح الناس مناط التشريع في المعاملات
في ليبيا اليوم اتجاه واضح نحو الإسلام، ومن غير تنقيب عن ضمائر الناس ينبغي ألا يكون الموقف سلبيًا من هذه التجربة التي تجرى في ليبيا.
إن موقف «الفرجة» على ما يجري ليس موقفًا سليمًا ولا حصيفًا، فهناك أكثر من اعتبار يدعو المهتمين بقضايا الإسلام إلى الاطلاع على القضايا المثارة في ليبيا، ومتابعة تطوراتها بوعي وانتباه.
• اعتبار أن الذي يجري في ليبيا إنما يتم باسم الإسلام، والحرص على سمعة هذا الدين وكرامته يوجب المتابعة سلبًا وإيجابًا.
• واعتبار أن الإسلام ليس حكرًا على أحد بمعنى أن أي مسلم -حاكمًا كان أو محكومًا- له الحرية التامة في تطبيق الإسلام والالتزام به، وأثناء التطبيق يقال للمحسن أحسنت ويقال للمخطئ أخطأت.
والنقد لا يتم إلا بمتابعة التجربة، ومعرفة الصواب والخطأ فيها.
• واعتبار أن الشبهات ضد الإسلام ستثار أو انتقلت إلى دائرة أخرى، ذلك أنه طوال قرن أو أكثر والموجات الفكرية الغازية كانت تغرق الأجيال المسلمة بمقولات أن الإسلام قد أدى دوره التاريخي وانتهى.
ولصد هذه الموجات قامت في العالم الإسلامي نشاطات فكرية تعيد للناس قناعتهم بصلاحية التشريع الإسلامي.
ونستطيع القول: بأن الجهد الفكري العام الذي اضطلع به مفکرون مسلمون، استطاع رد الموجات الغازية، ولكن ما لبث العالم الإسلامي أن ووجه بمقولات جديدة تقول: «صحيح أن الإسلام من الناحية العقلية يتضمن قناعات نظرية، ولكنه مع ذلك لا يصلح للتطبيق».
وتجربة ليبيا تستطيع أن تكذب هذه الفرية أو تصدقها، تكذبها بالنجاح في تطبيق التشريع الإسلامي، وتحويله إلى واقع عملي منفذ عن طريق إجراءات عصرية.
وتستطيع التجربة الليبية أن تصدق فرية المناوئين للإسلام، وذلك بالفشل في تطبيق التشريع الإسلامي وهذا ما لا يتمناه أي مسلم.
أليس ذلك من الاعتبارات التي تجعل المهتمين بقضايا الإسلام يهتمون بما يجري في ليبيا؟
• واعتبار أن الفكر الإسلامي يواجه اليوم مشكلة «التطبيق»، وهذا الاعتبار يجعل الفكر الإسلامي ينهي مرحلة العموميات والشطحات النظرية، ويدخل مرحلة أقرب إلى الواقعية والتحديد والدقة.
• واعتبار أن العالم الإسلامي الذي حصل على استقلاله السياسي إلى حد ما، لم يستطع حتى اليوم أن يحصل على استقلاله التشريعي والقانوني، وهو استقلال لن تتحرر البلاد من النفوذ الاستعماري إلا بالحصول عليه.
لكل هذه الاعتبارات تنقل «المجتمع» التجربة الليبية من التقنين الإسلامي، محتفظة بحقها في النقد والتقويم، معتقدة أن الذين يريدون تطبيق الإسلام بإخلاص وبرغبة متجردة في خدمة هذا الدين لا يسوؤهم أبدًا تقديم النصح والنقد.
وفي هذا العدد ننشر القسم الأول من البحث القيم الذي قدمه الأستاذ «علي منصور»، رئيس المحكمة العليا الدستورية ورئيس اللجنة العليا لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الجمهورية العربية الليبية، بعنوان: «كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية في الجمهورية العربية الليبية»، وهو بحث يمكن أن نسميه -إذا توخينا الدقة- «دليل عمل» في الطريق إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.
وفي العدد القادم ننشر -بإذن الله- بقية النقاط العملية من «دليل العمل»
كيفية التطبيق:
إن الإسلام عقيدة وشريعة، دين ودنيا، وإن القرآن المصدر الأول لهذه الشريعة الخاتمة، نزلت به أصول الأحكام من عبادات ومعاملات، تنظم قواعده صلة الإنسان بربه، وصلته بالجماعة التي يعيش فيها، وعلاقة الدول الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وترك القرآن ما وراء هذه القواعد العامة إلى الاجتهاد بحسب ظروف الزمان والمكان.
وبدأت تلك الاجتهادات في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة من بعده والتابعين لهم، وتكونت من الاجتهادات ثروة فقهية تشريعية لا مثيل لها في العالم حوت أيسر وأسمي الحلول لكل ما جد للأفراد وللدول من مشاكل وأطلق على هذا الفقه بمذاهبه المختلفة «الشريعة الإسلامية»، وهذه المذاهب كثيرة تزيد على العشرين منها مذاهب أهل السنة الأربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، ثم مذهبا الشيعة الأمامية والزيدية، وكذا الإباضية، والظاهرية، وهي المذاهب الثمانية التي اعتمدت، وعول عليها عند وضع موسوعة الفقه الإسلامي في مصر أخيرًا.
ولما كانت الحوادث والمشاكل تتجدد في مختلف البيئات، وكان البحث عن الحكم الذي يناسب كل قضية في الأزمنة والأمكنة المختلفة، مما يشق على المختصين في الفقه؛ لأن الواحد منهم في الغالب في وقتنا الحاضر إنما تخصص في دراسة فقه مذهب واحد بعينه.
ولما كانت شروط الاجتهاد واستنباط الأحكام من المصدرين الأساسيين وهما الكتاب والسنة تقتضي الإحاطة بعلوم الدين كلها من علوم فقه إلى دراسة علم الأصول إلى علم الحديث «السنة» إلى علوم اللغة إلى المنطق، إلى علوم الكلام، وكل هذه الشروط يتعذر توافرها في علماء الدين والشريعة في زماننا.
ولما كان الأصل في شريعتنا رعاية مصالح الناس ورفع الحرج عنهم مع التزام القواعد الأساسية فيها.
لما كان ذلك كله، فأول واجب علينا وعلى سلطة التشريع في بلادنا في الحاضر أن تعمد إلى صياغة الأحكام التي تتفق مع مصالح الناس في هذا الزمان في شكل مواد مرتبة ومبوبة، وفي مجموعات من التشريعات على غرار التقنيات العصرية حتى يسهل على الناس معرفتها والتزامها والطاعة لها، ويسهل على القضاة الاهتداء إلى الحكم الصحيح من أيسر سبيل فيما يعرض عليهم من قضايا.
وأمامنا محاولة موفقة قام بها في القرن الماضي خدمة للدين والشريعة المغفور له محمد قدري باشا في الثمانيات من القرن التاسع عشر، حيث قنن أحكام الأحوال الشخصية أخذًا من مذهب الإمام أبي حنيفة في مجموعة بنود ومواد طبعها في دفتي كتاب سماه «مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان»، وفعل نفس الشيء بالنسبة لأحكام الوقف «الحبس» الأهلي والخيري في كتاب سماه «قانون العدل والإنصاف في حل مشكلات الأوقاف».
حلول ومقترحات:
وفي ضوء ما سلف يرد على الذهن بعض الحلول والمقترحات وسنوردها ثم نناقش كل واحد منها، لعل الله يوفقنا إلى اختيار أهداها سبيلًا وأيسرها منالًا، وموجزها:
• أولًا: تقنين جميع أحكام الشريعة الإسلامية تمهيدًا لتطبيقها مع إصدار قرار بإلغاء القوانين القائمة.
• ثانيًا: إصدار قرار من مجلس قيادة الثورة باعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع في الجمهورية العربية الليبية وعلى القضاة عدم تطبيق ما يخالف أحكامها وقواعدها الأصلية من نصوص في القوانين القائمة «المعمول بها حاليا».
• ثالثًا: التدرج في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وذلك بالإبقاء على القوانين الوضعية القائمة مع البدء باستعراض نصوصها وبحثها، لحصر ما يخالف القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية، ثم ترتيب هذه المخالفات، والعمل على إصدار قوانين بتعديل النصوص التي تشمل تلك المخالفات أو استبدالها بما يتفق وأحكام الشرع تباعًا.
• رابعًا: اقتراح عاجل إذا وقع الاختيار على الحل الثالث: وهو أن يبدأ مجلس قيادة الثورة بإصدار قرار باتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا وحيدًا أو أساسيًا لجميع التشريعات من الآن فصاعدًا.
الحل الأول
تطبيق فوري.. وإلغاء
تقنين جميع أحكام الشريعة الإسلامية تمهيدًا لتطبيقها مع إصدار قرار بإلغاء القوانين المعمول بها حاليًا:
ويبدو هذا الحل لأول وهلة أنه براق وأنه الحل الأمثل، ويجب أولًا أن نفكر في طريقة تنفيذه.
ويمكن تصور تنفيذ هذا الحل بالبدء بإصدار قرار من مجلس قيادة الثورة بإلغاء القوانين الوضعية القائمة والاستعاضة عنها بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.
ويستحيل علينا بجرة قلم إلغاء القوانين الوضعية القائمة والنظام التشريعي جميعه دفعة واحدة دون أن نقرن ذلك بإيجاد البديل، وهو تقنين كامل منضبط مأخوذ من الشريعة الإسلامية يلجأ إليه الناس من متقاضين وقضاة، إذ لا يعقل أن يتركوا في تيه وفراغ.
إذن لا بد من البدء بتقنين أحكام الشريعة إذا ما أخذنا بهذا الحل.
وللقيام بذلك يقتضي الأمر تشكيل لجان متعددة تضم كل لجنة رجالًا من علماء الشريعة الإسلامية وعلماء متخصصين في التشريعات الوضعية ممن جمعوا بين الثقافتين، ثقافة القوانين وثقافة العلوم الشرعية، وتختص كل لجنة بفرع معين، فلجنة لاستخلاص أحكام الشريعة الإسلامية فيما يطلق عليه الآن في القوانين الوضعية «القانون الدولي العام والدولي الخاص»، وهو ما يسمى في الشريعة بالمغازي والسير، ولجنة لاستخلاص أحكام الشريعة فيما يطلق عليه الآن «القانون العام بفرعيه القانون الدستوري والقانون الإداري»، وهو ما يسمى في الشريعة بالسياسة الشرعية للدول الإسلامية، ولجنة لاستخلاص أحكام الشريعة فيما يطلق عليه الآن «القانون المدني والتجاري»، وهو ما يسمى في الشريعة بالمعاملات، ولجنة لاستخلاص أحكام الشريعة فيما يطلق عليه الآن في القوانين الوضعية «قانون العقوبات»، وهو ما يسمى في الشريعة الإسلامية بالحدود والتعازير، وهكذا.
ويحسن ألا تتقيد هذه اللجان بفقه مذهب واحد.
وإن رؤى أن تتقيد بمذهب الإمام مالك، وهو السائد في الجمهورية العربية الليبية وبلاد شمال أفريقيا، فيجب أن تتخير من المذاهب الإسلامية الأخرى أيسر الحلول لمشاكل الناس؛ لأن من أهم ما يبتغيه الشرع رعاية مصالح الناس مع رفع الحرج عنهم لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. (البقرة: ١٨٥)
ولقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾.(الحج: ٧٨)
ولقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «يسروا ولا تعسروا»؛ ولأن اختلاف أئمة المذاهب في فروع المسائل رحمة للعباد، وجميعهم أخذ من عموميات قواعد القرآن والسنة.
ولا يخفي أن هذا أجل ما تخدم به شريعة الله، ولكنه يحتاج إلى مجهودات ضخمة ووقت طويل بشرط أن يختار لهذا العمل من يؤمن به ويعتبره جهادًا في سبيل الله وإعلاء لكلمته، وأقرب مثال على ما في ذلك من وقت وجهد ست سنوات سلختها لجنة وضع قانون موحد للأحوال الشخصية في مصر أخذًا من أحكام الشريعة الإسلامية جمعت فيه أحكام الزواج، والطلاق، والنسب، والمواريث، والوقف، والوصية، والولاية على المال، والولاية على النفس، وغيرها، وكانت مكونة من حوالي خمسة عشر عضوًا، وكان بها من شيوخ الأزهر من يمثل مختلف المذاهب الفقهية، ومستشارون، ورجال قانون وتشريعات وضعية عصرية ممن كان لهم إلمام بالشريعة الإسلامية إلى جوار تخصصهم في القوانين الوضعية.
الحل الثاني
تعليق القوانين
إصدار قرار من مجلس قيادة الثورة باعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد أو الأساس للتشريع في الجمهورية العربية الليبية، وعلى القضاة مراعاة عدم تطبيق ما يخالف أحكامها الأصلية من نصوص واردة في القوانين المعمول بها.
وميزة هذا الحل بالنسبة إلى الحل الأول أنه يمكن إعداده وإصداره فورًا، وبذلك نتلافى الوقت الطويل الذي يحتاجه الحل الأول من حيث إعداد مجموعة قوانين مستقاة من الشريعة لإحلالها محل التشريعات المعمول بها حاليًا.
ولكن ترد على هذا الحل اعتراضات وصعوبات منها:
1- نكون قد ألقينا على القضاة أعباء لا قبل لهم بتحملها، إذ لكي يعرف القاضي مدى مطابقة أي نص في قانون معمول به لأحكام الشريعة يكون عليه أن يحمل هذا النص في ذهنه ويطوف على مواقع مثل هذا النص في مختلف المذاهب الإسلامية باحثًا عن مدى مطابقته أو مخالفته لأي من هذه المذاهب.
ومن القضاة المدنيين الحاليين من لا يعلم من الشريعة إلا القليل الذي تعلمه في كليات الحقوق، ومعظمه حول قوانين الأحوال الشخصية، كما أن معظم القضاة الشرعيين في المحاكم الشرعية الحالية لم يدرسوا سوى المذهب المالكي مما يجعل مثل هذا البحث عسيرًا عليهم.
٢- مثل هذه الصعوبة والحرج يقع على الناس والمتقاضين منهم بحيث لو وجدت لأحدهم مشكلة وجب عليه قبل أن يرفع دعواه إلى المحاكم أن يعرف مدى احتمال كسبها، فعليه وعلى محاميه أن ينقب في مختلف الآراء الفقهية الشرعية، ومع ذلك فقد لا يأخذ القاضي بهذا الرأي، ويذهب إلى أن رأيًا آخر في مذهب فقهي آخر أعدل مما يقول به المدعي في دعواه.
٣- هذا فضلًا عن احتمال تضارب الأحكام وتناقضها في المسألة الواحدة نتيجة لاختلاف آراء القضاة في الراجح والمرجوح من الآراء الفقهية في المسألة الواحدة.
٤- الصعوبات السابقة لا تنتقي كلية، حتى لو نص قرار مجلس قيادة الثورة على التزام مذهب الإمام مالك دون غيره من المذاهب رغم ما في ذلك من تضييق.
وحاصل ما ذكر من صعوبات يوحي بوجوب أن تكون القواعد التي يلتزمها الناس ويطبقها القضاة منضبطة، الأمر الذي يعوزنا إذا ما أخذنا بهذا الحل الثاني.
الحل الثالث
تدرج ومراجعة
هو التدرج في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وذلك بالإبقاء على القوانين الوضعية المعمول بها في المحاكم المدنية والشرعية مع البدء فورًا بمراجعة نصوصها لحصر ما يخالف القواعد الأساسية للشريعة الإسلامية، ثم ترتيب هذه المخالفات بحسب أهميتها وإمكان تعديلها، ثم العمل على إصدار قوانين بما يتفق وأحكام شرع الله.
ولعل في هذا الحل ما يتلافى معظم الصعوبات التي قامت ضد الحلين الأولين.
ومن مزايا هذا الحل:
1- التدرج وتجنب الطفرة، والتدرج سنة الله تعالى في إيجاد الكون كله، إذ خلقه في ستة أيام لا تقاس بأيامنا الدنيوية، حتى ذهب البعض إلى أنها ستة أطوار، والتدرج أيضًا هو سنة الله -سبحانه وتعالى- في إنزال الأحكام الشرعية، إذ لم ينزل جبريل -عليه السلام- بالقرآن جملة واحدة على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وإنما اقتضت حكمة الله أن ينزل الأحكام في الآيات القرآنية منجمة أي مجزأة، متفرقة، بحسب حاجة الناس، وكعلاج لكل مشكلة جدت لهم، بل إن الحكم الواحد في المسألة الواحدة كان ينزل تدريجيًا منعًا من الحرج على الناس، وتآلفًا لقلوبهم حتى يقبلوا على الإسلام.
فالخمر مثًلا أم الكبائر كانت شائعة في الجاهلية، ولم يحرمها الإسلام دفعة واحدة لتمكنها وتمكن إدمانها في النفوس، فترك المسلمين يشربونها فترة في صدر الرسالة المحمدية، ثم بدأ يذكر الأعناب فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. (النحل: ٦٧)
وهذا تلميح بأن السكر بالخمر أمر غير حسن، ثم نزلت الآية بعد ذلك التي تنهى عن شرب الخمر قبيل الصلاة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾. (النساء: ٤٣)
فأخذ المسلمون الأوائل يفكرون في أن لا يشربوها قبيل كل صلاة، ولما كانت الصلوات خمسًا ومتقاربة المواعيد والمواقيت كفوا عن شرب الخمر نهارًا واكتفوا بذلك ليلًا، ثم بدءوا يتساءلون هل هي حرام أم حلال، فنزلت الآية الكريمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. (البقرة: ٢١٩)
فامتنع الكثيرون عنها تأدبًا بأدب القرآن، وتهيأت نفوس الغالبية منهم إلى تركها نهائيًا.
وهنالك نزلت آية التحريم الفاصلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. (المائدة: ٩٠-٩١)
وأشير هنا إلى أن الوقت الذي يستغرقه هذا التدرج لا خشية منه، إذ أن الكثير من القواعد القانونية التي تضمنتها القوانين الوضعية في ليبيا فيما عدا قانون العقوبات مأخوذ عن القوانين الوضعية في مصر، وكثير منها لا يتعارض مع القواعد الأصولية للشريعة، وسبق أن ذكرت أنه عندما أريد إنشاء المحاكم الأهلية في مصر، ووضعت لها مجموعة قوانين مستعارة من القوانين الفرنسية «مجموعة قوانين نابليون» التي قيل بأن معظمها مأخوذ من مذهب الإمام مالك، أقول لما رفعت مشروعات قوانين المحاكم الأهلية إلى الخديوي في مصر لم يصدرها إلا بعد أن أرسلها إلى الأزهر الشريف، فتكونت لجنة من علماء مختلف المذاهب الأربعة وراجعتها، ووضعت تقريرا جاء فيه أن هذه المواد والبنود منها ما هو موافق لنص من نصوص المذاهب الأربعة، ومنها ما ليس له نص مقابل، ولكنه من قبيل المصالح المرسلة التي أباحتها الشريعة لمنع الحرج عن الناس، ولإيجاد الحلول لمشاكل جدت في هذا الزمان ولم تكن معروفة في الماضي.
وبعد حصر المخالفات التي في قوانيننا الجنائية، مثلًا بالنسبة لأحكام الشريعة، يمكن أن نبدأ بتعديل الأسهل فالأسهل، كأن نعدل عقوبة شرب الخمر بما يتفق مع أحكام الشريعة، ثم نأخذ أحكام القصاص من الشريعة ونعدل ما نص عليه قانون العقوبات الليبي وفقًا لذلك، إذ الخلاف بينهما بسيط، ثم نعدل عقوبة حد القذف والسب بما يتفق مع أحكام الشريعة، ثم نفكر في حد السرقة وهو قطع اليد، ومتى يمكن تطبيقه في جرائم السرقة الكبرى؛ لأن الشرع يجعل نصابًا معينًا لا تقطع اليد في أقل منه؛ ولأن الشرع أيضًا شرط شروطًا كثيرة، مع ملاحظة أن عمر بن الخطاب عطل حد القطع في عام المجاعة، وفرع على ذلك بعض فقهاء الشريعة بأن لا تقطع يد السارق إلا إذا كفلت الدولة لجميع الأفراد حد الكفاية، وهو توفر ضروريات الحياة من مأكل وملبس ومسكن، أما حد الزنا فمر القول بأنه لم يثبت، ولن يثبت إلا بالاعتراف، وبقية أحكام الزنا يمكن أن تعدل بما يجعل كل صلة بين رجل وامرأة أجنبية عنه معاقب عليها ولو لم يكن أحدهما متزوجًا حتى ولو كان برضاهما الكامل، وذلك تمشيًا مع أحكام الشريعة.
أما ما عدا الحدود في الشريعة الإسلامية من الجرائم وهو التعازير فقلنا إن أمرها متروك لولي الأمر «السلطة الحاكمة في الدولة» أو للقاضي، وغالب النصوص الموجودة حاليًا لا تخالف الشريعة، ولكن يمكن مع ذلك تعديلها بما يكون أكثر ملاءمة لها.
۲- في الأخذ بهذا الحل الثالث، وهو التدرج بعد بنا عن الاتهام بالعنصرية والتعصب، وإن كنا لا نتهيب من ذلك ما دمنا نتبع أحكام ديننا وشريعتنا التي هي خير هداية من الله لخلقه.
٣- ومن مزايا التدرج أيضًا الوصول إلى الهدف وهو الحكم بما أنزل الله من طريق مأمون لتصدر التعديلات في القوانين المعمول بها بعد بحث وتمحيص واختيار الأصلح من أحكام الشريعة وما يوائم الناس والبيئة في هذه الجمهورية ويجعل الطريق إلى تطبيق هذه التعديلات أكثر أمنًا وسلامة.
٤- ومن أهم مزايا هذا الحل الثالث أيضًا الإبقاء على النظام القضائي الحالي بنوعيه الشرعي والمدني، لأن إلغاء أيهما في الوقت الحاضر قد يثير من الاعتراضات والصعوبات ما يجاوز فوائده، والعبرة بالنصوص ما دامت التعديلات التي ستدخل على القوانين الحالية أصلها ثابت في الشريعة فيستوي أن يطبقها قاض مدني أو قاض شرعي.
٥- وعندما ينتهي التدرج بالحل الثالث إلى منتهاه بتمام تعديل التشريعات الوضعية جميعها بما يتفق مع شريعة الله، يمكن في سهولة ويسر توحيد القضاء بإدماج النوعين معًا دون أن يفسر ذلك بأنه إلغاء للقضاء الشرعي أو القضاء المدني، الأمر الذي يحسن تجنب مواجهته في الوقت الحاضر.
كيفية تنفيذ الاقتراح الثالث:
يكون ذلك بتشكيل لجنة عليا لإعادة النظر في القوانين الوضعية المعمول بها في الجمهورية العربية الليبية الآن، وتتفرع عنها لجان فرعية تشرف عليها وتوجهها وتراجع أعمالها اللجنة العليا، وتختص كل لجنة فرعية بنوع معين من أنواع القوانين القائمة حاليًا المراجعة واستظهار ما فيه من مخالفات لأحكام الشريعة وتقسيمها حسب جسامتها ثم ترتيبها في مجال التعديل الأيسر فالأيسر، ثم تضع مشروعات التعديلات، على أن تتفرع هذه اللجان لهذا العمل -إذا رئي ذلك- حتى يمكن إنجازه في أقرب وقت ممكن، وعلي أن ترسم لها اللجنة العليا خطة العمل، وتتولى متابعته ثم المراجعة، على أن تكون اللجنة العليا على اتصال دائم مع مجلس قيادة الثورة بوصفه السلطة التشريعية العليا في الجمهورية أو مع الأخ رئيس مجلس الوزراء بوصفه هذا وبوصفه رئيسًا لمجلس قيادة الثورة، وأن تكون أيضًا على اتصال بوزير العدل لنفس الغرض.
حل مؤقت وعاجل:
إلى أن تنتهي اللجنة العليا ولجانها الفرعية من أعمالها وتصدر التشريعات المعدلة تباعا، قد يكون من المستحسن -وهو ما يناسب رغبة مجلس قيادة الثورة في الاستجابة إلى رغبة الشعب الملحة- أن يصدر فورًا قرارًا من مجلس قيادة الثورة -ويحسن أن يلحق بالإعلان الدستوري ويعتبر متممًا له- ينص فيه على أنه من الآن فصاعدًا تعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي لجميع التشريعات في الجمهورية العربية الليبية، وعلى جميع الوزراء والهيئات مراعاة ذلك في كل تشريع جديد يصدر.
وينص فيه أيضًا على وجوب تشكيل لجنة عليا، ولجان فرعية، تتفرغ لبحث وتعديل القوانين القائمة بما يتفق مع هذا المنهج، وبعد صدور هذا القرار يمكن أن تبدأ اللجنة بجمع شتات الأحكام الشرعية الخاصة بالأحوال الشخصية في قانون موحد للزواج والطلاق، والنسب، والإرث، والوقف «الحبس»، والولاية على المال، والولاية على النفس، والوصية، وغيرها؛ لأن مشروعًا لمثل هذا القانون أعد بسوريا ومصر، ويمكن مراجعته مراجعة سريعة، وإعداد التشريع الملائم للتطبيق في الجمهورية العربية الليبية؛ ليكون البداية في هذا الطريق.