العنوان ندوة (التطور الحضاري) ما هو الهدف منها؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1977
مشاهدات 82
نشر في العدد 375
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 15-نوفمبر-1977
مساء الأربعاء الماضي قدم التلفزيون برنامج - كاتب وكتاب -.وكان الموضوع عن - الحضارة -.
ونقاش مثل هذه الموضوعات يتميز - بالجدية غالبًا، ولذلك نقول: إن - مبدأ - مناقشة هذه الموضوعات ظاهرة فكرية جديرة بالانتباه.
لكن الأمر - غير الجدي - أن ينزلق النقاش إلى توكيد وجهة نظر معينة، عن طريق الأسئلة الموجهة ودفع مجرى التفكير إلى إيجاد مبررات لوجهة النظر تلك.
فلقد طرح مدير الندوة سؤالًا: لماذا تطور الغرب ولم نتطور نحن؟
وكانت إجابة المجيب معتدلة في البداية، ولذلك لم تعجب مدير الندوة فزاد سؤاله إيضاحًا فقال: أردت بالسؤال أن أوربا تطورت حضاريًا حين تحررت من القيم، وأن العقل البشري يبدع ويتقدم علميًا بعيدًا عن القيود والضغوط.
ومن العجيب أن المجيب - وهو الذي يربط دائمًا بين العلم والإيمان قد ساير مدير الندوة فقال: إن الأمم لها دينها ومعتقداتها.
ولكن ليس هناك علاقة بين العلم والدين وفي كلام الرجلين خطأ واضح.
فأحدهما لا يفرق بين موقف الكنيسة وبين موقف الإسلام من العلم، وهذا خلط يؤدي - بالضرورة - إلى تحميل الإسلام جناية لم يرتكبها، جناية معادات العلم والعلماء، ويدعو إلى سلوك مثل سلوك الأوربيين تجاه الدين، أي أن يتحرر العالم الإسلامي من الدين حتى يستطيع أن يسلك سبيل التحرر والتطور.
وهذا ظلم فكري ناتج عن أحد سببين: العداء للإسلام أو التأثر الشديد بكتابات أعداء الكنيسة في الغرب، ولا نقول بالسبب الأول، لأن الإسلام - فيما نعلم - لم ينزل بأحد أذى، ولم يحرمه من حق يريد أن يمارسه.
إن السبب الثاني هو الأرجح، وما كان ينبغي لمن يدعو إلى التحرر أن يقلد الآخرين في نظرته إلى الدين.
ثم لماذا اللجوء إلى «عدم التحديد»، فلقد تكرر في هذا البرنامج تعبير «القيم».
أية قيم تقصدون؟
إن السياسيين المتلاعبين هم الذين يستعملون هذه التعبيرات «المطاطة» في استغلالهم للدين أو هجومهم عليه فتراهم يصرحون: نحن ندعم القيم الروحية - هذا في حالة الاستغلال - أو نحن نريد تحرير الشعب من القيم البالية - هذا في حالة الهجوم على الدين -.
وهذا التلاعب السياسي غير مقبول في ندوة ذات طابع فكري وعلمي؛ لأن التلاعب هنا إخلال بأمانة الفكر: مضمونًا وتعبيرًا.
ولماذا يصطنع خلاف رهيب بين العقل والقيم الإسلامية وأي عقل رشيد هذا الذي لا يتقبل التوحيد، ولا العدالة بين الناس، ولا المعيار الخلقي، ولا المسئولية عن العمل الإرادي، ولا فضيلة التفكير الدائم في خلق السماوات والأرض؟
وهذه هي قيم الإسلام، إجمالًا.
ومتى تقرر أنه لا علاقة بين الإسلام وبين العلم؟
وهناك مسألة أخرى هي: أن موضوعًا مهمًا كهذا كان ينبغي أن يدور بين وجهات نظر متكافئة.
بطبيعة الحال لا نطالب بتمثيل كهان في الندوة؛ فديننا يحرم الكهانة، ولكن هناك من يستطيع أن يجمع بين علوم الاجتماع - وموضوعها التطور الحضاري - وبين أصول الفكر الإسلامي.
وكان ينقص الندوة من يمثل هذه الوجهة من التفكير.