العنوان المعوقات الداخلية للحركة الإسلامية (4) الضعف في الاهتمام التربوي
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986
مشاهدات 77
نشر في العدد 770
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 03-يونيو-1986
• عندما ينسلخ الإنسان من مراقبة الله سبحانه ينفلت من ضوابط الشرع الإسلامي.
• إن قيادة العمل الإسلامي تكليف وتعب وجهد أكثر مما هي تشريف، وهي مَغْرَم وليست مغنمًا
• إلى إخواننا الذين نحبهم في الله، ونسأل الله أن يجمعنا وإياهم على منابر النور نقول: لا إفراط ولا تفريط
جاسم مهلهل الياسين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• عندما
ينسلخ الإنسان من مراقبة الله سبحانه ينفلت من ضوابط الشرع الإسلامي.
•
إن
قيادة العمل الإسلامي تكليف وتعب وجهد أكثر مما هي تشريف، وهي مَغْرَم وليست
مغنمًا.
•
إلى
إخواننا الذين نحبهم في الله، ونسأل الله أن يجمعنا وإياهم على منابر النور نقول:
لا إفراط ولا تفريط.
استعرض فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين في أعداد ماضية مجموعة من العوائق
الداخلية للحركة الإسلامية، وكانت مقالات فضيلته تناولت سبعة عوائق كان آخرها
«إثارة الشبهات على الدعوة والدعاة» في أوساط الدعاة وفي هذا العدد يتابع حديثه
ابتداء من العائق الثامن.
العائق الثامن:
الضعف في الاهتمام التربوي:
يقول الأستاذ الفاضل مصطفى مشهور عن منعطفات الحركة الإسلامية «أن تتخفف من
قيود التربية والتكوين والالتزام بتعاليم الإسلام لتكوين القاعدة المتينة، وتلجأ
إلى الأسلوب السياسي على نمط الأحزاب السياسية، وتنخدع حينئذ بالكثرة التي تقبل
بسبب احتمال المغانم، ولعدم وجود التزامات تربوية، فنحن لا ينقصنا الكم ولكن
ينقصنا الكيف، أ. هـ(1).
فالاهتمام بتكوين الشخصية الإسلامية هو حجر الزاوية في البناء الإسلامي،
فالحركة الإسلامية لا يمكن أن تنهض بدورها الكبير في قيادة الأمة بغير الدعاة
العاملين، وكذلك فإن هؤلاء الدعاة لا يمكن أن يقوموا بالدور الخطير ما لم تكتمل
شخصيتهم الإسلامية اكتمالًا طبيعيًّا سليمًا.
ومن نتائج الضعف في الاهتمام التربوي:
١- التوسع العددي مع عدم وجود القاعدة الصلبة:
إن الحركات الإسلامية يجب أن يعلموا خطورة استقطاب رجل الشارع والجماهير
الواسعة فهي من المزالق التي تنساق لها الحركة الإسلامية قبل حصول المقدار اللازم
من الوعي الإسلامي والعدد الكافي من أصحاب التربية الصلبة، فرجل الشارع والغوغاء
والدهماء والمصفقون هم مادة الأحزاب الأرضية وغصن حياتها، لأن هذه الأحزاب تستطيع
أن تبدل وتحور برامجها وفق طلبات هؤلاء وتبعًا لاستهلاك السوق، أما الدعوة
الإسلامية فما بمثل هؤلاء تنتصر، وما بمثل هؤلاء تغير مجرى الحياة، إن هذا النوع
من التجميع ممكن لكنه لا يستمر طويلًا، حيث إن إيجاد جماهير تنتسب للإسلام أمر سهل
ولكنها تنفر من الخطوات الحكيمة وتندفع اندفاعات غير موجهة ولا هادفة وربما طوعت
الإسلام لقبول ما ليس منه وحملت مفاهيم مشوبة بنظريات الفكر وعقائد مختلطة بالبدع.
۲- عدم اعتماد
المرحلية والتحرج في الخطوات:
لأن السير الطبيعي هو أن تسير الحركة سيرًا منسجمًا تمامًا مع قدرتها
وقوتها فهي تمشي ببطء عند الضعف، وتسرع الخُطى عند القوة أو سنوح الفرصة، فمن
المجازفة وعدم التبصر هو الظهور للمجتمع الفاسد قبل أن تركز الجماعة، وقبل التأكد
من القدرة على تلقِّي الصدمات والمقاومات العنيفة المنتظرة، فيكون مثلها مثل من
يتعرض إلى العدو القوي وهو لا يزال في دور التعلم على استعمال السلاح وفنون الحرب
والقتال وإعداد القوة للنزال.
3- الاستعجال واعتساف الطريق:
إن من الخطأ اعتساف الطريق واستعجال الثمرة قبل نضوجها، فالحركة الإسلامية
يجب أن تعتمد طريق الرسول صلى الله عليه وسلم منهجًا ولو طال الطريق ﴿وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (الأنفال:10) ﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ
وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (الشورى:15)
وبهذا يقول الإمام البنا -رحمه الله- في المؤتمر الخامس يخاطب المتحمسين
المتعجلين:
«اسمعوا منِّي كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع،
إن طريقكم هذا مرسومة خطواته وموضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت
كل الاقتناع بأنها سلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك
غيرها- إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن
يتعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن
ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت
الشجرة وتصلح الثمرة، ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر
المحسنين، إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة.
4- عدم القدرة على الاحتفاظ بالأعضاء:
فيحس الفرد في الجماعة أنه في دائرة ضيقة لا تتسع، وأنه يدور في حلقة
مفرغة، فيتولاه السأم لأن الجماعة لا تعتبر بيئة صالحة لنمو الفرد واستثمار وقت
فراغه، ثم قد يكون أسلوب الجماعة في الدعوة للإسلام وتربية الأنصار أسلوب مبتدع أو
قاصر فينفر الفرد منه.
العائق التاسع
• نسيان قاعدتي القبول- الإخلاص، وموافقة الشرع:
كثرة الأنصار، وانتفاشه العضلات، وتصفيق المؤيدين كل هذه وأمثالها تُنسي
الداعية الضوابط الأولى التي كان يرتكز عليها في بداية الطريق، وهذا المرض قد يكون
متوقعا في بدايته حيث يسهل إزالته بموقف إيماني- يستل من آية أو حديث- يرجعه إلى
صوابه الأول فها هي الانتفاضة تحصل للجيل الأول.. -الصحابة رضوان الله عليهم-
فيصيبهم البهرج وتخدش القلوب فيأتي الشافي الأعظم والنور الساطع ليرجع الناس إلى
أصولهم وقواعدهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا
فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ
مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
(الأنفال:24-28).
فكانت هذه الآيات البلسم الشافي الذي لا يحتاج إلى بيان، في إرجاع النفوس
إلى صفاء ونقاء أوقات البداية وصدق من قال واشوقاه لأوقات البداية ﴿وَاذْكُرُوا
إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الأنفال:26) وفي هذه
اللحظات وعند الرجوع للمعين الصافي يكون الترديد من الجميع «اللهم لا حول ولا قوة
لنا إلا بك»، اللهم بك نصول وبك نجول» وغيرها من الأدعية التي تبين الالتجاء
الصادق إلى الله، بعيدًا عن غرور العقل وتدبيره.
فهذه الأعداد الهاتفة لمسيرة الدعوة المُنقادة لخطابات الدعاة توجد زهوًا
في النفس يُنسِي الإنسان لماذا هو يدعو؟ هل لتكثير الأنصار وبهرجة الأعداد؟ أم
لمرضاة الله سبحانه والفوز بجنته ووعده؟ وهنا تذكرني هذه الانتعاشة بالطيشان لكل
أمر ثائر والزبد الذي يخلفه فيخيل للناظر في أول الأمر أنه عظيم القدر والحجم،
فإذا ما صبر المُشَاهِد عليه وجده قد انكمش ورجع إلى حجمه، وكأن أمرًا يلزمه «اخسأ
فلن تعدو قدرك» وصدق التابعي الجليل تلميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الربيع
بن خيثمة رضي الله عنه عندما قال «كل مالا يراد به وجه الله يضمحل»
ولمَ لا والمنبت -المكان الذي ينبت فيه الزرع- إذا خبث لا يخرج إلا نكدًا،
وهذا البهرج الفارغ لا يعدو أن يكون أحسن صورة من خضراء الدمن النبتة الجميلة في
منبت السوء فإياكم وإياكم..
وهكذا كل بناء على جُرفٍ هار ينهار بصاحبه.. وكذلك عندما يغفل الإنسان عن
مراقبة الله يبدأ بالتخلي عن الالتزام بضوابط الشرع فيبدأ بالانحراف حتى يصل إلى
تسمية الفقه الذي قدَّمه وتركه رجال أوجدهم الله لخدمة دينه فسهروا وجدُّوا
وجاهدوا حتى وصل إلينا نقيًّا صافيًا.. يسمونه «فقه الحفريات» فيقسِّمون الإسلام
إلى عقائد وشعائر ومعاملات فيبنون بعد ذلك فكرة الانتماء فيقولون للمسلم انتماء
ديني، وانتماء سياسي!! فتبدأ الانقسامات وتكثر التشعبات.
ويظن أصحاب هذا التفكير- الذين انسلخوا من مراقبة الله وانفلتوا من ضوابط
الشرع- أنهم يمدون جسرًا لكسب بعض العناصر اليسارية المتدينة ليجعلوهم في صفوفهم
بعد أن يبيِّنوا ما في الإسلام من مبادئ إصلاحية تغنيهم عن المذاهب اليسارية
الوضعية!!
ومن غير أن يشعر هذا القائل وأمثاله فإنه يصير بوقا لليسار وأعوانه.. ولا
نستغرب ذلك، فهذا حسن حنفي العضو بحزب التجمع الوطني صاحب مجلة «اليسار في مصر»
أجرت معه صحيفة «المستقبل» حوارًا فسألته بعض الأسئلة عن وسائل الإعلام التي
يستخدمونها؟ فقال: نحن نستعمل جميع القنوات الممكنة للتعبير عن أنفسنا: «الأحزاب
التقدمية والحركات الإسلامية القائمة..»
وهذه هي أساليب أعداء الله التي أضافوها إلى وسائل التعذيب والتنكيل..
فيعمدون إلى الدخول تحت مظلة الإسلام وإدخال مفاهيم غريبة عليه لتقويضه من الداخل،
هذا هو سبيل المجرمين فتبينوا يا سالكين سبيل المؤمنين، واسمعوا شاعرنا يقول:
الشرع أعظم مرشد *** في ظلمة الشبه البهيمة
والعقل يقفوه ولولاه *** لكنا كالبهيمة
فاتبعهما ولمن لحاك *** عليهما قل يا بهي مَه
مع الاعتذار للفهم
لذلك يقصد الشاعر في الكلمة الأخيرة «يا بهي مه» يا بهي «أي جميل المطلع» مه عمَّا
تقول «وهذا من حسن الأدب».