العنوان معالم على الطريق: الاغتصاب السياسي.. والانتفاضة الجماهيرية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-2000
مشاهدات 50
نشر في العدد 1428
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 28-نوفمبر-2000
لا اتصور أن أحدًا من العقلاء يظن أن الكذب على الشعوب أصبح وسيلة فعالة لبقاء الحكم أو فرض السيطرة على الشعوب، ولا أتصور أبدًا أن تزوير الإرادة الانتخابية للأمة يظل إلى أمد بعيد، ولا تتصور أن إجهاض الرأي الآخر وفرض الفساد بالقوة في صالح أحد لا الحاكمين ولا المحكومين، ولا أتصور أبدًا أن الإستهتار بالقيم وامتهان الإنسان في الأمة سيركعها وسيقضي على نخوتها، وإن ظلت صامتة زمنًا ما، ولا أتصور مطلقًا أن حفنة من المنتفعين أو عددًا من البلطجية أو بعضًا من عصابات المافيا ولو كانت تسندها السلطات يعتمد عليها في الدفاع عن قيادات اهترأت وتقيحت وأسنت ولا أظن أن الاعتداء على الناخبين بالقنابل الدخانية والرصاص الحي وضرب الأمنين والمواطنين يوطد المحبة، ويجعل المواطنين يخشون جزاريهم وجلاديهم.
ولا أظن أبدًا أن الكذب والإنكار وتجميل الحقائق التي يعاينها الناس يجعلهم يثقون في رؤسائهم أو يطيعون لهم أمرًا.
ولا أظن أن اتهام الأبرياء، وتفصيل التهم للمعارضين في الرأي وللحاملين لواء الإصلاح والمنادين به ينطلي على الشعب الذي يعايش المتهمين ويعرف سيرتهم واستقامتهم بعد مخالطة وتأكد من نزاهتهم وطهارتهم ولا أظن أن المناداة بالإسلام وتنفيذ تعاليمه في حاجة إلى تصريح من أحد ولا أعلن أن الانتساب للإسلام جريمة يعاقب عليها القانون ويصدر فيها الأحكام بالسجن والاعتقالات ولا أظن أن الشعور الإسلامي سيصبر على هذا طويلًا.
ولا يتصور مطلقًا أن تحصر المشاركة السياسية في اليساريين والانتهازيين والفاسدين. وتجار الكيف، وتمنع عن الإسلاميين والأطهار وأصحاب الأيدي المتوضئة بغير حجج أو بينات أو قانون، اللهم إلا قانون الغاب وأن يجيش الدفاع عن تلك المظالم المنافقون، والمجروحون، والمطردون من الساحات العلمية والسياسية ويكون هذا عملًا كريمًا ينفع الأمة أو يزكي فاعلية.
وقد ساءني كثيرًا أن يتحدث الدكتور عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر، وعضو الأمانة العامة للحزب الوطني الحاكم وعضو مجلس الشعب فيقول: «قيام حزب إسلامي مرفوض تمامًا، لكن في الوقت نفسه ينبغي أن يكون هناك من يقول كلمة الحق النابعة من مبادئ الإسلام وتعاليمه، ولا ينبغي أن نلتفت إلى دعاة التفرقة بين الناس على أساس ديني أو طائفي ويرددون الشعارات ويريدون تسجيل مواقف وبطولات وهمية دون أن يضعوا في اعتبارهم مصلحة الوطن والأمة، فجميعًا مصريون هدفنا هو الرقي بالأمة معتمدين على مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف».
ويقول كذلك الدكتور إسماعيل الدفتار - الأستاذ بكلية أصول الدين ورئيس اللجنة الدينية بالحزب الوطني الحاكم: «لا أتصور وجود أو قيام حزب إسلامي في مجتمع إسلامي ودستوره الرسمي ودينه الرسمي هو الإسلام والشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع؛ لأن حزبًا إسلاميًا يكون نوعًا من العزلة عن بقية أفراد المجتمع، ونحن نستغرب هذا القول فهل الحزب الديمقراطي مثلًا يكون لعنة على الديمقراطية وكذلك الحزب الاشتراكي يجعل الاشتراكيين في عزلة.
والملاحظ أن العالمين الجليلين عضوان في حزب غير إسلامي، وهو الحزب الوطني العلماني الحاكم، وكما يقولون: من أكل طعام الحزب الوطني يضرب بسيفه، ولا شك أن هذا هو رأي السلطة، أفلا يكون هذا جرحًا في شهادة العالمين الجليلين؟
ثم أيرتضي العالمان أن تكون هناك أحزاب يسارية واشتراكية وعلمانية في بلد إسلامي تريد فرض مناهجها، ولا يكون هناك حزب إسلامي يعرض برنامج الإسلام في الحكم والإصلاح وخطته في العمل وسط جماهير المسلمين؟ ومن الذي يريد بث الفرقة في المجتمع الإسلامي الذي يحمل فكرته ويدافع عن هويته ويحمل منهاجه أو الذي يريد أن يحارب هويته ويهمش منهجه ويشتت ثقافته ويميع أخلاقه ويجفف ينابيعه؟! ثم لماذا لا ندع الأمة تحكم في هذا الأمر؟ وهل يمنع دستور البلاد قيام حزب يتخذ من الشريعة أساسًا له طبقًا للدستور، وهذا الأمر كان محور حديث وتحقيق كبير قامت به أخبار اليوم المصرية وطرحته المناقشة وأيده الكثير، وقال الجمهور العريض في معرض رده على هذا التساؤل: إن الانتخابات أظهرت تأييدًا شعبيًا واضحًا للتيار الإسلامي رغم المحاربة والأساليب المعروفة التي اتخذت ضده، وأبانت أن له وجودًا حقيقيًا في الشارع المصري، فقد حصل على مقاعد في مجلس الشعب تزيد على ما حصلت عليه المعارضة مجتمعة، ومن هذا لا بد أن تنعكس الإرادة الشعبية في تعبير قانوني يتمثل في السماح بقيام حزب يعبر عن التيار الإسلامي أو تحديدًا «الإخوان المسلمين» الذين هم جزء من تاريخ مصر الحديث بعد قيامهم سنة ١٩٢٨م. أي من أكثر من سبعين سنة، وأيد ذلك حزبًا التجمع اليساري، والوفد، وقال سيد على في الأهرام الاقتصادي: لو كان للمساجين والمعتقلين حق التصويت لحصل الإخوان على ٩٩٪ من هذه الأصوات مستغربًا أنه برغم السجون والمعتقلات التي ملئت بالإخوان، فإن الجماهير تؤيدها ولا تنطلي عليها تلك الألاعيب الشائنة التي تعامل بها وتصب عليها.
وبعد: فلا أظن أنه بعد هذه الانتفاضة الجماهيرية التي أثبتت اختيارها للأصلح، والتي عزلت من عزلت كراهية للفساد والضياع يستطيع أحد أن يماري أو يتعامى عن الإصلاح بعد ذلك، وإلا سيكون مخاطرًا بنفسه وبمستقبل بلده.
ولا أظن أن الاغتصاب السياسي أصبح يجدي مع تلك الانتفاضة الجماهيرية التي وضعت النقاط على الحروف وما أظن أن الغباء من المتنفذين سيظل يهدم كل شيء دون أن يكون هناك رد مقابل ودون أن يكون هناك حساب من الأمة، ورأيي أن الإصلاح هو الحل، وأن العقل هو الحل، وأن المصالح العليا هي الحل فهل تسعى لذلك دون أحقاد وحساسيات؟ نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل