العنوان النفايات النووية تضع أخلاقيات الغرب في الميزان
الكاتب صالح إبراهيم البليهي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1988
مشاهدات 67
نشر في العدد 875
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 19-يوليو-1988
- الأخلاقيات الغربية شبيهة بالعدل الروماني الذي كان للرومان وحدهم دون سائر البشر!!
- شركات ألمانية غربية لإنتاج العصير تستخدم صبغة الأحذية في تلوين المرطبات والعصير الذي تبيعه!!
الفضيحة الجديدة التي فجرتها قضية الباخرة السورية «زنوبيا» في إيطاليا- والمحملة بالنفايات الضارة- فجرت من جديد قضية الأخلاقيات الغربية للدول المسماة بالعالم الحر، فما هي أبعاد هذه القضية؟
قضية زنوبيا:
تبين من التحقيق الذي أجرته السلطات الإيطالية في ميناء «مارينا دي كارارا» مع قبطان السفينة السورية أن النفايات السامة هي في الأصل إيطالية، وأن رجل الأعمال السوري «محمد سمين» والذي نسبت ملكية النفايات إليه، كان مجرد وسيط لدفن النفايات في جزيرة سيروس اليونانية، لكن السلطات اليونانية رفضت دفن الحمولة السامة بعد أن عرفت مكوناتها؛ فعادت إلى ميناء الأصل في إيطاليا.
لكن هذه الحمولة لم تكن الوحيدة؛ فهناك حوالي ۱۱ ألف طن على متن ٦ بواخر لا تزال تنتظر التفريغ في موانئ دول الجنوب النامية، تم تصديرها إليها من دول الشمال المتقدمة صناعيًّا، وتبين من التحقيق أن هناك نفايات أخرى قد تم دفنها في بعض دول العالم الثالث، ومنها حمولة باخرة في طرطوس في سوريا، وأقيل على إثرها بعض من ثبت تورطه فيها، ومنهم بعض أبناء الشخصيات النافذة في سوريا.
وبدا أن قضية زنوبيا هي قمة جبل الجليد العائم في محيط الأخلاقيات الغربية.
جبل الجليد:
وتبين من التحقيق الأولي أن هناك نفايات قد دفنت في لبنان، يحوي بعضها مواد كيماوية شديدة السمية ومواد مشعة، بل وتم التخلص من كميات كبيرة من اللحوم والحليب المشبع بالإشعاعات النووية والأسماك الفسفورية، وتم قبض الثمن لدفنها ثم أعيد بيعها كغذاء صالح للمستهلكين في لبنان، وأن هناك شخصيات مارونية في مستوى عال في الدولة هي التي تولت عقد الصفقة مع الجهات الأوروبية، وقد عملت من خلال وسيطين هما «روجيه حداد» و «أرمند نصار» صاحب شركة شحن بحرية؛ حيث استقبلت العديد من هذه الشحنات خلال الأعوام الماضية في الموانئ اللبنانية غير الشرعية.
كما تبين من أنباء بريطانية أن هناك العديد من الشركات الهولندية والألمانية والإنجليزية والإيطالية تتخلص من نفاياتها الصناعية عبر بعض الشركات التي تخصصت في دفنها في دول العالم الثالث، وخاصة لبنان وإفريقيا كشركة سويسرية تدعى «إنتركونتاكت»، ولها ممثل آخر هو شركة «إیکو».
وقد سبق لنيجيريا أن اكتشفت حمولة باخرة في أحد الموانئ على وشك التفريغ في أراضيها، وعملت على إعادتها إلى المصدر!
ويقدر المسؤولون البريطانيون بأن كمية النفايات الصناعية الغربية التي تدفن في العالم الثالث بحدود ۱۰ آلاف طن سنويًّا من النفايات المختلفة.
والواضح أن هذه الأعمال تجري منذ زمن بعيد، إذ سبق للحكومة الأمريكية أن حاولت دفن نفايات مشعة في الصحاري المصرية في صفقات مشبوهة تم عقدها في عهد أنور السادات؛ بحيث يعود ريع أموال الدفن للحكومة، ولا عزاء للشعب!
ويعتبر التخلص من هذه النفايات ضرورة صحية وقانونية في الدول الأوروبية، وفي الغالب فإن هذه المخلفات تدفن في أعماق سحيقة، ويصب فوقها كميات كبيرة من الكنكريت، تتجاوز في سماكتها نصف متر أو أكثر، وتكلف عملية التخلص من النفايات هذه مبالغ كبيرة، وقد تمنع قانونًا؛ فيلجأ الرأسماليون الغربيون إلى تصديرها بعلم الحكومات الغربية إلى دول العالم الأخرى، إذ أن القانون الغربي لا يمنع تصدير هذه المواد لتدفن في الخارج، مادام الدفن سيتم خارج الحدود الدولية والمياه الإقليمية.
ماهية النفايات الضارة:
تعتبر المخلفات الصناعية من أفتك المواد السامة لتأثيرها المباشر والضار على الإنسان والحيوان والنبات، بالإضافة إلى احتمال بقائها مدة طويلة في التربة؛ لتؤثر على عدة أجيال من الأحياء الأرضية بما فيها الإنسان، مع تسربها إلى المياه الجوفية بالإضافة إلى التربة، واحتمال تشويه التركيب الجيني الوراثي للإنسان والحيوان والنبات، أو الإصابة بالعقم الدائم.
ومن هذه المواد:
- النفايات المشعة: وهي عبارة عن المواد والعناصر المشعة أو المتحللة نتيجة الإشعاعات أو التفاعلات النووية، بما فيها الأغذية وغيرها من المواد التي سبق تعرضها أو تضررها بالإشعاع النووي، وتلوثها به بدرجة عالية، وضرر هذه النفايات في العادة أشد وأسرع من غيره.
- النفايات العضوية: ومنها البي سي بي PCB «بولي كلورونيتد باي فينيل»، وهي نفايات ذات تركيب عضوي شديد السمية، وتؤثر على كل الأحياء بطريق مباشر أو غير مباشر، كما تؤثر على التربة والمياه الجوفية، ولها أثر ضار على الأحشاء الداخلية للإنسان، وتركيب الجينات الوراثية، مما يهدد أجيالًا كاملة من البشر بالتشوه والعيوب الخِلقية والتخلف العقلي.
وتشمل هذه النفايات مخلفات الصناعة من الزيوت والكيماويات العضوية المصنعة.
- النفايات الكيماوية: وهي نفايات ذات تركيب كيماوي غير عضوي، ومنها مركبات الزئبق وغيره من المركبات أو العناصر الكيماوية السامة.
أما المخلفات التي تم اكتشافها في لبنان فقد كان منها:
أ- ديفوليونت: وهي مادة تقضي على الحياة النباتية.
ب- بيزسيول: وهي مادة تقضي على النبات والحشرات.
ج- كلوروجوموجرير: وهي مادة قاتلة للإنسان.
والأدوية الغربية كذلك:
وتأتي الفضيحة الجديدة لتثير تساؤلات كثيرة عن مصداقية الأخلاقيات الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد سبق للكونغرس الأمريكي- وهو من أعلى المجالس التشريعية في أمريكا- أن اقر قانونًا في العام الماضي يبيح لشركات الأدوية الأمريكية أن تبيع أدوية مصنوعة- أو ثبت ضررها في أمريكا- إلى دول أخرى في العالم، وذلك بعد شهور قلائل من اكتشاف فضيحة أوروبية للعديد من شركات الأدوية- ومن بينها شركات فرنسية وألمانية غربية وسويسرية- تمتهن تغيير أسماء الأدوية كما هي في بلادها؛ لتبيعها في دول العالم الثالث تحت مسميات مختلفة- ولأمراض أخرى- مع أن التركيب الكيميائي واحد، والهدف هو الكسب الحرام!
كما ثارت من قبل فضيحة أدوية غربية حاولت تجريب بعض أدوية معالجة أمراض الكبد في مصر على عينات آدمية قبل إقراره في بلادها؛ فاستخدمت البشر في بلاد العرب والإسلام بدلًا من فئران التجارب الأوروبية.
ومن الواضح أن الأخلاقيات الغربية شبيهة بالعدل الروماني الذي كان للرومان وحدهم دون سائر البشر، فالأخلاق الغربية تسود في تعامل الغربي مع أمثاله، أما حين يتعامل الغرب مع دول العالم الثالث فإن قواعد الأخلاق تختلف لديه تمامًا.
والطعام الغربي كذلك:
ولا تقتصر هذه الأخلاقيات- التي تضع الدولار أو المارك أو الفرنك فوق أي اعتبار- على مجال النفايات والدواء؛ بل إنها انتقلت إلى الغذاء، فقد ثبت قبل عدة سنوات أن شركة ألمانية غربية لإنتاج العصير قد استخدمت صبغ الأحذية في تلوين المرطبات والعصير الذي تبيعه.
كما ثبت أن شركات أخرى تستخدم الهرمونات الأنثوية في التسمين السريع للدواجن بحقنها به أو وضعه في العلف، كما إنها استخدمت نفس الهرمون لزيادة إدرار حليب الأبقار، وأن له آثارًا ضارة بالنسبة للأطفال الصغار الذين يتناولونه، تتمثل في ظهور علامات البلوغ الكاذب، واضطراب الدورة الشهرية، ثم العقم غير معروف الأسباب بالنسبة للفتيات اللواتي يتناولنه في مرحلة المراهقة.
كما تستخدم شركات كثيرة- مثل شركات البسكويت والجبن والزبدة- شحوم الخنزير، ثم تبيع منتجاتها في بلادنا على أنها خالية من الدهون الحيوانية إطلاقًا!
ضرورة الرقابة الصارمة والتشريع الصارم:
إن دول العالم الثالث- وفي مقدمتها دول العالم الإسلامي- مطالبة بوضع رقابة صارمة على كل ما يردنا من العالم الغربي، ولا بد من سن التشريعات التي تعاقب التاجر المحلي الذي يستورد سلعة مضرة، بالإضافة إلى مقاطعة الشركة، وفرض الحظر عليها، مع فرض عقوبات مالية مناسبة على الحكومات الغربية التي يثبت تورطها في تصدير هذه البضائع، أو أنه تم بعلمها، ودون أن تتخذ الإجراء المناسب لإيقافه.
إن الغرب الذي يؤمن بالمادة لا بد من عقابه بعقوبات مادية مناسبة، نفرضها لحماية شعوبنا وأراضينا وبيئتنا التي يتاجر الغرب بها لحماية نفسه مع الإضرار بغيره.
كما أنه لا بد من إنشاء مختبرات للرقابة على الواردات والبضائع المحلية- مهما كان نوعها- للتأكد من خلوها من الآثار الضارة الآنية أو المحتملة على المستهلك، سواء قبل استيراد السلعة، أو بإجراء التحليل الدوري العشوائي لهذه السلع والمنتجات المنتشرة في أسواق بلادنا، واستحداث أساليب للتحليل والاختبار.
فالحكومة البريطانية- على سبيل المثال- حظرت في عام ١٩٨٠ بيع قماش نسائي ثبت أنه سريع الاشتعال، وأن احتراق فستان من هذا القماش بأكمله لا يأخذ أكثر من عشرة ثوان فقط، فحظرت بيعه حماية لبناتها.
وهذا واجب الحكومات في حماية أفراد الشعب لا من العدوان والأخطار الخارجية فحسب، بل بالحماية الواعية للمستهلك، وتقنين استيراد السلع الغربية، فقد ثبت بالدليل القاطع أن الغرب لا يصدر إلينا تلوثه البيئي وحسب، وإنما تلوثه الأخلاقي كذلك، وهو الأشد والأنكى أيها السادة.!
وهذا حق للمواطن في بلده بموجب الدين والدستور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل