; زيارة “حماس” للرباط.. دلالات عميقة ومكاسب متبادلة | مجلة المجتمع

العنوان زيارة “حماس” للرباط.. دلالات عميقة ومكاسب متبادلة

الكاتب عبدالغني بلوط

تاريخ النشر الخميس 01-يوليو-2021

مشاهدات 66

نشر في العدد 2157

نشر في الصفحة 34

الخميس 01-يوليو-2021

هناوي:

- انتصار المقاومة في «سيف القدس» أعطى للزيارة أهمية خاصة في تعزيز الموقف المغربي من القضية الفلسطينية

- أجندة التطبيع ستكون في حرج شديد كما أنها ضربة للبلطجة الصهيونية بالقدس

مفتاح: إذا لم يصبح المغرب بالتطبيع أفيد للقضيتين الوطنية والفلسطينية فإن تمزيق الاتفاق سيكون خيار الشجعان

التليدي: «العدالة والتنمية» مسح بهذه الزيارة جزءاً من الصورة السلبية التي أُلصقت به بسبب التطبيع

الرباط- عبدالغني بلوط:

في خطوة مفاجئة، وبعد فترة قصيرة من توقف العدوان الصهيوني على قطاع غزة، قام إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، بزيارة هي الأولى من نوعها للمملكة المغربية.

وإن كانت هذه الزيارة جاءت بدعوة من حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، الذي يقود الائتلاف الحكومي، فإنه لم تكن لتتم لولا الضوء الأخضر من الملك محمد السادس، وهو ما أكده هنية، في تصريح صحفي، 

مبرزاً الرعاية الملكية للزيارة، و»احتضان الشعب المغربي» لها. 

يتساءل مراقبون عن دلالات زيارة وفد «حماس» للمغرب وأبعادها ومآلاتها ومكاسبها المتبادلة، ولا سيما أن المغرب الذي يترأس لجنة القدس قام، أخيراً، بعقد اتفاق ثلاثي لتطبيع العلاقات بين الرباط و«تل أبيب» برعاية الرئيس الأمريكي السابق «دونالد ترمب»، وربط ذلك باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية وتقوية موقفه ضد جبهة البوليساريو الانفصالية.

وقال الحقوقي والكاتب العام للمرصد المغربي لمقاومة التطبيع عزيز هناوي، في تصريح لـ«المجتمع»: إن للزيارة دلالة عميقة تكتسب طابعاً مميزاً من حيث سياقها ومعطياتها السابقة والمصاحبة واللاحقة، وأبرز أن المغرب له موقف وموقع مميز تجاه القضية الفلسطينية في معادلات قضايا الشرق الأوسط، والصراع العربي «الإسرائيلي» منذ عقود، مشيراً إلى المرحلة الحالية خاصة السنوات الأربع الأخيرة ظهرت «صفقة القرن»، وكان المغرب يمانع ويرفض مدخلات ومخرجات هذه الصفقة، لكن في أواخر السنة الماضية أقدم المغرب على تطبيع رسمي مفاجئ في انعطاف حاد ونشاز عن الموقف الرسمي المعلن لسنوات طويلة، وربط ذلك بقضية وحدته الترابية في الأقاليم الصحراوية.

وأوضح أن انتصار المقاومة في «سيف القدس» أعطى للزيارة أهمية كبيرة، خاصة في تعزيز الموقف المغربي من القضية الفلسطينية، مبرزاً أن «حماس» تصرفت ببرجماتية وبذكاء إستراتيجي ولم تترك المجال مفتوحاً لأجندة التطبيع، مؤكداً أن الزيارة لم تقتصر فقط على حزب العدالة والتنمية، لكنها شملت لقاءات مع أطراف سياسية تنتمي إلى الطيف السياسي الواسع في المغرب، كما استقبلتها مختلف مكونات الشعب المغربي والمجتمع المدني باستبشار واحتفاء كبيرين.

وعن المكاسب الناتجة عن الزيارة التي أعقبت انتصار «سيف القدس»، أشار هناوي إلى أن أجندة التطبيع ستكون في حرج شديد، كما أنها ضربة للبلطجة الصهيونية في القدس، موضحاً أن المغرب وإن كان قد وقَّع الاتفاق الثلاثي بخلفية الدفاع عن قضية وحدته الترابية؛ فإنه أيضاً، وبصفته رئيساً للجنة القدس، يصطدم بمسؤوليته تجاه القضية الفلسطينية، وبكون قوات الاحتلال، بسياساتها الهمجية الدموية، لم تترك لا للمغرب ولا لباقي الدول المطبعة مجالاً لتبرير التطبيع وتسويغه، وبذلك فإن المغرب ما عليه إلا أن يرجع إلى مربعه الأول ويعمل على تقليص -إن لم يكن إعدام- الأجندة التطبيعية ووقف مسارها، وتجديد موقفه من القضية الفلسطينية، هذه المرة، من موقع المقاومة، على الأقل دبلوماسياً إن لم يكن دعماً مباشراً أو سياسياً.     

وفي سياق متصل، ربط مراقبون الزيارة بتصريحات القائم بأعمال «إسرائيل» بالرباط حين انتقد تحية رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني للمقاومة الفلسطينية وصمود المقدسيين في وجه قوات الاحتلال والانتصار عليه.

وقال الإعلامي المخضرم نور الدين مفتاح، في افتتاحية جريدة «الأيام» المغربية: إن الرد المغربي السيادي الواضح والصارم واللبق في آن كان هو الاحتفاء بإسماعيل هنية وأعضاء مكتبه السياسي بعاصمة المملكة المغربية، هي رسالة جوابية صريحة لمن تكلم باسمهم القائم بأعمال «إسرائيل» بالرباط المدعو «ديفيد غوفرين»، وهو يعطينا الدروس في الجيوبوليتيك ومع من يجب أن نتعامل وكيف نقيم علاقاتنا مع إيران وغيرها.

وأضاف أن هذه الوقاحة وما وراءها هي ما ردت عليه المملكة بضربة معلم، في إطار توازن خلاق أفحم كذلك محبي «إسرائيل» هنا الذين تبعثرت أوراقهم وابتلعوا ألسنتهم، وهذه الرسالة ليست لتصفية حساب ما مضى ومن مضى، ولكنها رسالة أيضاً لمن جاء ولما سيأتي ما دامت هذه الحكومات «الإسرائيلية» لا تتنافس إلا على من يكون أكثر تطرفاً وأكثر دموية، وهي رسالة أيضاً لهذه الولايات المتحدة الأمريكية التي تتعبنا بالتسويف والغموض في التزامها بالاتفاق الثلاثي، وفي تلكؤ الإدارة الجديدة لتنزيل الاعتراف بمغربية الصحراء على أرض الواقع.

وأشار إلى أن المغرب إذا لم يصبح بالتطبيع أفيد للقضيتين الوطنية والفلسطينية، فإن تمزيق هذا الاتفاق سيكون خيار الشجعان، ولا شيء أثقل في الميزان من الجبهة الداخلية وهي مع القضية الوطنية والقضية الفلسطينية.

من جهة أخرى، وبعد واقعة توقيع العثماني للاتفاق الثلاثي، حاول خصوم ومنافسو حزب العدالة والتنمية ربط الزيارة برفع الحرج عنه، في إطار الاستعداد للانتخابات المقبلة، لكن الأمين العام للحزب شدد على أن الزيارة كانت مبرمجة قبل ستة أشهر وتأخرت بسبب الوضع الفلسطيني الداخلي، معتبراً أن زيارة قادة «حماس» تأكيد على انخراط الحزب في دعم الشعب الفلسطيني بمختلف فصائله وفئاته ودعم المقاومة الفلسطينية، ودليل على دعم المغرب؛ ملكاً وحكومة وشعباً، للقضية الفلسطينية.

وأبرز المحلل السياسي بلال التليدي، في تصريحه لـ«المجتمع»، أن العدالة والتنمية من هذه الزيارة مسح جزءاً من الصورة السلبية التي ألصقتها به بعض الحركات الإسلامية والفصائل الفلسطينية بسبب التطبيع، فقد تعرض الحزب لحملة قوية بسبب توقيع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني على الاتفاق الثلاثي، وبدأ ينظر لحزب العدالة والتنمية كما لو أنه شق صف الحركة الإسلامية بالخروج على الثوابت التي تجمع موقف الحركات الإسلامية وموقفها تجاه القضية الفلسطينية. 

واليوم، يستطيع سعد الدين العثماني أن يستعمل هذه الزيارة للرد على خصومه والتأكيد أن موقف حزبه لم يتغير، وأنه لا يزال داعماً للمقاومة وخطها مسانداً لحقوق الشعب الفلسطيني.

وأكد التليدي أن «حماس»، بدون شك، ستحقق مكسباً من هذه الزيارة، فهي ترى أن قوتها في المواجهة العسكرية أخرجتها من عزلتها، وفتحت لها البوابة السياسية والدبلوماسية، وتقرأ الموقف المغربي على أساس أنه إخفاق لاتفاقات «أبراهام» ولمسار التطبيع، وأنه لم يعد إلا خيار الدولتين، بإقامة دولة فلسطينية على حدود أراضي عام 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية، ولذلك فمن المتوقع جداً أن يفتح عدد من العواصم العربية أبوابها لاستقبال «حماس»، خاصة أن الضوء الأخضر قد أعطي لتنويع الأدوار العربية، لدفع «حماس» نحو التفاوض، وتليين لهجتها، وافتكاك السياسي من قبضة العسكري، أي تشجيع الجناح السياسي على إدارة الملف بدل تركه في يد الجناح العسكري لحركة «حماس».

وبخصوص استحقاقات هذه الزيارة، يشير التليدي إلى مؤشرات مهمة تثبت أن ثمة تحضيراً لدور مغربي مقترح أو مبادرة أو تكوين عناصر وساطة غير مباشرة بين الطرفين «الإسرائيلي» والفلسطيني.

أولهاً: ما يرتبط بمضمون الرسالتين؛ الملكية التي هنأت رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الجديد، ورد هذا الأخير عليها، فالرسالتان تضمنتا حديثاً عن السلام، بل تحدثت رسالة «بينيت» عن مساعي المغرب الرامية للدفع قدماً بالسلام والأمن في المنطقة.

الثاني: أن واشنطن في مساعيها لوقف إطلاق النار بين الطرفين مع تركيزها أكثر على الدور المصري والقطري، ونسبياً الأردني، لم تشطب دور الرباط من الطاولة، بل نوهت بجهودها، ولا سيما أنها اضطرت بسبب العدوان على غزة أن تعدل سياستها الخارجية وتعيد قضية الشرق الأوسط إلى أولوياتها.

الثالث: أن التطورات التي عرفتها المواجهة العسكرية بين الطرفين «الإسرائيلي» والفلسطيني، ودخول كل مدن «إسرائيل» ضمن دائرة الاستهداف الفلسطيني، خلق قناعة لدى واشنطن وأوروبا أن أي تصور لمفاوضات قادمة لا يمكن أن تغيب عنه «حماس»، ولو بوساطة غير مباشرة، وأن الحاجة ملحة لتنويع الوسطاء، ولا سيما بعد التعثرات التي عرفها الدور المصري في إدارة التفاوض حول كثير من الملفات بين الطرفين.

الرابع: أن ثمة توجهاً دولياً، بدأ يتبلور بشأن مرتكزات عملية السلام، وأنه يستحيل أن يستمر المنطق الذي يجعل المفاوضات أداة للضغط على الجانب الفلسطيني، بينما تتحلل «تل أبيب» من كل التزاماتها، وتجهز على الحقوق الفلسطينية، وتنتهك حقوق الإنسان، خاصة أن قضية القدس، بعد أحداث حي الشيخ جراح، أصبحت في صلب المفاوضات، وأن المغرب هو المؤهل للقيام بدور في هذا المجال.

وختم التليدي أن دبلوماسية المغرب الهادئة ونجاحه في إنجاز نتائج إيجابية في الملف الليبي، فضلاً عن حاجته لكسب التحدي في ملف وحدته الوطنية، يلح على الرباط بممارسة دور دبلوماسي مهم، يقنع واشنطن بأن ثمرة اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء ليس فقط جواباً على التحديات الأمنية التي تطرحها منطقة الساحل جنوب الصحراء، وليس فقط فتحاً لفرص الاستثمار الأمريكي الواسع في أفريقيا، ولكن يحفز ويساعد في تهيئة شروط انطلاق دور مغربي جاد في التسوية بالشرق الأوسط.>

الرابط المختصر :