العنوان حطم القيود (۳۷).. تحمل المسؤولية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 22-يناير-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1636
نشر في الصفحة 58
السبت 22-يناير-2005
تناولنا في الحلقة السابقة الخطوة الثالثة-في تنشيط القوة الداخلية، وهي «الاعتماد على النفس»، وفي هذه الحلقة نتناول الخطوة الرابعة،وهي: تحمل المسؤولية:
أرسل لنفسك هذه الرسالة الإيجابية:«أنا-أتحمل المسؤولية كاملة لمشاعري، ولذلك فأنا الآن أجلس في مقعد القيادة لحياتي، ولم يعد هناك أي سبب للغضب أو الهيجان في حياتي».
فك الحروف والكلمات
ما معنى هذه الرسالة الايجابية؟؟ إنها تعني أن الإنسان لن يتوصل إلى القيادة الكاملة لنفسه حتى يتحمل المسؤولية الكاملة لمشاعره وتصرفاته، فلا يلقي باللوم على الآخرين عندما يخطئ أو يتسبب في خطأ، فالضعيف هو الذي يتهرب من المسؤولية ويلقي باللائمة على الآخرين، لأنه لا يملك القوة للاعتراف بخطئه ولهذا السبب فإن الأخطاء والعيوب ونقاط الضعف تستمر فيه، وتتراكم عليه، مما يسبب ازدیاد ضعف القوة الداخلية لديه، ولهذا السبب كان التدريب على تحمل المسؤولية كاملة أحد أهم الخطوات في تنشيط القوة الداخلية.
أحد أسباب الغضب
ما علاقة الغضب والهيجان بقضية«تحمل المسؤولية»؟
إن أحد أهم أسباب الغضب والهيجان أن الذي لا يتحمل المسؤولية عندما يخطئ أو يتسبب في الخطأ ثم يوجه له العتاب أو اللوم أو المساءلة بما أخطأ يرفض الاعتراف بذلك وعندما يصر الآخرون على توجيه ذلك اللوم إليه، فإنه ينفجر ويرفض بغضب ما وجه إليه لأنه يعيش وهم الكمال والعصمة، ولا يتحمل أبدًا الحديث عن أي عيب من عيوبه.
العظماء يعترفون:على مر التاريخ، وفي جميع العصور والمجتمعات لا نرى أحدًا يتصف يتحمل المسؤولية كاملة، ويعترف بخطئه دون إلقاء اللوم على الآخرين إلا العظماء والناجحون،وكان أول هؤلاء الناجحين سيدنا وأبونا آدم عليه السلام عندما أخطأ بمخالفة أوامر الرحمن بالامتناع عن الأكل من تلك الشجرة فاعترف بخطئه قائلًا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾
(الأعراف:23).
اعتراف خاتم المرسلين
لا بد أن تعلم أن الرسول ﷺ معصوم فيما يبلغ به عن ربه. أما الأمور البشرية البحتة، فمن الممكن أن يخطئ فيها كسائر البشر كاجتهاده فيمن يركز عليهم من قريش في دعوته، وعبوسه في وجه عبد الله بن أم مكتوم عندما جاءه يطلب التعلم وهو مشغول مع علية القوم.
فعاتبه ربه في ستة عشر آية من سورة عبس بقوله:﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ وَهُوَ يَخۡشَىٰ فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ﴾ (عبس:11:1).
فكان كلما التقى بعبد الله بن أم مكتوم بعد ذلك، قال له: مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي، وأدناه من مجلسه، اعترافًا بخطئه معه، ﷺ وردًا لاعتباره.(1)
واعترافه ﷺ بخطئه عندما أشار على زارعي النخيل بعدم تلقيحه، فعن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون فقال:«لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا.قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم».(2)
وفي رواية لمسلم أيضًا قال ﷺ:«إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إن حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل».
اعتراف صاحب الحوت
وهذا سيدنا يونس عليه السلام يعترف بخطئه عندما ترك قومه بعد أن يئس منهم فعاقبه الله تعالى بالتقام الحوت له:﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾(الأنبياء:87).
يقول الإمام الطبري: نادى بهذا القول معترفًا بذنبه، تائبًا من خطيئته: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾في معصيتي لك(۳).
واقع مر
إن مما يحز في النفس أن نرى أصحاب القرار في الدول الأوروبية والولايات والمتحدة واليابان إذا أخطأ أحدهم أو حدث خطأ جسيم في وزارته فإنه يعترف بهذا الخطأ ويقدم استقالته، متحملًا كامل المسؤولية عن ذلك الخطأ، وهو جانب من جوانب النجاح في تلك البلاد، بينما نجد الكثيرين من أصحاب القرار في بلادنا الإسلامية يغرقون بالأخطاء الخطيرة ولا يعترف أحد منه بالخطأ، وهذا جانب من جوانب التخلف في بلادنا .
الهوامش
(۱) صور من حياة الصحابة ١١٦/٢ دار النفائس.
(۲) صحيح مسلم ٢٣٦٣
(۳) مختصر تفسير الطبري ٦٠/٢ ط /دار القرآن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل