; لمواجهة الإعلام اليهودي مشروعنا الإعلامي لازال حبرًا على ورق | مجلة المجتمع

العنوان لمواجهة الإعلام اليهودي مشروعنا الإعلامي لازال حبرًا على ورق

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1990

مشاهدات 78

نشر في العدد 957

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 06-مارس-1990


لمواجهة الإعلام اليهودي.. مشروعنا الإعلامي لازال حبرًا على ورق.

ما زال العالم الإسلامي ينتظر بلهفة قيام ذلك المشروع الذي يُطلق عليه "مشروع الإعلام الإسلامي" والذي طالما انتظره كل مهتم به، وكذلك كل من يُؤرقه ما يسمعه أو يقرؤه من وسائل الإعلام الغربية من أقاويل وادعاءات تكفي لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في أنحاء المعمورة. وما زال القارئ أو المستمع المسلم مجرد وعاء يُصب فيه ما يُعد يوميًا على الأفاعي الصهيونية من افتراءات ومعلومات مُلفقة. أليس من السذاجة أن يعتقد المرء أن الكمية الهائلة من الأخبار التي تبثها وتنشرها وكالات الأنباء الغربية التي يحتكرها اليهود خالية من الشوائب والسموم؟ ولست بصدد سرد كل ما قد قيل ويُفترى حتى الآن على الأمة العربية أو الإسلامية لأن تلك الادعاءات قد أصبحت مألوفة لدينا. ولا غرو في أن كل ما يرد إلينا من أخبار يتم إعدادها وصياغتها وحتى تحويرها لأهداف مرسومة ومُحددة مع تطعيمها بمفردات هدامة لها دلالات خاصة تضمن إحداث وقع خاص على القارئ أو السامع المسكين. ذلك إذا فقد هذا الأخير حاسة التمحيص والقدرة على الاستقراء.

 

وقد آن الأوان لتحدث نهضة إعلامية في العالم الإسلامي بعد أن تغير مفهوم كل من الإعلام والدعاية والرأي العام. إذ إن هذه المفاهيم الثلاثة تشكل العناصر الأساسية لضمان نجاح أي غزو فكري وثقافي، وكما جاء في كتاب الأستاذ موسى الكيلاني "الإعلام السياسي والإسلام" فإن الإعلام هو "المستخدم والمخطط المدروس لأسلوب الدعاية والأساليب الأخرى بهدف التأثير على آراء وعواطف واتجاهات وسلوك الطرف المقابل، سواء أكان صديقًا أم عدوًا أم مُحايدًا وذلك خدمة للإنجازات والأهداف الوطنية والقومية". أما الدعاية فهي "التأثير على سلوك الآخرين ومعتقداتهم بواسطة الاستخدام الانتقائي الذكي المدروس للرموز ونشرها سواء كانت هذه الرموز لفظية أو سمعية أو بصرية أو إدراكية، والتركيز على الكلمة سواء كانت منحوتة أو مسموعة أو مُصورة أو مرئية. وقد تكون الدعاية واضحة "بيضاء" أو مستترة "سوداء" أو ما بينهما "رمادية". أما الرأي العام فهو عبارة عن اتفاق وجهة نظر غالبية الناس على رؤية واحدة لموضوع معين مهم للجميع شريطة أن يكونوا في مجتمع واحد".

 

1- يتخذ الغرب هذه الوسائل الثلاث للوصول إلى نفسية المسلم وغزوه فكريًا وثقافيًا عن طريق الصحف اليومية والمجلات والإذاعات وبرامج التليفزيون والسينما والرسم والنحت ووسائل أخرى، وإذا عرفنا كمية الأخبار التي ترد إلينا يوميًا لعرفنا مدى أهمية إنشاء ذلك المشروع الذي ما زال حبرًا على ورق ألا وهو مشروع الإعلام الإسلامي.

وتُشير إحصائيات اليونسكو الدولية إلى أن الدعاية السياسية التي تعتمد على الصحف قد تنوعت الآن في الأساليب والأهداف حيث تصدر في العالم 13 ألف صحيفة يومية بينما يبلغ عدد الصحف الأسبوعية والشهرية 309,000. ومن البديهي أنه لا يصل إلينا أية منشورات من هذه الكمية تهدف إلى تثبيت عقيدتنا وترسيخ تعاليم ديننا الحنيف في نفوسنا، لا سيما إذا كانت هذه الصحف مُحتكرة من قبل دهاقنة اليهود الذين يُدركون مدى أهمية وسائل الإعلام كسلاح لمحاربة الإسلام والمسلمين. ولنذكر هنا على عُجالة أهم الصحف الغربية التي تغزونا يوميًا وتتمثل في: "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" و"لوس أنجلوس تايمز" و"هيرالد تريبيون" و"لندن تايمز" و"الغارديان" و"بالتيمور صن" و"وول ستريت" و"نيوز إكسبرس" و"نيويورك بوست" و"فيغارو" و"لوموند" و"لونوفيل أوبسرفاتور" و"فرانس سوار" و"دير شبيغل" و"صنداي تايمز" و"لوبوان" و"إكسبرس" و"تايم" وصحف ومجلات أخرى نتجرع سمها يوميًا بدون تمحيص واستقراء لما يرد فيها من كلام مفتعل.

 

2- كما أن أهم وكالات الأنباء العالمية هي "الأسوشيتد برس" و"اليونايتد برس إنترناشيونال" و"رويتر" ووكالة الأنباء الفرنسية "أ. ف. ب". وكل هذه الأجهزة الإعلامية يديرها من نعرف مواقفهم العدائية للإسلام والمسلمين، وبراعتهم في الصيد في الماء العكر.

وتدل الإحصائيات أن وكالة "الأسوشيتد برس" تُعتبر أهم مصدر للأخبار في العالم وتتخذ من نيويورك مقرًا لها حيث إنها تقوم يوميًا بتصدير ما يُعادل 17 مليون كلمة إلى أنحاء العالم على شكل أخبار. كما تقوم وكالة "اليونايتد برس إنترناشيونال" الأمريكية بمهمة مماثلة حيث تُصدر يوميًا ما يُعادل 14 مليون كلمة إلى المشتركين الذين يبلغ عددهم آلاف، موزعين في 90 دولة. هذا إلى جانب ما تُصدره يوميًا كل من وكالة الأنباء البريطانية "رويتر" ووكالة الأنباء الفرنسية "أ. ف. ب".

 

3- وإذا نظرنا إلى المبالغ الطائلة التي تُنفقها هذه الدول من أجل نشر ثقافاتها فإن ذلك يدعونا إلى صب اهتمامنا في مجال الإعلام. فعلى سبيل المثال، فإن الولايات المتحدة تقوم سنويًا بإنفاق حوالي 535 مليون دولار في مجال الإعلام وهذا خير دليل على مدى إدراكها أهمية هذا السلاح الذي هو خير وسيلة للهيمنة على عقول شعوب العالم الثالث بما فيها الأمة الإسلامية.

 

هذا، ولما كان هذا العصر عصر الإقناع والإعلام السياسي وتحويل اتجاهات الرأي العام ومعتقداته، فقد غدا السلاح الإعلامي أكثر أهمية باعتباره الوسيلة الوحيدة القادرة على خلق حالة من الولاء أو الخنوع أو حتى الانسلاخ ثقافيًا وعقائديًا بدلًا من خلق حالة الرفض والتحرر والمطالبة بالكرامة الإنسانية.

وإذا رجعنا إلى الوراء وتذكرنا كيف عالجت وسائل الإعلام الغربية القضايا الخاصة بالعالم العربي والإسلامي سنرى ضروبًا من الإجحاف والتحيز ضد الأمة الإسلامية. وقد رأينا مواقف الغرب في قضايا مثل مسألة احتجاج المسلمين إثر صدور الكتاب المشؤوم للروائي المرتد سلمان رشدي وكيف صال الإعلام الغربي وجال في "قضية الحجاب" التي أُثيرت مؤخرًا في فرنسا، وكم وصفت وسائل الإعلام الغربية أطفال الحجارة بإرهابيين في الوقت الذي تَصِف فيه الجنود الإسرائيليين بالأبطال، وما زالت بعض الوكالات الغربية تُخفي الحقائق المؤلمة وما يُعانيه الشعب الفلسطيني يوميًا في الأراضي المحتلة، وينطبق نفس الشيء على ما تذوقه الأقليات المسلمة في العالم من ألوان العذاب والاضطهاد ومواجهتها الدائبة لخطر طمس هوياتها الإسلامية، كما حدث ويحدث في كل من بلغاريا والهند ويوغوسلافيا وجنوب إفريقيا والصين والاتحاد السوفيتي والفلبين وحتى داخل الولايات المتحدة وفرنسا، اللتين تُناديان بالحرية والمساواة.

 

4- وكم من شعوب إفريقية فقدت هويتها الإسلامية نتيجة الغزو الثقافي الذي بلغ أوجه في الآونة الأخيرة، ولعل قيام ذلك المشروع الذي طال انتظاره سيكون بلسمًا في جراح الأمة الإسلامية ومِنبرًا لشعوب دول العالم الثالث. وكما أسلفنا، فإذا توصلنا إلى إقامة هذا المشروع المنشود في المستقبل فإنه يجب أن يقوم على أسس القرآن الكريم والحديث الشريف إلى جانب التراث الإسلامي، وفي الوقت نفسه ينبغي أن يواكب هذا الجهاز تطورات العصر والمبتكرات الحديثة في مجال الإعلام وأن يبعث في نفوس المسلمين حاسة التمحيص والاستقراء لكل ما يرد إليهم من وسائل الإعلام الغربية عملًا بالنصائح الربانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات:6). صدق الله العظيم.

 

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن منظمة المؤتمر الإسلامي قد تبنت في مؤتمراتها - ربما - الخمسة الأخيرة إنشاء وكالة أنباء إسلامية ومنظمة رياضية إسلامية، إضافة إلى المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم التي تُباشر أعمالها منذ أكثر من 10 سنوات، ولكن ذلك كله لم يُحقق حتى هذه اللحظة الهدف الأساسي على وجهه الأكمل وهو إنشاء إعلام إسلامي تتبناه المجموعة الإسلامية من أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي وعددها 44 دولة.

 

5- هذا وإن الحاجة لا تزال ماسة فعلًا إلى إقامة نمط إعلامي صحفي يُهيمن على التسيب الراهن في الأوضاع الإعلامية العربية والإسلامية ويُعبئها في اتجاه الأطر والسياسات التي تُعزز من شخصية الأمة الإسلامية وتدعم موقفها الثقافي في وجه التيارات الإعلامية الغربية التي تحاول بإصرار تخريب وجودنا الثقافي وقطع حبل الله الذي نعتصم به لتتسبب في ذهاب ريحنا وتُحولنا إلى قصب مُفرغ تُصفر فيه الرياح، ومهما كثرت الاجتماعات والمؤتمرات والمشاريع بدون أي إنجاز ملموس، فإن ذلك من شأنه أن يزيد من شماتة الأعداء وتخلفنا فكريًا وثقافيًا لأن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11).

 

الرابط المختصر :