العنوان دولة ما بعد الحريري دمشق أغلقت الباب أمام المماحكات.. ولحود سارع بالحسم
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1998
مشاهدات 113
نشر في العدد 1331
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 22-ديسمبر-1998
تنفس كثير من اللبنانيين الصعداء بالاعتذار المفاجئ للرئيس رفيق الحريري عن تشكيل حكومة جديدة، تعد الأولى في عهد رئيس الجمهورية إميل لحود، في الوقت الذي أصيبت فيه الاتجاهات السياسية كافة، الموالي منها والمعارض له- على حد سواء- بالذهول، حتى إن مصادر مقربة من أصحاب القرار تأثرت بأجواء الحيرة والارتباك، التي لم ينج منها الحريري نفسه، فلا هو كان يتوقع الخروج من الحكم بهذه الطريقة، ولا المعارضة توقعت ذلك بهذه السرعة والسهولة:
ولأن الوقع كان كبيرًا في الداخل والخارج؛ نظرًا لعلاقات الحريري المتشابكة والمتشعبة، ولأن الخطب كان أكبر بمرور الوقت، فقد آثر رئيس الجمهورية استدراك الأمر بأكبر قدر من الحزم فأجرى استشارات نيابية ثانية، وكلف الرئيس المخضرم الدكتور سليم الحص، الذي شكل حكومة من ستة عشر وزيرًا بسرعة غير اعتيادية، وكانت المفاجأة السارة بالأسماء اللامعة في مجالات الإدارة والمال والاقتصاد والقانون والاتصالات، مع استبعاد كل الحزبيين والأكثرية الساحقة من الوزراء السابقين.
كيف سقطت دولة الحريري؟
لقد دخل رجل الأعمال رفيق الحريري عالم السياسة من باب الأضواء، قبل ست سنوات فقط لكنه قبل ذلك بكثير كان ينشط في الكواليس كوسيط مؤثر بين القوى اللبنانية المتصارعة أثناء الحرب الأهلية، وبين بيروت ودمشق، وتحديدًا في زمن ولاية الرئيس السابق أمين الجميل، وكان يستخدم قدراته المالية أداة إقناع وتطويع ووسيلة فضلى لفض الاشكالات والنزاعات.
ويقال: إن دوره كان كبيرًا في جمع النواب اللبنانيين عام ١٩٨٩م، في مدينة الطائف السعودية، وتمخض الاجتماع يومها عن إقرار وثيقة الوفاق الوطني، التي تحولت فيما بعد إلى تعديلات دستورية، كانت الطريقة الوحيدة لوقف الحرب.
إن رفيق الحريري- الذي لمع اسمه عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ۱۹۸۲م، كمالك لشركة «أوجيه لبنان» التي تولت رفع الأنقاض في الوسط التجاري ببيروت، وكصاحب اليد البيضاء في إرسال آلاف الطلاب اللبنانيين للتخصص العلمي في الغرب على نفقته الخاصة - كان يسعى إلى المنصب السياسي، بل إلى موقع الرجل الأقوى في ظل الدستور الجديد.
وكان طموحه هذا خافيًا على كثير من السياسيين المحترفين، أو كانوا غير مدركين تمامًا لمدى خطورته على مراكزهم، وفيما انشغلت الحكومة الأولى في عهد الرئيس الهراوي في تصفية تمرد الجنرال ميشال عون القائد السابق للجيش، كان الحريري يقترب أكثر من هدفه، ولما تشكلت الحكومة الثانية برئاسة عمر كرامي، كانت المعضلة الاقتصادية أكبر من طاقة الحكم والحكومة ومؤسسات الدولة المتداعية برمتها، فمهمات إعادة الإعمار، هائلة الكلفة، وأموال الدعم العربي غير متوافرة؛ بسبب حربي الخليج الأولى والثانية.
وفي الوقت نفسه كانت المضاربة ضد الليرة في أسواق النقد، قد بلغت حد الجنون، حتى تراوح سعر الدولار بين ۳۰۰۰ و ۳۵۰۰ ليرة، مما أثار الاستياء والقلق، وتحرك الاتحاد العمالي العام داعيًا إلى الإضراب والتظاهر، فأحرقت آلاف الإطارات المطاطية احتجاجًا، حتى غطى الدخان الأسود العاصمة بيروت، وكثيرًا من المناطق الأخرى.
وهكذا سقطت الحكومة، وسقطت معها الثمرة الناضجة في يد الحريري، الذي تحول إلى بطل الإنقاذ والإعمار، وعن هذه الفترة الحرجة قيل الكثير من مثل: إن الحريري هو الذي كان وراء المضاربة ضد الليرة لإسقاط حكومة كرامي.
ومهما كانت طريقة أو وسيلة الوصول، إلا أن البلد كان بحاجة فعلًا إلى رجل المقاولات، الذي أشاع وجوده في منصب رئاسة الحكومة الثقة في الداخل والخارج، وسرعان ما تهاوى الدولار أمام الليرة؛ بسبب الشراء المحموم للعملة الوطنية في رهان على المستقبل الواعد، وكان هذا هو الإنجاز الأول لرفيق الحريري.
وبما أن اللبنانيين كانوا قد ذاقوا الأمرين من انهيار القيمة الحقيقية لليرة، فقد بايعوا الحريري على السمع والطاعة في فترة صعوده الصاروخي، وربطوا بينه وبين الليرة ربطًا محكمًا صعودًا وهبوطًا، حتى إن الأزمات السياسية اللاحقة التي كانت تهدد بخروج رفيق الحريري من الحكومة، كانت تتسبب تلقائيًّا بضغوط قوية على الليرة.
على أن تلك الشعبية النادرة المبنية على الصيت أكثر من الفعل، ما لبثت أن تآكلت تدريجيًّا، فحجمه السياسي كان أثقل من أن يتحمله منافسوه السياسيون، ووزنه الاقتصادي كان شديد الوطأة على الآخرين من تجار، وصناعيين، ومقاولين، وكذلك على الفئات المتوسطة عمومًا، فالفلسفة الاقتصادية التي يؤمن بها الحريري، وطبقها في حكوماته، هي الليبرالية الجديدة وهي موجة هذا العصر.
وفي السنوات المنصرمة تم تخفيض الضريبة المباشرة على الشركات، وتضاعفت طرق الضريبة غير المباشرة التي تصيب الناس دون استثناء، والهدف المعلن هو تحويل لبنان إلى جنة ضريبية لإغواء رؤوس الأموال بالمجيء إلى لبنان، ولكن المليارات من الدولارات التي توافقت تباعًا لم تستثمر في القطاعات المنتجة، بل في سندات الخزينة الصادرة عن البنك المركزي، وفي العقارات بل في المضاربات العقارية.
ولم يستفد من كعكة الأعمال الضخمة، سوى فئة محصورة من المقاولين اللبنانيين مع بعض التقنيين والمهندسين، فيما نال النصيب الأعظم من الكعكة الشركات الأجنبية وغير اللبنانيين من العمال.
اتهامات المعارضة
وتتهم المعارضة رفيق الحريري بأنه أغرق لبنان في ديون لم يسبق لها مثيل، فمن مليار ونصف المليار قبل مجيئه الى القصر الحكومي، إلى نحو ١٨ مليار دولار كديون عامة منها ٤ مليارات ديونًا خارجية، كما يتهمونه بتنفيذ مشاريع ضخمة لا جدوى منها، مثل توسيع المطار ليتسع لستة ملايين مسافر، والأخطر في هذه الاتهامات أنه بدد الأموال العامة لاسترضاء القوى السياسية المتحالفة معه، وأنه رعى الفساد في الإدارة، وراعي الحصص الطائفية على حساب الكفاءة والنزاهة.
قد يبدو أن رفيق الحريري قد عزز موقع المسلمين السنة في الدولة لكنه في الحقيقة ضخم من حجمه هو استناد إلى المسلمين السنة، الذين دعموه بشكل مطلق في بعض الأحيان خصوصًا في العاصمة بيروت؛ حيث نقل إليها قيوده الشخصية الرسمية، وخاض فيها الانتخابات النيابية، لكنه في الحقيقة استخدم طائفته لمصالحه الخاصة ولمعاركه مع خصومه من أبناء الطوائف الأخرى.
هل كان خروج الحريري طوعًا أم كرهًا؟، وماذا خسر بخروجه؟، وما احتمالات النجاح والفشل لحكومة جديدة من دون الحريري؟.
نبدأ من المادة ٥٣ من الدستور التي كانت مثار نقاش طويل في مدينة الطائف السعودية عام ۱۹۸۹م، فتلك المادة تحدد طريقة تعيين رئيس جديد للحكومة، وبما أن الصراع كان دائمًا بين المسلمين والمسيحيين على النفوذ والصلاحيات في الدولة، فقد كان الاتجاه سائدًا في الطائف نحو تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية «الماروني المسيحي» لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعًا.
وحتى يتم ذلك كان لا بد من كف يد رئيس الجمهورية عن تعيين من يريد في رئاسة الحكومة دون اعتبار للأكثرية النيابية، ولما كانت الآراء متعارضة حينذاك، فقد اختيرت عبارة غامضة هي استشارات نيابية ملزمة، أي أن رئيس الجمهورية يستشير النواب ويأخذ- ملزمًا- برأي الأكثرية بشأن رئيس الحكومة المرغوب فيه، وتلك العبارة في منطقة وسطn بین انتخاب مباشر لرئيس الحكومة من قبل مجلس النواب، وترك رئيس الجمهورية حرًّا في اختيار من يريد.
وما حدث في الاستشارات النيابية الأولى التي أجراها رئيس الجمهورية مع النواب، أن بعض النواب فوض صوته لرئيس الجمهورية، ولم يصوت بنفسه على اسم بعينه، وبلغ عدد المفوضين أكثر من ٣٠ نائبًا، وهو ما اعتبره الحريري انتقاصًا من نفوذه واستهدافًا لشخصه ونيلًا من موقع المسلمين السنة في الدولة، مع أن الأمر لا يعني شيئًا من الناحية الدستورية، وليست عليه مآخذ قانونية.
إشارات معاكسة
والواقع أن الحريري كاد ألا يكون مطلق اليدين في تشكيل الحكومة الجديدة، وبالتالي في متابعة سياسته القديمة، وخصوصًا أن إشارات عدة توالت، منذ تسريب نبأ الانتخاب المتوقع لرئيس جديد، هو العماد قائد الجيش.
ومن المعلوم أن الشخصين لم يكونا على وفاق طوال السنوات الماضية، وكان رئيس الحكومة السابق يتهم أجهزة الجيش بالتنصت على مكالماته الهاتفية، بل كان يتهمها بأنها وراء المعلومات التي كانت تتداولها المعارضة حول الملفات والفضائح التي تطول الحريري ورجاله في الحكم والإدارة، ولكن الحريري حاول قبل أشهر استدراك الأمر، فالتقي قائد الجيش المرشح للرئاسة، وصرح بأحاديث تستبق التغيير المتوقع في الأشخاص والسياسات، أي أن كل المؤشرات كانت تدل على أن تعايشًا ضروريًّا سيقع بين لحود والحريري، وذلك للاعتقاد الراسخ، ألا غنى عن رفيق الحريري في الحكومة.
والتحليل الذي ساد لفترة، كان يركز على أن وجود رئيس قوي للجمهورية يمكن أن يوازن قوة الحريري على رأس الحكومة، وبالتوازن المفترض تسير البلاد على أحسن ما يرام، لكن اللقاءات المتعددة التي أجراها الحريري، مع الرئيس المنتخب قبل التسلم القانوني للمنصب، أظهرت تناقضًا واضحًا في التوجهات، وخصوصًا أنه لم يكن واردًا لدى أي منهما التراجع أو التنازل، فلم يكن الرئيس لحود ليقبل بالوزراء الذين كانوا في آخر حكومة، وتحوم حولهم شكوك.
ومع ذلك كله، لم ينسحب الحريري من تلقاء نفسه، بل انتظر الاستشارات النيابية، ولما أحس بتعاظم حجم رئيس الجمهورية على حسابه، اعتذر عن التكليف، وفي نيته إثارة المشكلة مع دمشق- كما كانت العادة- حتى يتم الصلح لمصلحته كما هو الحال في كل مرة، لكن دمشق أغلقت الباب أمام أي شكوى.
ثم إن رئيس الجمهورية صاحب الشخصية الحازمة، حسم الأمر بسرعة، وسد الباب أمام أي تفاوض أو تردد، فهل ينتهي رفيق الحريري بهذه السهولة؟.
إن الرهان الآن هو على الوقت، فإن مضت حكومة سليم الحص، واستطاعت ملء الفراغ وتثبيت سعر الليرة أمام الدولار، وانتهاج سياسات إصلاحية دون هزات عنيفة، فإن نفوذ ووهح الحريري سيتضاءلان بسرعة، مع أن رفيق الحريري المعارض أقوى بكثير من المعارضة التقليدية للحريري عندما كان في السلطة، بل يستطيع ببعض التحركات المفيدة التحول إلى زعيم سني لا يضاهى، وخصوصًا أنه يتوقع عجز حكومة الحص عن مواجهة الاستحقاقات المالية والنقدية، فهل تصدق توقعاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل