العنوان الفاتيكان والإسلام (الأخيرة)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2007
مشاهدات 72
نشر في العدد 1758
نشر في الصفحة 38
السبت 30-يونيو-2007
الفتوحات الإسلامية حررت أرض الشرق وشعوبه وثرواته من النهب الروماني، لذلك بدأ عداء الغرب للإسلام منذ ذلك التاريخ
بالأمس نجحت أمريكا في جر الكنيسة الكاثوليكية إلى جانبها في معركتها ضد الشيوعية، واليوم يتم توظيف الكنيسة بقيادة بنديكتوس في الحرب ضد الإسلام
توظيف إمبريالي غربي للكنيسة الكاثوليكية ضد الإسلام
إن الافتراء على الإسلام وأمته وحضارته ليس بالأمر الجديد، فلقد بدأ هذا الافتراء مع ظهور الإسلام، وامتد على طول تاريخه، بل إن الإسلام إنما حقق أعظم الانتصارات في ظل تصاعد الافتراءات والتحديات، وما انتشاره في عقر دار الحضارة المسيحية -حضارة عظيم الفاتيكان- مع ضعف حكومات العالم الإسلامي إلا الشاهد الصادق على هذه الحقيقة من حقائق هذا الدين.
ولأن الإسلام هو الذي حرر الشرق من القهر الروماني الذي دام عشرة قرون، والذي مارست فيه كنيسة عظيم الفاتيكان الاضطهادات الدينية، حتى لتؤرخ كنائس الشرق لعصر شهدائها بسنوات هذا الاضطهاد..
ولأن الفتوحات الإسلامية هي التي حررت أرض الشرق وضمائر شعوبه، وكذلك الثروات التي مثلث أكبر لقمة في فم النهب والاستغلال الروماني الغربي..
لذلك، بدأ عداء الغرب للإسلام منذ ذلك التاريخ، واستمر حتى هذه اللحظات.
وعن هذه الحقيقة -في تاريخ مشكلة الغرب مع الشرق- يقول القائد والكاتب الإنجليزي «جلوب باشا» -جنرال جون جوت- «۱۸۹۷- ١٩٨٦م»: «إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط إنما يعود إلى القرن السابع للميلاد!
ولهذه الحقيقة أيضًا كان تاريخ مؤسسات الهيمنة الغربية الدينية، والسياسية، هو تاريخ العمل الدائب على إعادة اختطاف الشرق من الإسلام.
فبعد القرون العشرة التي طوت الفتوحات الإسلامية صفحاتها السود، عاد الغرب لاختطاف الشرق من التحرير الإسلامي، فشن عليه الحملات الصليبية التي دامت قرنين من الزمان، فلما هزمت دول الفروسية الإسلامية هذه الحملات الصليبية، وأزالت قلاعها وكياناتها الاستيطانية من الشرق، عاد الغرب بعد إسقاطه غرناطة «١٤٩٢م» واقتلاعه الإسلام من الأندلس إلى شن هذه الغزوة الصليبية الحديثة، فالتف حول عالم الإسلام.
واقتحم قلبه العربي بغزوة بونابرت «١٧٦٩- ۱۸۲۱م» سنة ١٧٩٨م، ثم استولى الغرب على مجمل ديار الإسلام في هذه الغزوة التي مضى على بدئها أكثر من خمسة قرون!
أي أننا أمام سبعة عشر قرنًا من الغزو الغربي للشرق في تاريخ مكتوب تبلغ قرونه أربعة وعشرين قرنًا.
وإذا كانت كنيسة عظيم الفاتيكان قد مارست الافتراء -قديمًا- على النصرانية الشرقية، فلقد مارست هذا الافتراء وهذا العدوان على الإسلام عبر ذلك التاريخ الطويل، ولذلك، فإننا لسنا مندهشين من هذا الافتراء المعاصر، لأنه امتداد لتاريخ طويل من الافتراءات.
وإذا كان هناك من درس تجدر الإشارة إليه في هذا المقام الذي نواجه فيه هذا الفصل الجديد من الافتراءات على الإسلام، فهو التنبيه إلى حقيقة الحلف الذي جمع ويجمع الكنيسة الكاثوليكية الغربية مع المشروع الإمبريالي الغربي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتصاعد الحرب الباردة بين الرأسمالية الغربية والشيوعية في منتصف القرن العشرين.
فتحت قيادة الإمبريالية الأمريكية الصاعدة على أنقاض الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية التقليدية والعتيقة قررت أمريكا استخدام سلاح الدين -كل دين- ومؤسساته الكبرى في معركتها الباردة والساخنة مع الخصوم.
لقد تحالفت مع اليهودية الصهيونية ضد العرب والمسلمين، وضد الشيوعية.
ثم أنشأت «مجلس الكنائس العالمي» أو «مجمع الكنائس المسكوني» سنة ١٩٤٨م.
واستخدمته في حربها الباردة ضد الشيوعية والمعسكر الاشتراكي.
ولقد نجحت الإمبريالية الأمريكية في ضم الكنيسة الكاثوليكية في الحرب ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي، وكان دور بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني «١٩٢١- ٢٠٠٥م» في هذا التحالف الأمريكي - الفاتيكاني، مؤثرًا وملحوظًا ومشهورًا.
كما نجحت الإمبريالية الأمريكية في ضم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلى مجلس الكنائس العالمي، في ظل بابوية البابا شنودة الثالث، بعد مقاومة قبطية شهيرة وطويلة.
ولقد عملت هذه الإمبريالية الأمريكية على توظيف الإسلام في تحقيق مصالحها الإمبريالية، فكان حلف بغداد الحلف المركزي سنة ١٩٥٥م، وامتد هذا التوظيف حتى الجهاد الأفغاني ضد السوفييت في ثمانينيات القرن العشرين.
وبعد سقوط الشيوعية، أوائل العقد الأخير من القرن العشرين، أعلنت الإمبريالية الغربية -تحت زعامة أمريكا- اتخاذ الإسلام عدوًا أحلته محل الشيوعية، وأطلقت عليه «الخطر الأخضر» الذي حل محل «الخطر الأحمر».
ومنذ ذلك التاريخ، حولت الإمبريالية الأمريكية كل منظومتها المؤسساتية في الحرب على الإسلام والمسلمين، حتى كانت الفرصة السائحة عقب أحداث 11 سبتمبر سنة ۲۰۰۱م، التي جعلت خطابها الأيديولوجي يعلن -بصريح العبارة- أن حربها على الإسلام هي «حملة صليبية» ضد «الأشرار» ومحور الشر، وضد الفاشية الإسلامية!
لقد أعلنوا أنهم يريدون إسلامًا لا علاقة له بكامل الإسلام، يريدون إسلامًا مثل النصرانية، يقف بأهله عند الشعائر والطقوس، ويترك دار الإسلام وثروات المسلمين للقيصر الأمريكي، لقواعده العسكرية، وشركاته الاحتكارية العابرة للقارات والجنسيات.
ولذلك، أعلن الكاتب الصهيوني الأمريكي توماس فريدمان سنة ٢٠٠١م إبان الغزو الأمريكي لأفغانستان:
«إن الحرب الحقيقية في المنطقة الإسلامية هي في المدارس، ولذلك يجب أن نفرغ من حملتنا العسكرية بسرعة، لنعود مسلحين بالكتب، وذلك لتكوين جيل جديد يقبل سياساتنا كما يحب شطائرنا» (۱).1 أي الحرب الحقيقية هي في مناهج التعليم الإسلامية، لتفريغها من روح المقاومة والجهاد ضد الغزاة.
وأعلن المفكر الاستراتيجي الأمريكي «فوكوياما».
«إن العالم الإسلامي يختلف عن غيره من الحضارات في وجه واحد مهم، فهو وحده الذي ولد تكرارًا خلال الأعوام الأخيرة حركات أصولية مهمة ترفض ليس السياسات الغربية فحسب، وإنما المبدأ الأكثر أساسية للحداثة الغربية التسامح الديني، والعلمانية نفسها، ولذلك، فإن الصراع الحالي ليس ببساطة معركة ضد الإرهاب -كما تظهرها الحكومة الأمريكية بشكل مفهوم!- ولكنه صراع ضد العقيدة الإسلامية الأصولية الفاشية الإسلامية التي تقف ضد الحداثة الغربية، وعلى المجتمع الإسلامي أن يقرر فيما إذا كان يريد أن يصل إلى وضع سلمي مع الحداثة الغربية، وخاصة فيما يتعلق بالمبدأ الأساسي حول الدولة العلمانية» (۲).2
تلك هي حقيقة المعركة، وهذه هي مؤسساتها.
وفي هذا الإطار يجب أن ننظر إلى هذا الفصل الجديد من افتراءات بابا الفاتيكان -بنديكتوس السادس عشر- على الإسلام.
فالقضية ليست محاضرة كال فيها البابا الافتراءات للذات الإلهية، ولرسول الإسلام ﷺ وللقرآن الكريم، وللجهاد الإسلامي.
والقضية ليست مجرد اعتذار من الرجل للمسلمين، إذا حدث، كان الهدوء والاسترخاء، وإنما نحن أمام توظيف إمبريالي غربي -وأمريكي بالأساس- للكنيسة الكاثوليكية ضد الإسلام مثل ذلك التوظيف الذي تم لها في الصراع ضد الشيوعية.
لقد نجحت أمريكا في جر الكنيسة الكاثوليكية الغربية -في عهد البابا الراحل يوحنا بولس الثاني- في المعركة ضد الشيوعية.
واليوم، وبعد إحلالهم الإسلام عدوًا محل الشيوعية، يتم توظيف الكنيسة الكاثوليكية، تحت قيادة البابا بنديكتوس السادس عشر في الحرب ضد الإسلام.
تلك هي الحقيقة التي يجب أن يعيها ويتعامل معها العقل الإسلامي، فنحن لسنا أمام مجرد «سقطة فكرية» لعظيم الفاتيكان، ولا حتى أمام «موقف أخرق» على حد تعبير النيوزويك الأمريكية في التعامل مع الإسلام، وإنما -نحن- أمام واحد من التحديات الكثيرة والشرسة والمتوالية التي امتلأ بها تاريخنا الطويل.
وفي مواجهة التحديات الشرسة يظهر المعدن النفيس والصلب لهذه الأمة، هكذا علمنا التاريخ.
وفي مواجهة التحديات، وحتى نواجهها وننتصر عليها، لا بد من «ترتيب أولويات العقل المسلم» و«ترتيب أوراق الإمكانات» التي يمتلكها المسلمون، فبإرادة المواجهة والنهوض، وبإدارة الإمكانات التي نمتلكها، تستجمع الأمة أسباب الصمود، والنهوض، والانتصار.
ولنتذكر -في ختام هذه الدراسة- كلمات صلاح الدين الأيوبي «٥٣٢- ٥٨٩هـ/ ١١٣٧- ١١٩٣م» التي كتبها إلى الملك الصليبي «ريتشارد قلب الأسد» «١١٥٧- ١١٩٩م»، والتي قال فيها: القدس إرثنا كما هي إرثكم، من القدس عرج نبينا إلى السماء، وفي القدس تجتمع الملائكة، لا نفكر بأنه يمكن لنا أن نتخلى عنها كأمة مسلمة.
أما بالنسبة إلى الأرض، فإن احتلالكم فيها كان شيئًا عرضيًا، وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء.
ولن يمكنكم الله أن تشيدوا حجرًا واحدًا في هذه الأرض طالما استمر الجهاد (۳).3
وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «عليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام» «رواه الإمام أحمد».
و «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهید» «رواه الترمذي».
والسلام على من اتبع الهدى يا عظيم الفاتيكان.
1 (1) صحيفة «وطني» القاهرة- في ٢٥/ ١١/ ٢٠٠١م، وهي تنقل عن «نيويورك تايمز».
2 (2) فوكوياما «نيوزويك»- العدد السنوي- ديسمبر سنة ٢٠٠١م، فبراير سنة ٢٠٠٢م.
3 (3) صحيفة «الحياة»- لندن- عدد ٢٧/ ١/ ١٩٩٦م.